الرساله الثالثه فی الغیبه

0

 
بسم الله الرحمن الرحیم
قال الشیخ المفید رضی الله عنه حضرت مجلس رئیس من الرؤساء فجرى کلام فی الإمامه فانتهى إلى القول فی الغیبه. فقال صاحب المجلس   أ لیست الشیعه تروی عن جعفر بن محمد( ع) أنه لو اجتمع على الإمام عده أهل بدر ثلاثمائه و بضعه عشر رجلا لوجب علیه الخروج بالسیف؟
[الجواب]:
فقلت قد روی هذا الحدیث. قال أ و لسنا نعلم یقینا أن الشیعه فی هذا الوقت أضعاف عده أهل بدر فکیف یجوز للإمام الغیبه مع الروایه التی ذکرناها. فقلت له إن الشیعه و إن کانت فی وقتنا کثیرا عددها حتى تزید على عده أهل
 
===============
( ۱۲)
بدر أضعاف مضاعفه فإن الجماعه التی عدتهم عده أهل بدر إذا اجتمعت فلم یسع الإمام التقیه و وجب علیه الظهور لم تجتمع فی هذا الوقت و لا حصلت فی هذا الزمان بصفتها و شروطها و ذلک أنه یجب أن یکون هؤلاء القوم معلوم من حالهم الشجاعه و الصبر على اللقاء و الإخلاص فی الجهاد و إیثار الآخره على الدنیا و نقاء السرائر من العیوب و صحه العقول و أنهم لا یهنون و لا ینتظرون عند اللقاء و یکون العلم من الله تعالى بعموم المصلحه فی ظهورهم بالسیف و لیس کل الشیعه بهذه الصفه و لو علم الله تعالى أن فی جملتهم العدد المذکور على ما شرطناه لظهر الإمام ع لا محاله و لم یغب بعد اجتماعهم طرفه عین لکن المعلوم خلاف ما وصفناه فلذلک ساغ للإمام الغیبه على ما ذکرناه. قال و من أین لنا أن شروط القوم على ما ذکرت و إن کانت شروطهم هذه فمن أین لنا أن الأمر کما وصفت. فقلت إذا ثبت وجوب الإمامه و صحت الغیبه لم یکن لنا طریق إلى تصحیح الخبر إلا بما شرحناه فمن حیث قامت دلائل الإمامه و العصمه و صدق الخبر حکمنا بما ذکرناه. ثم قلت و نظیر هذا الأمر و مثاله ما علمناه من جهاد النبی ص أهل بدر بالعدد الیسیر الذین کانوا معه و أکثرهم أعزل راجل ثم قعد ع فی عام الحدیبیه و معه من أصحابه أضعاف أهل بدر فی
 
===============
(۱۳)
العدد و قد علمنا أنه ص مصیبا فی الأمرین جمیعا و أنه لو کان المعلوم من أصحابه فی عام الحدیبیه ما کان المعلوم منهم فی حال بدر لما وسعه العقود و المهادنه و لوجب علیه الجهاد کما وجب علیه قبل ذلک و لو وجب علیه ما ترکه لما ذکرناه من العلم بصوابه و عصمته على ما بیناه. فقال إن رسول الله ص کان یوحى إلیه فیعلم بالوحی العواقب و یعرف الفرق من صواب التدبیر و خطأه بمعرفه ما یکون فمن قال فی علم الإمام بما ذکرت و ما طریق معرفته بذلک. فقلت له الإمام عندنا معهود إلیه موقف على ما یأتی و ما یذکر منصوب له أمارات تدله على العواقب فی التدبیرات و الصالح فی الأفعال و إنما حصل له العهد بذلک عن النبی ص الذی یوحى إلیه و یطلع على علم السماء و لو لم نذکر هذا الباب و اقتصرنا على أنه متعبد فی ذلک بغلبه الظن و ما یظهر له من الصلاح لکفى و أغنى و قام مقام الإظهار على التحقیق کائنا ما کان بلا ارتیاب لا سیما على مذهب المخالفین فی الاجتهاد و قولهم فی رأی النبی ص و إن کان المذهب ما قدمناه. فقال لم لا یظهر الإمام و إن أدی ظهوره إلى قتله فیکون البرهان له و الحجه فی إمامته أوضح و یزول الشک فی وجوده بلا ارتیاب. فقلت إنه لا یجب ذلک علیه کما لا یجب على الله تعالى معاجله العصاه بالنقمات و إظهار الآیات فی کل وقت متتابعات و إن کنا نعلم أنه لو
 
 
===============
(۱۴)
عاجل العصاه لکان البرهان على قدرته أوضح و الأمر فی نهیه أوکد و الحجه فی قبح خلافه أبین و لکان بذلک الخلق عن معاصیه أزجر و إن لم یجب ذلک علیه و لا فی حکمته و تدبیره لعلمه بالمصلحه فیه على التفضیل فالقول فی الباب الأول مثله على أنه لا معنى لظهور الإمام فی وقت یحیط العلم فیه بأن ظهوره منه فساد و أنه لا یؤول إلى إصلاح و إنما یکون ذلک حکمه و صوابا إذا کانت عاقبته الصلاح و لو علم ع أن فی ظهوره صلاحا فی الدین مع مقامه فی العالم أو هلاکه و هلاک جمیع شیعته و أنصاره لما أبقاه طرفه عین و لا فتر عن المسارعه إلى مرضاه الله جل اسمه لکن الدلیل على عصمته کاشف عن معرفته لرد هذه الحال عند ظهوره فی هذا الزمان بما قدمناه من ذکر العهد إلیه و نصب الدلائل و الحد و الرسم المذکورین له فی الأفعال. فقال لعمری إن هذه الأجوبه على الأصول المقرره لأهل الإمامه مستمره و المنازع فیها بعد تسلیم الأصول لا ینال شیئا و لا یظفر بطائل. فقلت من العجب إنا و المعتزله نوجب الإمامه و نحکم بالحاجه إلیها فی کل زمان و نقطع بخطإ من أوجب الاستغناء عنها فی حال بعد النبی ص و هم دائما یشنعون علینا بالقول فی الغیبه و مرور الزمان بغیر ظهور إمام و هم أنفسهم یعترفون بأنهم لا إمام لهم بعد أمیر المؤمنین ع إلى هذا الزمان و لا یرجون إقامه إمام فی قرب هذا من الأوان فعلى کل حال نحن أعذر فی القول بالغیبه و أولى بالصواب عند الموازنه للأصل الثابت من وجوب الإمام و لدفع الحاجه إلیها فی کل أوان.
 
===============
(۱۵)
فقال هؤلاء القوم و إن قالوا بالحاجه إلى الإمام فعذرهم واضح فی بطلان الأحکام لعدم غیبه الإمام الذی یقوم بالأحکام و أنتم تقولون إن أئمتکم ع قد کانوا ظاهرین إلى وقت زمان الغیبه عندکم فما عذرکم فی ترک إقامه الحدود و تنفیذ الأحکام. فقلت له إن هؤلاء القوم و إن اعتصموا فی تضییع الحدود و الأحکام بعد الأئمه الذین یقومون بها فی الزمان فإنهم یعترفون بأن فی کل زمان طائفه منهم من أهل الحل و العقد قد جعل إلیهم إقامه الإمام الذی یقوم بالحدود و تنفیذ الأحکام فما عذرهم عن کفهم عن إقامه الإمام و هم موجودون معروفو الأعیان فإن وجب علیهم لوجودهم ظاهرین فی کل زمان إقامه الإمام المنفذ للأحکام و عانوا ترک ذلک فی طول هذه المده عاصین ضالین عن طریق الرشاد کان لنا بذلک علیهم و لن یقولوا بهذا أبدا و أن کان لهم عذر فی ترک إقامه الإمام و إن کانوا فی کل وقت موجودین فذلک العذر لأئمتنا ع فی ترک إقامه الحدود و إن کانوا موجودین فی کل زمان على أن عذر أئمتنا ع فی ترک إقامه الأحکام أوضح و أظهر من عذر المعتزله فی ترک نصب الإمام لأنا نعلم یقینا بلا ارتیاب أن کثیرا من أهل بیت رسول الله ص قد شردوا عن أوطانهم و سفکت دماؤهم و ألزم الباقون منهم الخوف على التوهم علیهم أنهم یرون الخروج بالسیف و أنهم ممن إلیهم الأحکام و لم یر أحد من المعتزله و لا الحشویه سفک دمه و لا شرد عن
 
===============
(۱۶)
وطنه و لا خیف على التوهم علیه و التحقیق منه أنه یرى فی قعود الأئمه و الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر بل هؤلاء القوم یصرحون فی المجالس بأنهم أصحاب الاختیار و أن إلیهم الحل و العقد و الإنکار على الطاعه و أن من مذهبهم الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر فرضا لازما على اعتقادهم و هم مع ذلک آمنون من السلطان غیر خائفین من نکره علیهم من هذا المقال. فبان بذلک أنه لا عذر لهم فی ترک إقامه الإمام و أن العذر الواضح الذی لا شبهه فیه حاصل لأئمتنا ع من ترک إقامه الحدود و تنفیذ الأحکام لما بیناه من حالهم و وصفناه و هذا واضح فلم یأت بشی‏ء و لله الحمد و لرسوله و آله الصلاه و السلام. و الله الموفق للصواب
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.