الخیر والشر فی الإنسان
یوجد فی خلق الإنسان وطبیعته مجموعه من الدوافع المختلفه وإذا کان یمتلک صفات من قبیل «طلب الحق» و «حب الحقیقه» و «طلب العداله» و«إراده الخیر» ففی المقابل أیضاً توجد فیه العدید من عوامل وصفات الجذب من قبیل«الأنانیه والنفعیه، وطلب الجاه والثروه، والشهره» ویستحیل أن ینظر إلى هذین العاملین الدفع والجذب بنظره واحده، إذ من المسلّم به انّ إحدى هاتین الخاصیتین تنبع من الروح الملکوتیه والأُخرى ولیده الجانب المادی فی الإنسان.
وعلى هذا الأساس یقال: انّ الإنسان مزیج وخلیط من الخیر والشر ومن الإیجاب والسلب.
إنّ ظاهر بعض الآیات القرآنیه التی تتعلّق بخلق الإنسان تؤید هذا النوع من التحلیل البدوی، وذلک لأنّ القرآن الکریم یشیر إلى نقاط الضعف والقوه لدى الإنسان ویصفه بصفات مختلفه.
وها نحن نشیر إلى بعض هذه الصفات ونقاط الضعف والقوه المختلفه التی وردت فی تلک الآیات:
۱٫ الإنسان خلیفه اللّه فی الأرض:
( …إِنَّی جاعِلٌ فِی الأَرْضِ خَلِیفَهً… ) .( [۱])
۲٫ اللّه کرّم بنی آدم:
( وَ لَقَدْ کَرَّمْنا بَنِی آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِی الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّیِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى کَثِیر مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِیلاً ) .( [۲])
إنّ هذه الآیات ونظائرها تبیّن قیمه الإنسان ونقاط القوه فیه وإنّها تقودنا إلى معرفه الجانب الملکوتی الکامن فی الإنسان وانّه مرکز الخیر والإحسان فی هذا العالم.
فی مقابل هذه الآیات توجد طائفه أُخرى من الآیات التی تشیر إلى نقاط الضعف والخلل فی الإنسان، حیث یصف القرآن الکریم الإنسان وفی آیات متعدّده بصفات سلبیه متعدّده، وکلّ آیه تشیر إلى صفه من تلک الصفات.
۱٫ انّه مخلوق عجول:
( …وَکانَ الإِنْسانُ عَجُولاً ) .( [۳])
وفی آیه أُخرى یقول سبحانه:
( خُلِقَ الإِنْسانُ مِنْ عَجَل… ) .( [۴])
۲٫ انّه مخلوق مجادل:
( …وکانَ الإِنْسانُ أَکْثَرَ شَیْء جَدَلاً ) .( [۵])
۳٫ الإنسان مخلوق:«هلوع» و «جزوع» و «منوع» و هذه الصفات الثلاثه تتلخّص بصفه واحده هی «الحرص الشدید» حیث یقول سبحانه: ( إِنَّ الإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذا مَسَّهُ الْخَیْرُ مَنُوعاً ) .( [۶])
إنّ الإمعان فی هذه الأبعاد السلبیه للإنسان أو حسب المصطلح صفات الشر، یثبت وبجلاء انّ هذه الصفات جمیعاً لم تخلق مع الإنسان منذ نشأته الأُولى، أی أنّها لم تکن من الأُمور الملازمه لخلق الإنسان وطبیعته، بل انّ هذا الشر أو هذه الصفات السلبیه فی الواقع ولیده طغیان بعض الغرائز الضروریه للإنسان، وبسبب غیاب القیاده الصحیحه التی تتحکّم بتلک الغرائز والمیول وصلت الحاله فی الإنسان إلى ما وصل إلیه من هذه الصفات.
فعلى سبیل المثال«الحرص والطمع» فی الإنسان ولید طبیعی لحاله طغیان غریزه«حب الذات والأنانیه» وغیاب عامل الموازنه والتعدیل الذی یمکنه أن یهذب هذه الغرائز الجامحه.
وکذلک صفه «الجدل والمجادله» فإنّها إحدى فروع غریزه «حب الاستطلاع» ، فإنّ هذه الغریزه أوجدت فی الإنسان لتأخذ بیده إلى معرفه الحقائق وکشف الأسرار والوصول إلى الکمال العلمی ولکنّها وللأسف تتحوّل فی بعض الحالات إلى حاله من الجدل والعناد بسبب مجموعه من الأغراض والأهداف غیر الصحیحه بحیث تخلق من الإنسان موجوداً معانداً جدلاً، و هکذا الکلام فی سائر الصفات السلبیه.
والشاهد على عدم ملازمه تلک الصفات السلبیه لخلق الإنسان ابتداءً وانّها فی الواقع ولیده طغیان الغرائز الإنسانیه، هو انّ القرآن الکریم حینما یتعرض لذکر تلک الأبعاد السلبیه فی شخصیه الإنسان، یرفقها وعلى الفور باستثناء الشخصیات الصابره وأصحاب الأعمال الصالحه والحسنه من هذه الصفات السلبیه، حیث یقول تعالى:
( …إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلاَّ الَّذینَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِکَ لَهُمْ مَغْفِرَهٌ وَأَجْرٌ کَبیرٌ ) .( [۷])
فهذا الاستثناء شاهد صدق على عدم الملازمه بین الإنسان وبین الصفات السلبیه وانّها لم تخلق مع الإنسان، لأنّ الناس فی الواقع متساوون فی الخلق ولا تمایز ولا تفاضل بینهم من هذه الجهه، وإنّما تحدث تلک الحالات نتیجه طغیان الغرائز کما قلنا لدى الناس غیر المؤمنین باللّه سبحانه، وأمّا المؤمنون منهم الذین استقاموا أمام المحرمات وصمدوا أمام المغریات وعوامل الانحراف ومسکوا بیدهم زمام الأُمور فإنّهم مصداق لقوله سبحانه:
( إِلاّ الّذینَ آمَنُوا … وَتَواصَوا بِالصِّبر )( [۸]) فإنّ هؤلاء منزّهون عن هذا الطغیان الغرائزی، وإنّ غرائزهم ومیولهم تسیر فی الطریق الصحیح الذی یؤدی إلى تکامل الإنسان ورقیّه.
وبعباره أُخرى: انّ الإنسان البعید عن تعالیم السماء والرساله الإلهیه المفعمه بالتعالیم الروحیه والمعنویه، تجمح به غرائزه لتخلق منه إنساناً «عنوداً» «لجوجاً» «ظالماً» «حریصاً»، وأمّا الذی یرتوی من معین السماء العذب وینهل من ذلک النبع الصافی ویخشى اللّه تعالى حقّ خشیته فإنّه وبلا ریب ستتحول غرائزه ومیوله إلى حاله أُخرى تختلف اختلافاً جوهریاً عن سابقه، بحیث تتحول تلک الغرائز والمیول إلى عوامل تأثیر إیجابی وبناء فی حیاته ومسیره تکامله.( [۹])
[۱] . البقره: ۳۰٫
[۲] . الإسراء: ۷۰٫
[۳] . الإسراء: ۱۱٫
[۴] . الأنبیاء: ۳۷٫
[۵] . الکهف: ۵۴٫
[۶] . المعارج:۱۹ـ ۲۱٫
[۷] . هود:۱۰ـ ۱۱٫
[۸] . العصر: ۳٫
[۹] . منشور جاوید:۴/۲۷۱ـ ۲۷۸٫