عوامل بعث الأمل فی النفوس
إذا کان الإیمان وسعی الإنسان وکفاحه فی مسیره الإیمان یمثّل الأرضیه المناسبه والتمهید لبعث الأمل والرجاء فی نفسه، فإنّ قبول شفاعه الأولیاء، وشمولیه الرحمه الإلهیه وسعتها تُعدّ من العوامل التی تبزرع فی قلب الإنسان بذور الأمل فی المراحل اللاحقه، بمعنى أنّه بُعد الإیمان والسعی والکفاح المتواصل یأتی دور هذه العوامل التی أشار إلیها القرآن، والتی اعتبرها تمثّل المرحله الثانیه فی بعث الأمل وزرع الرجاء فی الروح الإنسانیه، وها نحن نشیر إلى هذه العوامل:
۱٫ المغفره الإلهیه الواسعه
إنّ العامل الأوّل لزرع الأمل فی قلوب الناس المؤمنین ـ بعد السعی والجهد اللائق ـ هو الإیمان برحمه اللّه الواسعه، والتیقّن بأنّ رحمه اللّه سبحانه قد سبقت غضبه.( [۱])
ولقد صرّح القرآن الکریم بهذا المعنى حیث قال سبحانه:
( قُلْ یا عِبادیَ الَّذِینَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَهِ اللّهِ إِنَّاللّهَ یَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمیعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِیمُ ) .( [۲])
وفی آیه أُخرى:
( …وَإِنَّ رَبَّکَ لَذُو مَغْفِرَه لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ… ) .( [۳])
إنّ هذا الصنف من الآیات وخاصه الآیه الثانیه یشیر إلى العفو والمغفره التی تشمل تاره ما; العباد من دون توبه، وإذا ما قیل: إنّ مراد الآیه هو أنّ المغفره لا تشمل الإنسان إلاّ إذا تحقّق شرط التوبه، نقول: إنّ هذا التصوّر غیر صحیح، لأنّه حینئذ لا حاجه لقوله سبحانه: ( على ظلمهم ) .
أضف إلى ذلک: انّ لحن الآیه الأُولى بنحو لا یمکن تخصیصه وحمله على حاله التوبه فقط، وذلک لأنّ الآیه لحنها لحن الحدیث عن الرحمه الواسعه والمغفره الإلهیه العامّه، والآیه تهدف إلى بذر الأمل فی قلوب العباد، وتبعث فی داخلهم نور الأمل والرجاء.
۲٫ استغفار الملائکه
ومن الأُمور الأُخرى التی تبعث الأمل فی قلوب العباد علمهم بأنّ الملائکه تستغفر اللّه لهم وتطلب منه التجاوز والصفح عن ذنوب عباده والستر علیهم وهدایتهم إلى الطریق القویم، ومن هؤلاء الملائکه الذین یدعون ویستغفرون للمؤمنین هم حمله العرش الإلهی، یقول سبحانه:
( الَّذِینَ یَحْمِلُونَ الْعَرشَ وَمنْ حَولَهُ یُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَیُؤْمِنُونَ بِهِ وَیَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِینَ آمَنُوا رَبَّنَا وََسِعْتَ کُلَّ شَیء رَحْمَهً وَعِلماً… ) .( [۴])
۳٫ شفاعه الأولیاء
العامل الثالث من عوامل بعث الرجاء وبثّ الأمل فی النفوس هو الاعتقاد بشفاعه الأولیاء، ولقد أطلق القرآن على مقام الشفاعه الذی منحه اللّه تعالى لرسوله(صلى الله علیه وآله وسلم) عنوان «المقام المحمود» حیث قال سبحانه:
( وَمِنَ اللَّیْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَهً لَکَ عَسى أَنْ یَبْعَثَکَ رَبُّکَ مَقاماً مَحْمُوداً ) .( [۵])
وفی آیه أُخرى یشیر سبحانه وتعالى أنّه سیقبل شفاعه الرسول الأکرم(صلى الله علیه وآله وسلم) إلى الحدّ الذی یرضى به الرسول(صلى الله علیه وآله وسلم) ، وهو إشاره إلى شمولیه وسعه شفاعته(صلى الله علیه وآله وسلم) حیث یقول سبحانه:
( وَلَسَوفَ یُعْطِیکَ رَبُّکَ فَتَرْضى ) .( [۶])
وهنا یطرح التساؤل التالی نفسه: هل الآیه الأُولى التی تشیر إلى سعه المغفره واللطف الإلهی، تبعث الأمل والرجاء فی نفوس العباد أکثر، أم الآیه التی تتعلّق بشفاعه الرسول الأکرم(صلى الله علیه وآله وسلم) ؟
الأحادیث والروایات الوارده عن أهل بیت الوحی والرساله تشیر إلى أنّ الآیه الثانیه هی التی تبعث الأمل والرجاء بصوره أکثر، وإن اختار الآخرون خلاف ذلک، ولکن نقل عن أمیر المؤمنین (علیه السلام) حدیثاً یؤیّد القول الأوّل.( [۷])
وفی الختام نشیر إلى نکته مهمه انّه بالرغم من وجود هذه الباقه العطره والبشائر الإلهیه والرحمه والمغفره وعوامل بعث الأمل والرجاء فی نفس الإنسان، إلاّ أنّه لا ینبغی للإنسان أن یخدع نفسه ویرکن إلى هذه العوامل فقط ولا یحرّک ساکناً ولا یقوم بوظائفه، بل علیه أن یعمل ویکدح ویجتهد و… ثمّ یضم إلى جنب ذلک العمل الاعتماد على العوامل المذکوره، ولقد أشار أمیر المؤمنین(علیه السلام) إلى هذا المعنى بقوله(علیه السلام) : «إنّما العالم الذی لا یقنِّط الناس من رحمه اللّه ولا یؤمنهم من مکر اللّه»( [8]).( [9])
[۱] . یا من سبقت رحمته غضبه.
[۲] . الزمر: ۵۳٫
[۳] . الرعد: ۶٫
[۴] . غافر: ۷٫
[۵] . الإسراء: ۷۹٫
[۶] . الضحى: ۵٫
[۷] . انظر: مجمع البیان:۴/۵۰۳ طبع صیدا; وإحیاء العلوم:۴/ ۱۶۷٫
[۸] . الکافی:۱/ ۳۶٫
[۹] . منشور جاوید:۳/۲۰۰ـ ۲۰۳٫