أصاله الفرد أو المجتمع

0

انّ طبیعه الحیاه الاجتماعیه للإنسان تقتضی أن ترتبط حیاته ـ و بنحوما ـ بالمجتمع الذی یحیا فیه، ولکن البحث عن نوعیه هذه العلاقه وحقیقتها وما هو شکلها؟ وقد ذکرت هنا مجموعه من النظریات المختلفه ونحن نشیر هنا إلیها بصوره مختصره.
الف: أصاله الفرد
المراد من أصاله الفرد هو أنّ الحیاه الاجتماعیه والعیش بصوره جماعیه ینبغی أن یکون بنحو لا تتوجّه إلى حیاه الفرد وشؤونه الشخصیه فیه أیّه ضربه، ولا تشکل الحیاه الاجتماعیه أیّه مزاحمه أو مضایقه لوجوده وحرّیاته الفردیه، ولیس المجتمع ـ وفقاً لهذه النظریه ـ فی الواقع إلاّ مجموعه من الأفراد، وانّ العامل الأساسی والسبب الرئیسی لهذا الاجتماع وهذه العلاقات والحیاه الاجتماعیه هو تأمین وتلبیه متطلبات وحاجات الفرد، والوصول إلیها فی ظل الحیاه الاجتماعیه لا غیر.
وإذا ما أقدم الإنسان على سن سلسله من القوانین والمقرّرات لتوفیر النظام الاجتماعی والخضوع لها، فانّما یفعل ذلک لسبب أساسی وهو انّه یبغی من خلال هذه المقررات والرضوخ لها الوصول إلى مصالح أکبر ومنافع أفضل.
إذن وفقاً لهذه النظریه یکون فساد المجتمع هو فی الحقیقه ولید فساد الفرد، کما أنّ إصلاح المجتمع یتحقّق من خلال إصلاح الفرد لا غیر.
خلاصه القول: إنّ الفاعل والمحرک فی جمیع المیادین هو إراده الفرد ومیوله ورغباته ومصالحه، وانّه انّما یقوم بإنشاء نظم وقوانین لیتسنّى له من خلالها وتحت غطائها الوصول إلى مقاصده ومیوله الشخصیه الکبرى.
ب: أصاله المجتمع
المراد من أصاله المجتمع هنا أنّ الحیاه الفردیه للإنسان تابعه وخاضعه للمحیط الاجتماعی الذی یعیش فیه، وذلک لأنّ الإنسان إذا کان خاضعاً للمحیط الطبیعی الذی یعیش فیه من عدّه جهات، فلا ریب أنّه کذلک یقع تحت قبضه المحیط الاجتماعی من عدّه جهات أیضاً.
وبعباره أوضح: انّ الشیء الذی له تحقّق وواقعیه وعینیه فی الخارج هو المجتمع والإنسان الاجتماعی لا الإنسان المستقلّ عن الآخرین، وانّ ما نراه فی الواقع هم الناس الاجتماعیون الذین تربطهم علاقات وروابط اجتماعیه ویحیون بصوره جماعیه.
وبعباره أُخرى: کما أنّ النظام الطبیعی تشکّل فیه الظواهر الطبیعیه جزءاً من النظام العام ولیس لها استقلالیه خاصه، فعلى سبیل المثال الأرض تعتبر جزءاً من المنظومه الشمسیه وانّ ظواهر الأرض داخله ضمن النظام العام لتلک المنظومه، کذلک الأمر بالنسبه إلى الإنسان فإنّ کلّ فرد من أفراد النوع الإنسانی إنّما هو جزء من المجتمع وتابع له، وإذا ما کانت للفرد رؤیه أو إراده أو غنى أو ما شابه ذلک، فلیس ذلک إلاّ انعکاساً لصدى المجتمع والعوامل الاجتماعیه.
إنّ مثل الفرد فی المجتمع الإنسانی مثل الخلیه فی الجسم، إذ من الصحیح انّ للخلیه حیاه ونشوءاً وشکلاً خاصاً بها، ولکنّها فی نفس الوقت تابعه وخاضعه فی حالات الاعتدال والانحراف والصحّه والمرض إلى البدن التی تُعد جزءاً منه، وهکذا الأمر بالنسبه إلى الفرد فی المجتمع حیث إنّه یسیر ویتحرک بالاتجاه الذی یسیر ویتحرک فیه المجتمع.
إنّ أصحاب هذه النظریه یذهبون تاره ما إلى حدّ بعید جداً حیث یرون أنّ الفرد تابع للمجتمع وخاضع له بدرجه مائه بالمائه، وانّه لا سبیل أمامه إلاّ الحیاه ضمن إطار المجتمع، وأنّ إصلاح الفرد وسداده لا یتم، إلاّ من خلال إحداث انقلاب وتحوّل فی المجتمع، فإذا ما أردنا أن نصلح الفرد فلابدّ من إحداث انقلاب فی النظام الفاسد أوّلاً لکی یتسنّى لنا من خلال ذلک إصلاح الفرد.
نعم هناک نظریه ثالثه یمکن طرحها هنا. وهذه النظریه فی الواقع تمثّل منهجاً معتدلاً بین النظریتین السابقتین، وهذه النظریه تؤیدها روح التعالیم الإسلامیه، ویمکن أن نطلق علیها أنّها مزیج من «أصاله الفرد وأصاله المجتمع».
إنّ القرآن الکریم یؤکد أنّ للمجتمع الإنسانی ـ وبالإضافه إلى البعدین المذکورین ـ بُعداً ثالثاً، وهو ما نطلق علیه اسم «البعد العالمی» أو «البعد الإلهی».
وخلاصه ذلک: انّ عالم الوجود لا یقف موقف اللا مبالاه من عمل الإنسان وتصرّفاته، بل انّ عمل الإنسان وتصرفه یستدعی رده فعل مناسبه من قبل عالم الوجود فالعمل الصالح یستدعی رده فعل حسنه، والسیّئ رده فعل سیّئه، فالحسنه تجزى بالحسنه والسیّئه بالسیّئه.
توضیح ذلک: أنّ جمیع الاتّجاهات الفکریه، تنظر إلى العالم ـ باستثناء الإنسان وباقی الحیوانات ـ على أنّها وجودات جامده فاقده للشعور والإدراک، ویرون أنّ موقف العالم بالنسبه إلى الأعمال الصالحه والحسنه هو موقف اللامبالاه، فسواء قام الإنسان بالأعمال الحسنه أو اقترف الموبقات والسیّئات فلا یحدث ذلک أیّ رده فعل من قبل الأرض ولا من قبل السماء، فلا فرق بالنسبه إلى المجتمع بین ظلم الحکام وعدوانهم واستهتارهم بالقیم وتهوّرهم وبین عدل الصالحین والطاهرین واستقامتهم.
إلاّ أنّ النظریه القرآنیه على العکس من ذلک تماماً حیث یرى القرآن الکریم أنّ جمیع الموجودات ذات شعور وإدراک خاص، وأنّ العالم لا یعیش حاله اللامبالاه بالنسبه إلى عمل الإنسان وتصرفاته. کما أنّ القرآن الکریم یعتقد أیضاً انّ هذا البُعد من أبعاد المجتمع غیر قابل للإدراک من خلال مرآه القلب فقط، یقول سبحانه:
( …وَإِنْ مِنْ شَیء إِلاّ یُسَبّحُ بِحَمْدِهِ وَلکِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسبیحَهُمْ… ) .( [۱])
ولکن ما هی کیفیه هذا الإدراک والشعور، وکیفیه هیمنته على العالم؟ وما هو نوع العلاقه بین العمل الصالح والطالح للإنسان ورده الفعل الکونیه الصالحه والسیّئه؟ انّ کلّ ذلک من الأُمور الخفیه التی لا سبیل لنا لإدراکها إلاّ من خلال طریق واحد وهو الذی عبّرت عنه الآیه : ( الّذِینَ یُؤْمِنُونَ بِالْغَیْب… )( [۲]) وإن کانت حقیقه ذلک بالنسبه إلینا واضحه وجلیه، ولکن الکلام فی الکیفیه ونوع العلاقه.
وهناک آیات کثیره فی القرآن الکریم تشهد على وجود هذا البعد الثالث نذکر منها على سبیل المثال:
۱٫ ( ولَوْ أَنَّ أَهْـل القُـرى آمَنُـوا وَاتَّقَـوا لَفَتَحْنـا عَلَیْهِمْ بَرَکات مِنَ السَّماءِ وَالأَرْض وَلکِنْ کَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما کانُوا یَکْسِبُون ) .( [۳])
فالآیه صریحه فی أنّ لأعمالنا الحسنه والسیّئه تأثیراً فی فتح أبواب رحمه اللّه سبحانه وإغلاقها، وفتح وغلق برکات السماوات والأرض، کما أنّ الإنسان لم یتوصّل بالفعل إلى جمیع علل وأسباب وأسرار العالم حتّى یمکنه حینئذ إنکار تأثیر تلک الأعمال وعلّیتها.
یقول النبی الأکرم(صلى الله علیه وآله وسلم) :«إذا کثر الزنا، کثر موت الفجأه»،ولا ریب انّ الإنسان لم یدرک حتى الآن العلاقه بین الزنا و بین الموت المفاجئ ـ أو ما یصطلح علیه علمیاً السکته القلبیه أو الدماغیه ـ و لا طریق للإنسان لکشف هذه الحقیقه المجهوله إلاّ من خلال الوحی الذی یقدر على إزاحه الستار عنها وکشف الحقیقه التی لم یتمکّن العلم ـ مع تطوره الفائق ـ إلى الوصول إلیها، ولیست هذه هی الحاله الوحیده التی لم یدرکها الإنسان، بل توجد الکثیر من العوامل الخفیه التی لها تأثیرها فی حیاه الإنسان ولم یتوصل إلیها الإنسان ذلک المغرور بعقله وعلمه الناقص.
إذن هذا الحدیث الشریف ونظائره فی الروایات الکثیره تکشف لنا انّ الحیاه الاجتماعیه هی حیاه قائمه على أساس علاقات عضویه( [۴]) بحیث تتأثّر المجامیع فیما بینها فعلاً وانفعالاً، وإن کان بعضها متنفّراً و متبرّماً من البعض الآخر.
۲٫ إنّ الإسلام یؤکّد من جهه على تزکیه النفس وتهذیب الأخلاق والحثّ على العبادات والطاعات الفردیه والدعاء والتوسّل ویؤکد دائماً على حریه الإنسان وانتخابه واستقلالیته حیث یقول سبحانه:
( …لا یضُرُّکُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَیْتُمْ… ) .( [۵])
ولا یسمح للإنسان الفرد أن یتدرّج ـ لتبریر انحرافه ـ بانحراف المجتمع وفساده وانّه تابع للمجتمع وخاضع له، ولا یسمح للإنسان أن یغفل عن تطهیر نفسه وتزکیتها تحت هذه الذریعه.
إنّه سبحانه یخاطب یوم القیامه الناس الذین وقع علیهم الظلم والعدوان واستضعفوا فی الأرض وتلوّثوا بقذارات المجتمع الظالم وعیوبه، بقوله سبحانه:
( إِنَّ الَّذِینَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِکَهُ ظَالِمی أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِیمَ کُنْتُمْ قَالُوا کُنّا مُسْتَضْعَفینَ فِی الأرضِ قَالُوا أَلَمْ تَکُنْ أَرْضُ اللّه واسِعَه فَتُهاجِروا فِیها فَأُولئِکَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِیراً ) .( [۶])
إنّ هذه الآیه ونظائرها تصرح بأنّ الإنسان هو الذی یصنع مصیره وتصرّح بإرادته واختیاره، ولذلک لا یمکن أن نقول بأنّ شخصیه الفرد تذوب وتفنى فی المجتمع بصوره کامله.
۳٫ ولکن من جهه أُخرى نرى القرآن یؤکد أنّ العوامل الاجتماعیه تؤثر فی حیاه الإنسان، ولذلک یدعو ویحثّ الناس لتطهیر المجتمع من خلال فریضه «الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر» ویحذر الناس من فتنه خطره تعمّ الجمیع حیث یقول سبحانه:
( واتّقوا فِتنه لا تُصیبنّ الّذینَ ظلموا مِنْکُمْ خاصّه… ) .( [۷])
کما أنّ للإمام الباقر(علیه السلام) فی هذا المجال کلاماً قیّماً یُعدّ من جواهر الکلام ودرره حیث یقول(علیه السلام) :
«فأنکروا بقلوبکم، وألفظوا بألسنتکم وصکّوا بها جباههم، ولا تخافوا فی اللّه لومه لائم… فجاهدوهم بأبدانکم، وأبغضوهم بقلوبکم غیر طالبین سلطاناً ولا باغین مالاً».( [8])
فإذا کانت إراده الفرد أسیره لإراده المجتمع وذائبه فیها، فلا معنى حینئذ لمثل هذا الطلب والحثّ على الجد والمثابره والسعی من أجل تزکیه النفس ومواجهه الظالمین والمنحرفین.
وأخیراً نؤکّد على نکته مهمه جداً وهی انّ الاعتقاد بوجود هذا البعد
(الثالث) فی المجتمع له تأثیر عجیب فی إصلاح المجتمع واستقامته، فأیّ الاتجاهین الفکریّین یصلح المجتمع ویقوّمه؟ هل هو المنهج الذی یرى أنّ العالم یعیش حاله اللامبالاه وعدم الاهتمام بما یصدر من الإنسان من أفعال حسنه کانت أو سیّئه، ویرى أنّ العالم موجود أعمى وأصم ولا شعور له ولا حیاه فلذلک لا یفعل ولا ینفعل بعمل الإنسان وما یصدر منه من ظلم أو عدل؟ أم انّ الذی یصلح المجتمع المنهج الفکری الذی یرى أنّ للعالم شعوراً وإدراکاً وانفعالاً وانّ کلّ عمل یصدر من الإنسان لا یفلت من قبضه العالم أبداً، بل لابدّ أن یقابل برده فعل تتناسب مع الفعل حسنه وسیّئه صالحه وطالحه؟
وعلى هذا الأساس ووفقاً لهذه النظریه لابدّ أن یتصدّى لحکومه المجتمع وإداره شؤونه طبقه من الناس الذین یدرکون وجود هذا البعد فی المجتمع وهذه العلاقات والروابط الاجتماعیه لکی یتسنّى لهم سن القوانین والمقررات الصحیحه والمناسبه آخذین بنظر الاعتبار هذا العنصر الفاعل.
وبتعبیر آخر: أی لا یغفلون هذا البعد حال رسمهم الخطط والبرامج الحیاتیه وسنّهم للقوانین التی تقوم علیها حرکه المجتمع.( [۹])
[۱] . الإسراء: ۴۴٫
[۲] . البقره: ۳٫
[۳] . الأعراف: ۹۶٫
[۴] . إنّ العلاقات العضویه تقابل العلاقات المیکانیکیه، ففی النحو الأوّل من العلاقات یکون للمجتمع روح واحده تحکمه وتهیمن علیه، ولکن فی العلاقات المیکانیکیه یفتقد المجتمع هذا النوع من العلاقه والرابطه وتکون العلاقه فیه مجرّد علاقه آلیه لا غیر.
[۵] . المائده: ۱۰۵٫
[۶] . النساء: ۹۷٫
[۷] . الأنفال: ۲۵٫
[۸] . الکافی:۵/ ۵۶٫
[۹] . منشور جاوید:۱/۳۲۴ـ ۳۳۱بتلخیص.

Leave A Reply

Your email address will not be published.