محاسبه یوم القیامه

0

من الأسماء التی أطلقها اللّه سبحانه على یوم القیامه«یوم الحساب».( [1])، أی الیوم الذی یوقف فیه اللّه سبحانه عباده لیحاسبهم على ما اقترفوه من أعمال فی الحیاه الدنیا، وهذا الأمر بدرجه من الوضوح والتسلیم به ممّا جعل الإمام علیاً (علیه السلام) یعتبر التفریق بین الحیاه الدنیا و الآخره قائماً على هذا الأساس، حیث اعتبر الأُولى دار العمل والثانیه دار الحساب، فقال (علیه السلام) :
«والیوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل».( [2])
کما وردت فی هذا المجال روایات کثیره بالإضافه إلى الآیات، وقد جاءت فی تلک الآیات والروایات سلسله من العناوین الجدیره بالبحث والدراسه، لما فیها من المعانی والمفاهیم الشامخه، ولاشتمالها على البحوث المهمه التی یمکن أن تکون مفتاحاً لحلّ الکثیر من الإشکالات والشبهات التی قد تثار فی هذا المجال. ومن هذه التساؤلات التی تثار هنا:
۱٫ ما هو الهدف من وراء محاسبه الأعمال؟
۲٫ من المحاسب؟
وسنتناول هذین التساؤلین واحداً تلو الآخر.
۱٫ ما هو الهدف من وراء محاسبه الأعمال؟
إنّ حقیقه الحساب هی: الاطّلاع والوقوف على بعض المجهولات من خلال الاستعانه بالمعلومات المسبقه، وبعباره أُخرى: انّ حقیقه الحساب لیس إلاّ حلّ المجهولات عن طریق المعلومات.
وعلى هذا الأساس تظهر هذه الحاله على حیاه الإنسان بصوره جلیه باعتبار کونها أمراً واقعیاً لا ینفک عن حیاته، لأنّ الإنسان دائماً یعیش حاله من القلق على مستقبله ومصیره ویحاول معرفه ثمار ونتائج سعیه وجهده ومقتنیاته المادیه والمعنویه، ولذلک یسلک طریق الحساب والمحاسبه.
ومن هنا نعلم أنّ واقعیه المحاسبه والحساب الرائجه والمتداوله بین أفراد النوع الإنسانی تحمل فی طیاتها نوعاً من الجهل وتخفی فی أعماقها نوعاً من عدم المعرفه، وبما أنّ اللّه سبحانه وتعالى منزّه عن کلّ جهل، وانّ السرّ والعلن والخفاء والظهور بالنسبه إلیه على حدّ سواء، فما هی الحاجه إذاً للحساب والمحاسبه یاترى، إذ بإمکانه سبحانه أن یعمل بعلمه المطلق ویثیب المحسن ویعاقب المسیء على أساس من الحکمه والعدل الذی یعیّنه هو سبحانه، وحینئذ تکون عملیه إقامه محکمه للعدل والحساب والسؤال لغواً لا طائل وراءه، وبالنتیجه فإنّ هذا العمل لا یلائم الحکمه الإلهیه ولا یتطابق معها؟ والجواب عن هذه الشبهه هو: لیس الهدف من إقامه الحساب والمحاکمه یوم القیامه ( یَوْمَ یَقُومُ الْحِسابُ )( [۳]) هو انّ اللّه سبحانه یطّلع على أعمال عباده الحسنه منها والسیّئه واستحقاق الثواب أو العقاب، من خلال طرحه سبحانه سلسله من الأسئله على عباده، لأنّ اللّه سبحانه ـ و کما جاء فی متن السؤال ـ یعلم بکلّ شیء، ولذلک فهو غنی عن إقامه المحکمه لتحقیق ذلک الغرض، بل أنّ المقصود حقیقه من وراء إقامه محکمه الحساب شیء آخر، وهو: إراءه عدله وجوده وحکمته سبحانه عند المحاسبه، ولیتّضح ذلک للجمیع بنحو لا یرتاب فیه أحد حتى أُولئک الذین کانوا فی شکّ من ذلک فی الحیاه الدنیا یتّضح لهم عدله ورحمته سبحانه بنحو لم یبق لهم مجال للاعتذار أو الاعتراض.
ومن هنا یمکن القول: إنّ مسأله «الحساب» فی العالم الآخر لیست بمنزله الامتحان والابتلاء والاختبار فی الحیاه الدنیا والتی تجری بین العباد لکسب المعرفه والتعرّف على جوهر الأفراد وحقائقهم، أو معرفه أُمور أُخرى، بل أنّ الامتحان الإلهی له علله وأهدافه الخاصه التی منها إقامه الحجه على العباد.( [۴])
۲٫ مَن المحاسب؟
دلّت الأُصول التوحیدیه على أنّ جمیع العلل والأسباب تنتهی إلى خالق واحد ومدبّر فرد، هو مبدأ جمیع الموجودات، وهو مسبب الأسباب کلّها.
وهنا یقع الکلام فی البحث التالی: من المعلوم أنّ اللّه سبحانه وتعالى قد أقام النظام الدنیوی على أساس قانون العلّیه والمعلولیه، وانّه منح بعض مخلوقاته صفه المدّبریه فقال سبحانه: ( فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً )( [۵]) ، فهل یاترى أنّ عالم الآخره یقوم على أساس قانون العلّیه والمعلولیه أیضاً بنحو یمنح اللّه سبحانه بعض مخلوقاته صفه المحاسب ویوکل إلیهم محاسبه العباد؟ أو أنّه سبحانه هو الذی یتکفّل بهذا الأمر الخطیر والحسّاس؟
إنّ ظاهر، بل صریح بعض الآیات، انّ اللّه سبحانه هو الذی یتکفّل بعملیه المحاسبه وهو المحاسب یوم القیامه، قال سبحانه:
( …فَإِنَّما عَلَیْکَ الْبَلاغُ وَعَلَیْنَا الْحِسابُ ) .( [۶])
وقال أیضاً:
( إِنَّ إِلَیْنا إِیابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَیْنا حِسابَهُمْ ) .( [۷])
وفی آیه أُخرى:
( إنْ حِسابُهُمْ إِلاّعَلى رَبّی لَوْ تَشْعُرُونَ ) .( [۸])
ویقول عزّ من قائل:
( …وَکَفى بِاللّهِ حَسیباً ) .( [۹])
هذه الآیات صریحه فی أنّ المحاسب هو اللّه سبحانه، ولکنّ هناک طائفه أُخرى من الآیات الکریمه تشیر إلى أنّ المحاسب فی ذلک العالم هو الإنسان نفسه حیث هو یقوم بمحاسبه نفسه بنفسه من خلال قراءه کتابه بنفسه وحینئذ لا حاجه إلى محاسب آخر، یقول سبحانه: ( وَکُلَّ إِنْسان أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فی عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ یَوْمَ القِیامَه کِتاباً یَلْقیهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ کِتابَکَ کَفى بِنَفْسِکَ الْیَومَ عَلَیْکَ حَسیباً ) .( [۱۰])
ولکن الإمعان فی الأمر یظهر لنا أنّ هذه الآیات لا تنافی الآیات الآنفه الذکر، وذلک لأنّ مفاد هذه الآیه انّه تتجلّى فی العالم الآخر أمام الإنسان أعماله وأفعاله التی اقترفها بصوره کتاب یبرز ویظهر أمام نظر الإنسان، بنحو یرى الإنسان واقع أفعاله التی قام بها فی الحیاه الدنیا بصوره لا یبقى فیها مجال لأیّ إنکار أو تخلّص أو تنصّل عن المسؤولیه، ولذلک یصل الأمر بالإنسان إلى درجه یشهد هو على نفسه وعلى أعماله.
وبعباره أُخرى: أنّ الآیات السابقه تشیر إلى حقیقه جلیه وهی أنّها تنفی وجود أیّ محاسب فی ذلک العالم إلاّ اللّه سبحانه وتعالى وحده، وأمّا هذه الآیه فإنّها تشیر إلى کیفیه المحاسبه التی یقوم بها اللّه سبحانه وتعالى، وانّها تکون بالنحو الذی تعرض أعمال العباد وأفعالهم أمام کلّ واحد منهم بحیث یطّلع کلّ إنسان على ما بدر منه وما صدر من أفعال، ولیحکم هو بنفسه على نفسه.
حکم الروایات فی هذه المسأله
لقد حظیت هذه المسأله باهتمام الرسول الأکرم وأهل بیته علیه و(علیهم السلام) فقد وردت روایات کثیره فی هذا المجال، فطائفه من هذه الروایات تؤیّد الرأی الأوّل الذی ذهبت إلیه الآیات الکریمه، وأنّ اللّه سبحانه هو المحاسب یوم القیامه، یقول أمیر المؤمنین(علیه السلام) فی حقّ عائشه وخصومتها معه: «وأمّا فلانه فأدرکها رأی (رائحه) النساء، وضِغْنٌ غلا فی صدرها کمِرجَلِ القَیْنِ، ولو دعیت لتنال من غیری ما أتت إلیّ، لم تفعل، ولها بعد حرمتها الأُولى، والحساب على اللّه تعالى».( [11])
ولکن یظهر من بعض الروایات الأُخرى أنّ اللّه سبحانه قد أوکل أمر المحاسبه إلى أئمّه أهل البیت (علیهم السلام) .
روى عبد اللّه بن سنان عن الإمام الصادق(علیه السلام) ، أنّه قال:
«إذا کان یوم القیامه وکّلنا اللّه بحساب شیعتنا».( [12])
وقد ورد فی تفسیر قوله تعالى: ( ثُمَّ إِنَّ عَلَیْنا حِسابَهُمْ ) أنّ الإمام الصادق(علیه السلام) قال:
«إذا کان یوم القیامه جعل اللّه حساب شیعتنا إلینا».( [13])
وجاء فی الزیاره الجامعه الکبیره:
«وَإِیابُ الْخَلْقِ إِلَیْکُمْ وَحِسابُهُمْ عَلَیْکُمْ» .
ومن الملاحظ أنّ مضمون الزیاره الجامعه أوسع من مدلول الروایتین السابقتین، ولا تنافی بین ذلک وبین حصر الحساب باللّه سبحانه وتعالى، إذ ممّا لا ریب فیه أنّ قیام الأئمّه بالمحاسبه ینطلق فی واقعه من امتثال الأمر الإلهی، وانّ اللّه سبحانه هو الذی أوکل إلیهم القیام بهذا الأمر کما أوکل سبحانه إلى بعض مخلوقاته تدبیر بعض الأُمور فی الحیاه الدنیا، وهذا من الأُمور المسلّمه التی نطق بها القرآن الکریم.
وعلى کلّ حال فهناک روایات مستفیضه تؤکّد المنزله السامیه والمقام الشامخ لأهل البیت(علیهم السلام) فی یوم القیامه، حیث جاء فی بعضها أنّهم(علیهم السلام) أصحاب الأعراف، وأصحاب الشفاعه و…. وعلى هذا الأساس من الممکن أن یوکل سبحانه إلى الأئمّه أمر محاسبه العباد جمیعاً أو محاسبه بعض عباده خاصه. وبما انّ هذه المسائل من الأُمور الخارجه عن إطار حکم العقل فیها إثباتاً أو نفیاً، لذلک لابدّمن الالتجاء إلى الوحی وطلب العون منه هنا، فما یثبت من خلال هذا الطریق بصوره قطعیه لابدّ من الإذعان له والخضوع أمامه.( [۱۴])
[۱] . انظر: إبراهیم:۴۱، وسوره ص: الآیات ۶و ۲۶و ۵۳، وسوره غافر: ۲۷٫
[۲] . نهج البلاغه: الخطبه ۴۲٫
[۳] . إبراهیم: ۴۱٫
[۴] . ومن الطبیعی أنّ للامتحان الإلهی أهدافاً أُخرى تذکر فی محلها.
[۵] . النازعات: ۵٫
[۶] . الرعد: ۴۰٫
[۷] . الغاشیه:۲۵ـ ۲۶٫
[۸] . الشعراء: ۱۱۳٫
[۹] . النساء:۶، الأحزاب: ۳۸٫
[۱۰] . الإسراء:۱۳ـ ۱۴٫
[۱۱] . نهج البلاغه، الخطبه۱۵۶، ط صبحی الصالح.
[۱۲] . بحار الأنوار:۷/ ۲۶۴٫
[۱۳] . بحار الأنوار:۷/ ۲۶۴٫
[۱۴] . منشور جاوید:۹/۲۸۰ـ ۲۸۵٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.