أفضلیّه الإنسان

0

لقد أذهل التطوّر التکنولوجی الغربی عقول الکثیر من الناس الذین یتأثرون بالعوامل الظاهریه، إلى درجه أصبح الجیل المعاصر ینظر إلى السلف الصالح نظره ازدراء وسخریه، أو على أقل تقدیر نظره عطف و ترحّم باعتبارهم خرجوا من هذه الدنیا ولم یتنعّموا بنعیم التطوّر التکنولوجی حیث إنّهم أصمّوا آذانهم وأغمضوا عیونهم وتوجّهوا بکلّ وجودهم إلى ماوراء الماده الذی لم یزدهم شیئاً!!!
إنّ عملیه التطوّر الآلی خلقت تحوّلاً عظیماً فی عملیتی «التولید» و «الاستهلاک» وسهّلت عملیه «اکتناز الذهب والفضّه» و «تکدیس الثروات الطائله»، و بالنتیجه حرّکت المیول والغرائز الداخلیه للإنسان بحیث طغى حس وغریزه الطمع والحرص على جمیع الغرائز الأُخرى بشکل واضح.
إنّ الالتفات والاهتمام بغریزه ومیل خاص على حساب الغرائز والمیول الأُخرى وجّه ضربه قاصمه إلى الکثیر من الحدود الأخلاقیه بحیث أخضع شرف الإنسان وکرامته وعزّته إلى هیمنه الماده والثروه وانّ کلّ شیء یقع تحت غطاء الماده وخیمتها، ولکن القرآن الکریم على العکس من ذلک یرى أنّ کرامه الإنسان وشرفه وعزّته تکمن فی الأُمور التالیه:
۱٫ أفضلیه الإنسان على جمیع الموجودات
إنّ الاتجاه الفکری الذی یمکن أن یحفظ للإنسان أصالته وقیمته هو المذهب الذی یرى الإنسان موجوداً مرکّباً من البدن والروح، والماده والمعنى، والفناء والبقاء، بل یرى أنّ جمیع العالم مرکّب من عالمی «الملک» و «الملکوت»، وإنّ على الإنسان أن لا ینخدع بظواهر الأشیاء، ویتیقّن انّ کلّ ما هو موجود فی هذا العالم له صوره باطنیه تختلف عن صورته الظاهریه.
إنّ هکذا مذهب واتّجاه فکری یستطیع القول وبصوت محکم عن الإنسان:
( وَلَقَدْکَرَّمْنا بَنی آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِی الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّیِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى کَثیر مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضیلاً ) .( [۱])
۲٫ إنّ الإنسان خلیفه اللّه فی أرضه
( وَإِذْ قالَ رَبُّکَ لِلْمَلائِکَهِ إِنِّی جاعِلٌ فِی الأَرْضِ خَلیفَهً قالُوا أَتَجْعَلُ فِیها مَنْ یُفْسِدُ فیها وَیَسْفِکُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِکَ وَنُقَدِّسُ لَکَ قالَ إِنِّی أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ) .( [۲]) إنّ المراد من خلافه اللّه فی الأرض هو أن یرسم الإنسان بوجوده وجود اللّه سبحانه، وبصفاته وکمالاته کمالات اللّه وصفاته سبحانه، وبفعله وعمله یرسم ویصور أفعال اللّه سبحانه، ویکون حینئذ مرآه للحقّ تعالى.
۳٫ الإنسان مسجود الملائکه
إنّ من الکرامات والمنح الإلهیه التی أولاها اللّه سبحانه للإنسان هو أنّه تقدّست أسماؤه قد أمر ملائکته بالسجود لآدم تکریماً وتعظیماً له حیث قال عزّ من قائل:
( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِکَهِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ ابْلِیسَ أَبى وَاسْتَکْبَرَ وَکانَ مِنَ الکافِرینَ ) .( [۳])
إنّ هذا الأمر الإلهی والتعظیم والتکریم لم یکن أمراً اعتباطیاً ومن دون أیّ ملاک، إذ لو لم یکن آدم هو زهره الخلق وانّه المخلوق العزیز والمختار لما وقع مورداً لهذا التعظیم والتبجیل من قبل الملائکه، بل انّ الشیء الذی أوصل آدم إلى هذا المقام السامی بحیث جعله مسجوداً للملائکه هو علمه ومعرفته بأسرار ورموز عالم الخلق، الذی عجزت الملائکه عن تحمّله والقیام به، وبسبب هذه المعرفه وهذا العلم نصّبه اللّه سبحانه وتعالى خلیفه له فی الأرض بحیث استطاع من خلال علمه ومعرفته أن یکون مظهر صفاته وعلمه وقدرته سبحانه.
فأیّ درّه خالصه وجوهره ثمینه کان یمثّلها آدم(علیه السلام) بحیث لم تتردد الملائکه لحظه واحده فی السجود له بأمر اللّه ووضع جباهها على الأرض تعظیماً وتکریماً لذلک المخلوق الذی هو خلیفه اللّه فی أرضه.
۴٫ تسخیر العالم له
لقد سخّر اللّه سبحانه وتعالى للإنسان جمیع الموجودات السماویه والأرضیه، وهذا ما أشارت إلیه الآیه الکریمه:
( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللّهَ سَخَّرَ لَکُمْ ما فِی السَّمواتِ وَما فِی الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَیْکُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَهً وَباطِنَهً… ) .( [۴])
وفی آیه أُخرى:
( وَسَخَّرَ لَکُمْ ما فِی السَّمواتِ وَما فِی الأَرْضِ جَمیعاً مِنْهُ… ) .( [۵])
ولقد أخبر سبحانه وفی آیات کثیره انّه قد سخّر للإنسان الشمس والقمر، واللیل والنهار، وعیون الماء والبحار و… کما أشار القرآن أیضاً إلى أنّ هذا التسخیر إنّما هو لعظم وأهمیه منزله الإنسان من بین جمیع المخلوقات بحیث سخّرت له أعظم المخلوقات وأکبرها بنحو یستطیع الاستفاده منها ویتمکّن من استغلالها فی حیاته، فقال سبحانه:
( وَسَخَّرَ لَکُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَیْنِ وَسَخَّرَ لَکُمُ اللَّیْلَ وَالنَّهارَ ) .( [۶])
ولکن هناک نکته جدیره بالاهتمام لکی لا یقع الإنسان فی الوهم، وهی أنّ المسخّر الحقیقی لهذه الأشیاء هو اللّه سبحانه ولیس الإنسان هو الذی یسخّر کلّ هذه الموجودات بقدرته وإرادته وإنّما هو یستطیع استغلال ذلک التسخیر والاستفاده منه بالنحو الذی مکّنه اللّه تعالى وأقدره علیه.
هذه سلسله من الملاکات والصفات التی تجعل من الإنسان أفضل المخلوقات، ونحن لم نستعرض جمیع تلک الملاکات والامتیازات، بل هناک الکثیر منها لم نذکرها روماً للاختصار.( [۷])
[۱] . الإسراء: ۷۰٫
[۲] . البقره: ۳۰٫
[۳] . البقره: ۳۴٫
[۴] . لقمان: ۲۰٫
[۵] . الجاثیه: ۱۳٫
[۶] . إبراهیم: ۳۳٫
[۷] . منشور جاوید:۴/۲۴۰، ۲۴۲، ۲۵۱، ۲۶۲، ۲۷۰٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.