الخوارج سیاسیاً وتاریخیاً
بسم الله الرحمن الرحیم
والحمد لله ، والصلاه والسلام على محمد وآله الأطهار .
ظهور الخوارج :
الخوارج : فرقه ظهرت فی النصف الأوّل من القرن الأول الهجری ، وبالذات فی مناسبه حرب صفین التی دارت بین أمیر المؤمنین علیّ بن أبی طالب (علیه السّلام) الخلیفه الشرعی من جهه ، وبین معاویه بن أبی سفیان ، الذی کان یحاول الاستئثار بهذا الأمر لنفسه من جهه أخرى ، حیث رأى معاویه : أنّ علیاً سیربح الحرب لواستمرّت ، فأمر ـ بمشوره من عمروبن العاص ـ برفع المصاحف ، الأمر الذی أنجرّ إلى التحکیم ، وکان أولئک المعترضون على قبول علیّ للتحکیم هم أنفسهم الذین کانوا قد أجبروه علیه من قبل ، کما اعترفوا به هم أنفسهم ، کما صرّحت به النصوص التاریخیه الکثیره جدّاً ، وهذا ما یکذّب ما یدّعیه البعض من أنّ الخوارج کانوا هم المعارضین للتحکیم من أوّل الأمر .
نعم … إنّ هؤلاء قد حکموا على علیّ (علیه السّلام) بالکفر لأجل قبوله التحکیم الذی أجبروه هم علیه ، کما کفَّروا الخلیفه الثالث عثمان بسبب بعض المخالفات التی صدرت عنه فی السنین الأخیره من خلافته ، هذا فضلاً عن تکفیرهم طلحه والزبیر وعائشه وغیرهم .
ثمّ إنّهم خرجوا على علیّ (علیه السّلام) وحاربوه ، وکان من جمله ما احتجّوا به لحربهم إیاه : أن قالوا : (زعم أنّه وصی فضیّع الوصیّه ) کما ذکره الیعقوبی ، نعم وهؤلاء بالذات وأتباعهم هم الذین سُمّوا بالخوارج ، وهم محطّ بحثنا الآن .
موقف علیّ (علیه السّلام) من الخوارج :
وقد عالج أمیر المؤمنین (علیه السّلام) قضیه الخوارج بحکمه ومرونه ، ثمّ بحزم وبحسم أیضاً ، حیث حاول أوّلاً أن یقنعهم بخطئهم فی تصوّراتهم ومواقفهم ، فناقشهم ووعظهم هووأصحابه : ابن عباس وغیره ، وأقاموا علیهم الحجّه ، حتى رجع منهم الألوف .
ویلاحظ هنا : أنّه (علیه السّلام) ینهى ابن عباس عن أن یخاصمهم بالقرآن ، فإنّ القرآن حمّال ذووجوه ، ولکن یخاصمهم بالسنّه ، فإنّهم لن یجدوا عنها محیصاً .
کما أنّه هونفسه قد التزم بذلک إلى حدٍّ کبیر ، حیث نجده یهتمّ بأن یحتجّ علیهم بأقوال النَّبیّ ( صلى الله علیه وآله ) وأعماله بالدرجه الأولى ، فاحتجّ علیهم بأنّه ( صلى الله علیه وآله ) قد رجم الزانی ثمّ صلّى علیه وورثه أهله ، وقتل القاتل کذلک ، وقطع السارق وجلد الزانی غیر المحصن ، ثمّ قسّم علیهما من الفیء ، ونکحا المسلمات ، فأخذهم ( صلى الله علیه وآله ) بذنوبهم ، ولم یمنعهم سهمهم من الإسلام ، ولا أخرج أسماءهم من بین أهله .
واحتجّ علیهم أیضاً بمنِّ النَّبیّ ( صلى الله علیه وآله ) على أهل مکّه فلم یسبّ نساءهم ولا ذریتهم ، وبمحوه ( صلى الله علیه وآله ) کلمه : ( رسول الله ) من صحیفه الحدیبیه ، وبإعطائه النصفه لأهل نجران ، حیث قال : ( ثمّ نبتهل فنجعل لعنه الله على الکاذبین) وبتحکیمه سعد بن معاذ فی بنی قریظه الذین نقضوا العهد .
ولکن… رغم کلّ تلک المحاولات والمواعظ والاحتجاجات ، ورغم رجوع الألوف منهم عن غیّهم ، فقد بقیت بقیّه حوالی أربعه آلاف أبوإلاّ البقاء على ما هم علیه ، ومحاربته ، وقتلوا الأبریاء ، حتى النساء ، وأخافوا السبیل ، وأفسدوا فی الأرض ، فاضطر (علیه السّلام) لمحاربتهم لدفع شرّهم ، وإخماد نار فتنتهم ، فحاربهم ، وقتلهم ، ولم یفلت منهم إلاّ أقل من عشره ، کما لم یستشهد من أصحابه إلاّ أقلّ من عشره ، کما أخبر به (علیه السّلام) قبل ذلک .
ویقول المؤرّخون : إنّ الذین أفلتوا من القتل قد أصبحوا بذرات أخرى للخوارج فی مناطق عدیده فیما بعد .
وأمّا أولئک الذین استأمنوا ، فقد صاروا یخرجون على علیّ (علیه السّلام) وعلى غیره بعد ذلک ، فخرج منهم ألفان على الإمام فی النخیله فقضى علیهم ، ثمّ صار الخوارج یخرجون علیه فی شراذم قلیله فی بضعه مئات وأقلّ وأکثر فی الأنبار ، وماسبذان ، وجرجرایا ، والمدائن ، وسواد الکوفه ، فکان یقضی على حرکاتهم تلک الواحده تلوالأخرى بیسر وسهوله .
أنا فقأت عین الفتنه :
ویقول (علیه السّلام) عن حربه للخوارج ولغیرهم :
( أنا فقأت عین الفتنه ، ولم تکن لیجرؤ علیها أحد غیری بعد أن ماج غیهبها واشتدّ کلبها ) .
وفی روایه أخرى لهذا النصّ بدل ذیل الکلام : ( ولو لم أکن فیکم ما قوتل الناکثون ، ولا القاسطون ، ولا المارقون ) .
وفی نصّ آخر : ( ما قوتل أصحاب الجمل والنهروان) .
ویبدو أنّ سرّ ذلک هو أنّه قد کان على رأس الناکثین : طلحه والزبیر ، وهما من أهل السابقه فی الإسلام ، ثمّ أُمّ المؤمنین عائشه زوجه الرسول ، وبنت الخلیفه الأوّل أبی بکر ، المرأه الذّکیه والشجاعه ، والتی کانت تحظى بعنایه ورعایه خاصّه من قبل الخلیفه الثانی عمر بن الخطاب ، الذی یتمیز بعظمه خاصه فی نفوس الناس ، وشاع وذاع عنه ما لا یمکن تجاهله وإنکاره .
وکان معاویه یتزّعم القاسطین ، وعمر هو الذی جعله على بلاد الشام ، وکان یعامله معامله متمیزه ، وبقی على عمله إلى أن توفی عمر ، ثمّ طیله خلافه عثمان ، وتربّى أهل تلک البلاد على أفکاره واتجاهاته ، وأصبحت بلاد الشام سفیانیه کما أشار إلیه الأصمعی وغیره . ثمّ هناک الشبهات التی کان یلقیها معاویه فی الناس بالنسبه لمقتل عثمان .
أمّا المارقون … فکانوا معروفین بالعباده والزهد ، فالإقدام على حربهم وقتلهم لم یکن أمراً سهلاً ومیسوراً لکلّ أحد ، أمّا علیّ (علیه السّلام) فقد کانت مکانته بین المسلمین معروفه لدى کلّ أحد ، وکانت الأمّه لا تزال تسمع من وعی النَّبیّ ( صلى الله علیه وآله ) الکثیر الکثیر ممّا یدل على فضله ، وأنّه مع الحقّ والحقّ معه ، وأنّه منه بمنزله هارون من موسى ، حتى لیصبح قتاله للخوارج ولغیرهم حتى عائشه دلیلاً صریحاً على تعدّیهم وظلمهم ، وخطئهم فی موقفهم على الأقل .
نعم … وقد رأینا الکثیرین من الخوارج علیه ـ (علیه السّلام) ـ یشکّون فی صحّه وسلامه موقفهم منه ، حتى إذا جاء العهد الأموی بدءً من معاویه ، قالوا : قد جاء الآن ما لا شکّ فیه . ثمّ أخذوا على عاتقهم مهمه قتال الأمویین بکلّ ضراوه وعنف ، کما هو معلوم .
لا تقاتلوا الخوارج بعدی :
وبعد… فإنّا نجد علیاً الذی یحارب الخوارج ویستأصل شأفتهم یوصی الناس وشیعته بأن لا یقاتلوا الخوارج بعده ، ویعلل ذلک بأنّه لیس من طلب الحقّ فأخطأه کمن طلب الباطل فأدرکه .
وأیضاً … فقد ذکرت الحروریه عنده ، فقال : إن خرجوا على إمام عادل وجماعه فقاتلوهم ، وإن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم ، فإنّ لهم فی ذلک مقالاً .
ولعلّ سرّ ذلک هو:
أولاً : إنّ الخوارج فی المستقبل سیقاتلون الأمویین الذین کانوا أشدّ خطراً على الإسلام والأمّه ، لأنّ دعوتهم وطریقتهم تستهوی النفوس الضعیفه ، لأنّهم یدعون إلى الدنیا وإلى زبارجها وبهارجها ، وهذا ما ینساق إلیه الناس بغرائزهم ویلائم هوى نفوسهم ، کما إنّهم قد تلاعبوا فی عقائد المسلمین وغیّروها وأدخلوا علیهم فیها الشُبَهه والإسرائیلیات وغیر ذلک ممّا لا مجال لذکره هنا ، فی حین أنّه کان لهم القدح المعلّى والقدم الثابت فی الانحراف ، مع خبث نفوسهم ، وشدّه ظلمهم وفجورهم .
یقول علیّ (علیه السّلام) بعد کلامه السابق عن الخوارج : ( ألا إنّ أخوف الفتن عندی علیکم فتنه بنی أمیّه فإنّها فتنه عمیاء مظلمه ، عمت خطتها ، وأصاب البلاء من أبصر فیها ، واخطأ البلاء من عمی عنها ، وأیم الله ، لتجدنّ بنی أمیه لکم أرباب سوء ، کالنار الضروس تعذم بفیها ، وتخبط بیدها ، وتزبن برجلها ، وتمنع درها ، ـ إلى أن قال ـ : لا یزالون بکم حتى لا یترکوا منکم إلاّ نافعاً لهم ، وغیر ضائر بهم ، ـ إلى أن قال ـ : ترد فتنتهم شوهاء مخشیه ، وقطعاً جاهلیه ، لیس فیها منار هدى ، ولا علم یرى) .
أمّا دعوه الخوارج فلم یکن لها ذلک الخطر ، وذلک لما یلی :
ألف : لقد کان الخوارج ـ عموماً ـ أعراباً جفاه ، لا ثقافه ولا معرفه لدیهم ، یشکّلون بها خطراً على الدّین بشبهاتهم وانحرافاتهم .
باء : إنّ دعوتهم لم تکن تنسجم مع الفطره ولا تتقبلها العقول ، وإذا ما استهوت بعض شعاراتهم بعض البسطاء والسُذّج لبعض الوقت فإنّها لا تلبث أن تنحسر وتتلاشى بمجرّد دعوتهم إلى الفطره ، والعقل السلیم ، والفکر المستقیم .
یضاف إلى ذلک : حِدِّیتهم المتناهیه فی التعامل مع سائر المسلمین ، حیث لم یکن قلوبهم تعرف الرحمه والشفقه حتى للأطفال والنساء .
فالأزارقه، وقد کانوا أعظم فرقهم وأشدّها شوکه ، وقد استولوا على الأهواز وأرض فارس وکرمان وجبوا خراجها سنوات عدیده ، إنّ هؤلاء یقولون بکفر جمیع من عداهم ، ولا یحقّ لأصحابهم المؤمنین منهم أن یجیبوا أحداً من غیرهم إلى الصلاه إذا دعا إلیها ، ولا أن یأکلوا ذبائحهم ، ویتزوّجوا منهم ، ویرثوا منهم ، ویورثوهم ، ویکون غیرهم مثل کفّار العرب ، وعبده الأوثان ، لا یقبل منهم إلاّ الإسلام والسیف ، ودارهم دار حرب ، ویحلّ قتل أطفالهم ونسائهم ، ویحلّ لهم الغدر بمن خالفهم ، ولا تجوز التقیه ، إلى غیر ذلک ممّا لا مجال لذکره هنا.
جیم : إنّ الخوارج إنّما حاربوا علیاً (علیه السّلام) لشبهه تمکّنت من نفوسهم ، وزیّن لهم الشیطان إنّهم ظاهرون ومنتصرون ، فهم قد طلبوا الحقّ فوقعوا فی الباطل ، وإذا کان قد خالط ذلک الشیء من حبّ الدنیا والمصالح الشخصیه والمفاهیم الجاهلیه ، والعصبیات القبلیه ، فإنّما کان ذلک ملبساً بلباس دینی ، وشبهه کانت طاغیه على فهمهم وإدراکهم ومبرّره على هذا الأساس ، فکانوا ـ کما عن علیّ (علیه السّلام) ـ مصداقاً لقوله تعالى : ( الَّذِینَ ضَلَّ سَعْیُهُمْ فِی الْحَیَاهِ الدُّنْیَا وَهُمْ یَحْسَبُونَ إنّهم یُحْسِنُونَ صُنْعًا ) (۱) .
ثانیاً : إنّ ظاهر الخوارج هو إنّهم من العُبّاد والزُهّاد ، فمن یتصدّى لحربهم ـ سوى علیّ (علیه السّلام) ـ لم یکن یستطیع أن یدافع عن نفسه کثیراً ولاسیما إذا کان الإعلام ـ حتى الأموی ـ ضدّه ، ویعمل على تشویهه ، وتحطیم کلّ مقومات حیاته ووجوده .
کما أنّ العراق المیّال لعلیّ وأهل بیته (علیهم السّلام) سینشغل بقضیه لن تکون نتائجها إلاّ زعزعه ثباته ، وتمزّق أوصاله ، ویقلل من فرص اجتیاح المدّ الشیعی على شکل التعاطف مع أهل البیت لمناطق أخرى تقع فی نطاق اهتمامات الحکم الأموی .
کما أنّ توّلی هؤلاء لحرب الخوارج معناه أن یتحمّلوا هم آثار الحرب ومخلفاتها غیر المرغوب فیها ، ولاسیما ما ینشأ عن سفک الدماء عاده من الأحقاد ، ثمّ زعزعت الثوابت على الصعید القبلی والعاطفی .
ثالثاً : لقد کان الشیعه قلّه ومضطهدین من قبل الحکم الأموی ، فتکلیفهم بقتال الخوارج معناه المزید من إضعافهم هم والخوارج مع بقاء الحکم الأموی محتفظاً بکامل قواه ، یتحکّم بمقدرات الأمّه ، ویسومها الخسف والذلّ .
وقد حاول الأمویون ابتداء من معاویه الزجّ بأهل البیت وشیعتهم فی حرب الخوارج ، فأرسل معاویه إلى الإمام الحسن (علیه السّلام) وهو فی طریقه من الکوفه إلى المدینه یدعوه لحربهم ، فرفض (علیه السّلام) طلبه وکتب إلیه : ( لوآثرت أن أقاتل أهل القبله لبدأت بقتالک ) ، وفی مناسبه أخرى على ما یظهر یذکره (علیه السّلام) بأن لیس من طلب الحقّ فأخطأه ، کمن طلب الباطل فأدرکه فأسکت معاویه .
إلاّ أنّ الظاهر هو أنّ الأمویین قد استطاعوا أن یجیبوا الشیعه على حربهم ، وقد نکل الحجّاج بأهل العراق ، وقتل من قتل وفعل بهم الأفاعیل فی مجال إرغامهم على ذلک .
علیّ (علیه السّلام) وجرحى الخوارج :
ویقول البلاذری عن حرب النهروان : (ووجد علیّ (علیه السّلام) ممّن به رمق أربع مائه فدفعهم إلى عشائرهم ولم یجهز علیهم ، وردّ الرقیق على أهله حینما قدم الکوفه ، وقسّم الکراع والسلاح وما قوتل به بین أصحابه ) ، وهذا معناه أنّه حینما أخبر (علیه السّلام) أنّه لا یفلت منهم عشره کان یقصد أنّه لا یفلت منهم ولومن الجراحه ، نعم … وکذلک فعل (علیه السّلام) مع جرحاهم الأربعین فی سواد الکوفه ، وذلک یعبر عن أنّه (علیه السّلام) إنّما کان یتعامل معهم من منطلق إنسانی إسلامی بعیداً عن أی تأثّر وانفعال ، ولم یکن کأولئک الذین لا ینطلقون فی مواقفهم إلاّ من مصالحهم الشخصیه ، وعلى أساس من انفعالاتهم وعصبیاتهم .
عوامل ساعدت على ظهور الخوارج :
وبعد ، فلم یکن ظهور الخوارج فی مناسبه حرب صفین أمراً عفویاً ولید ساعته ، وإنّما کان ثمّه أجواء ومناخات ، وعوامل وأسباب ساعدت على ظهورهم ، ونذکر منها :
العامل الثقافی الناقص والمنحرف ، حیث کانوا فی الأکثر أعراباً جفاه ، لم یستضیئوا بنور العلم ، ولا اهتدوا بهدى العقل .
إنّ أکثرهم کانوا من تمیم ، وهی من ربیعه ، وکانت القبائل الربیعیه ـ حسبما یراه البعض ـ تحسد قریشاً على استیلائها على الخلافه ، وبینها وبین مضر إحن جاهلیه ، خفف الإسلام من حدّتها ، ولم یذهب بکلّ قوتها ، ولعلّ لأجل ذلک نجد أبا حمزه الخارجی حینما غزا المدینه کان یقتل القرشی ویدع الأنصاری ، کما أنّ الأصمعی یصف الجزیره بأنّها خارجیه ، لأنّها مسکن ربیعه ، وهی رأس کلّ فتنه .
لقد شاع عن الخوارج : إنّهم من الزهّاد والعُبّاد حتى اعتقد کثیر من الباحثین : أنّ ثورتهم کانت خالصه لله تعالى ، ولم یکن للدنیا فی تفکیرهم أی نصیب ، ولکن الذی یبدو هو أنّ الدنیا کانت تستأثر بجانب کبیر من تفکیرهم ، واهتماماتهم ، وقد کان لمفاهیمهم الجاهلیه ، وعصبیاتهم القبلیه ومصالحهم الشخصیه ، وأملهم بالفوز والنصر أثر کبیر فی إصرارهم على موقفهم ذاک من علیّ (علیه السّلام) ، والذی کان مبنیاً على حاله من الشکّ والتردد کما صرّحوا به أنفسهم ، وکما صرّح به الإمام الصادق (علیه السّلام) . أمّا موقفهم من الأمویین وغیرهم من حکام الجور فقد کان لهم فیه مقالاً ـ کما عن علیّ (علیه السّلام) ـ ولم یکن لدیهم أدنى شکّ فی صحته وسلامته ، ولکن ذلک لا یعنی إنّهم فی حربهم لهم لا یطلبون الحکم والسلطان ، والحصول على شیء من حطام الدنیا أیضاً ، فإنّ ذلک کان مدّ نظرهم ، ومطمح نفوسهم ، وکشاهد على کل ما تقدم نذکر :
ألف ـ إنّ علیاً (علیه السّلام) یقول عنهم : ( غرّهم الشیطان ، وأنفس بالسوء أماره ، غرّتهم بالأمانی ، وزیّنت لهم المعاصی ، ونبّأتهم بأنّهم ظاهرون ) .
ویدلّ على صحه ذلک : ما کانوا یرتکبونه من جرائم وموبقات فی حقّ الأبریاء حتى النساء والأطفال ، وحتى قبل معرکه النهروان أی قبل أن یضعوا لأنفسهم منهجاً عقائدیاً یبیح لهم تلک العظائم والجرائم .
ب ـ إنّ من جمله ما نقموه على علیّ (علیه السّلام) : أنّه لم یقسم بینهم السبی فی حرب الجمل ، کما قسم بینهم الغنائم .
ج ـ إنّ شیخاً منهم بعد أن رجع عن مقاتلتهم أخبر عنهم : إنّهم کانوا إذا هووا أمراً صیروا حدیثاً .
د ـ إنّ شبیب بن یزید الشیبانی قد طلب من عبد الملک أن یفرض له فی أهل الشرف ، فرفض ، فغضب وجمع الرجال ، وخرج علیه یحاربه .
وقد أخذ أتباعه علیه ، أنّه کان لا یطبّق التعالیم الخارجیه على قومه ، أمّا نجده الخارجی ، فلم یعاقب رجلاً کان یشرب الخمر فی معسکره ، بحجه أنّه شدید النکایه على العدو، وبعض زعمائهم وهو عبیده بن هلال یُتّهم بامرأه حداد ، فیحتال خلیفتهم ( قطری بن الفجاءه ) لتبرئته .
هـ ـ وفی بعض حروبهم : ( جعلت الخوارج تقاتل على القدح یؤخذ منها ، والسوط ، والعلف ، والحشیش ، أشدّ قتال ) .
وـ وزیاد بن أبیه یولّی أحدهم سابور ویرزقه أربعه آلاف درهم کلّ شهر ، فیلزم الطاعه ، ولا یفارق الجماعه ، على حدّ تعبیرهم ، کما أنّ زیاداً حینما یعطیهم ما یرکبون یُقبلون بالتردد علیه ، والسمر عنده .
ز ـ بل إنّنا نجدهم مستعدّین لأن یقتل بعضهم بعضاً فی قِبال إطلاق سراحهم من سجن ابن زیاد .
إلى غیر ذلک من الشواهد التی لا مجال لتتبعها .
رابعاً ـ إنّ العراق الذی کان على اتصال مباشر بغیر العرب قبل فتحه فی عهد عمر بن الخطاب ، الذی کان له سیاسه خاصه فی تمییز العرب على غیرهم ، کان ینظر إلى الخلیفه الثانی نظره خاصه متمیزه ، حتى أنّ علیاً لم یستطع أن یمنع جنده من صلاه التراویح حیث تنادوا : یا أهل الإسلام غُیّرت سنّه عمر ، کما لم یستطع أن یعزل شریحاً عن القضاء ، لأنّه منصوب من قبل عمر ، وقد بایعوه على أن لا یغیّر شیئاً ممّا قرّره أبوبکر وعمر ، على حدّ تعبیرهم .
وأصحاب الجمل أیضاً قد نادوا بأمیر المؤمنین : أعطنا سنّه العمرین ، وقال الخوارج لقیس بن سعد : ( لسنا متابعیکم أبداً وتأتونا بمثل عمر ) إلى غیر ذلک ممّا یدلّ على عظمه الخلیفه الثانی فی نفوس الناس والخوارج بالذات .
وما اشتهر من أنّ الکوفه کانت علویه ، فإنّما کان ذلک بعد استیطان علیّ (علیه السّلام) لها ، وبذله الکثیر من الجهود فی سبیل توعیه أهلها على الکثیر من الحقائق التی کان لا بُدَّ لهم من التعرّف علیها ، ومن ذلک مناشدته للناس بحدیث الغدیر فی رحبه الکوفه ، وفی صفین ، وإخباراته الغیبیه الکثیره لهم ، ومنه إخباره بمصیر أهل النهروان ، وبحدیث المخدّج ، وغیر ذلک .
ومع ذلک فلم یکن فی الکوفه خمسون رجلاً یعرفونه حقّ معرفته ، وحقّ معرفه إمامته کما عن الإمام الصادق ، وإنّما یحاربون معه وفاءً بالبیعه التی کانت له فی أعناقهم ، بالإضافه إلى ما سمعوه من وعن النَّبیّ (صلى الله علیه وآله) فی فضله الأمر الذی جعل له مکانه واحتراماً خاصاً لدیهم .
خامساً ـ إنّ العراق قد فُتح فی عهد الخلیفه الثانی عمر بن الخطاب لیواجه الحیاه العسکریه ، ویتحمّل آثارها النفسیه والاجتماعیه والاقتصادیه والسیاسیه ، وإذا کان یرافق ذلک عدم توفر العمق الإیمانی إلاّ فی حدود العواطف والأحاسیس ، وعدم توفّر العنایه الکامله بالتربیه الإسلامیه ، والتأهیل لاستیعاب التعالیم الإلهیه ، ثمّ التفاعل معها بالشکل المناسب والمقبول ، والمفاهیم الجاهلیه ، والأهواء ، والطابع الممیز للحیاه آنئذٍ ، ولاسیما على مستوى الزعامات القبلیه ، مع فارق وحید ، وهو أنّ ذلک أصبح یتلوّن ویتلبّس باسم الدین ، ویستفاد منه فی التمریر والتبریر ، والدّین من ذلک کله براء .
سادساً ـ إنّ الذین حاربوا علیاً فی وقعه الجمل ، والذین یتعاطفون مع عثمان فی محنته التی تعرّض لها ، قد أصبحوا الآن فی جیش علیّ (علیه السّلام) فقد کان حی الناعطین(۲) فی الکوفه عثمانیاً ، کما أنّ الناس کانوا بعد حرب صفین ، فیهم المعجب بنتائجها ، وفیهم الکاره ، والغاشّ والناصح کما یقولون ، وإذن فلیس لنا أن نتوقع من هؤلاء ـ بملاحظه حالتهم الثقافیه الدینیه وعلاقاتهم القبلیه وغیر ذلک ـ أن یکونوا مخلصین له کلّ الإخلاص ، ولاسیما وإنّهم هم الذین یتحمّلون أعباء الحرب وآثارها لا یرون إنّهم یحصلون فی مقابل ذلک على نفع یذکر حسب مقاییسهم ومفاهیمهم عن الربح والخسران فی حالات کهذه .
وإذا کان علیّ (علیه السّلام) لا یقیم وزناً للزعامات القبلیه ، ویقیم علاقاته معها على أساس ما تملکه من معان إنسانیه نبیله ، وما تقدّمه من خدمات فی سبیل الدّین والإنسان ، ولم یکن لیمیّز أحداً على أحد مهما کانت الظروف والأحوال ، وإذا کان أهل الشام یعتبرون قضیه معاویه قضیتهم ، ومصیره مصیرهم ، وهویبذل الأموال فیهم ، ویشتری الرجال ـ إذا کان کل ذلک ـ فإنّ الفرصه تکون مواتیه لمعاویه لیصطاد الزعامات القبلیه فی عراق علیّ بالذات ، ویتحفهم بالأموال والأمانی سرّاً وجهراً ، ویکید بهم علیاً والإسلام ، ولم یکن ثمّه مناعات وحصانات کافیه للوقوف فی وجه أمر کهذا ، حسبما تقدّم .
ترکیبه الخوارج :
أمّا ترکیبه الخوارج ، فلم تکن لتشجع على التفاؤل ـ فبالإضافه إلى إنّهم أعراف جفاه یهیمن علیهم الجهل والقسوه ـ فقد کانوا أخلاطاً من العرب والموالی ، والعرب منهم یحتقرون الموالی ، کما أنّ معظمهم کان من السفله فلم یکونوا من أهل البیوتات المعروفه بالشرف والسؤدد ، ولا کان ثمّه تقارب فی المآرب والأغراض التی کان کلّ منهم یطمح إلى تحقیقیها ، ولذا فقد کان من الطبیعی أن تکثر بینهم التحزّبات والانقسامات ، ولیترک ذلک آثاراً بارزه على قدراتهم ، وفعالیه مواقفهم وحرکاتهم .
الخوارج … والأمویون :
وأمّا بعد عهد علیّ (علیه السّلام) فلقد حارب الخوارج الأمویین بضراوه وعنف ، حتى أنهکوا الحکم الأموی ، ومهّدوا السبیل لإسقاطه ، وکان انشغال مروان الجعدی بحربهم مانعاً له عن أن یمدّ ید العون لعامله نصر بن سیّار الذی کان یواجه الضربات الساحقه من أبی مسلم الخراسانی القائم بأمر الدعوه العباسیه ، بل إنّ المهلب بن أبی صفره الذی قاتل الخوارج فی عهد الزبیریین والأمویین معاً قد حاول الاستفاده من شخصیه وشعارات طالما جهد الزبیریون والأمویون فی طمسها والقضاء علیها ، فیخطب أصحابه محرّضاً لهم على قتالهم ، فیکون ممّا یقول : ( قاتلوهم على ما قاتل علیه أوّلهم علیّ بن أبی طالب صلوات الله علیه ) ، ثمّ جعل شعار أصحابه ـ لوتعرّضوا للبیات من قبل الخوارج ـ : ( حم ، لا ینصرون ) وهوشعار النَّبیّ ( صلى الله علیه وآله ) ، ویروى أنّه کان شعار أصحاب علیّ بن أبی طالب (علیه السّلام) ، کما یروی المعتزلی .
ویبدوأنّ سیاسه الأمویین الظالمه تجاه الناس ، قد ساهمت فی إقبال الناس على الانخراط فی سلک الخوارج لمحاربتهم حتى لیبلغ عدد جیش الضحّاک الخارجی مئه وعشرین ألفاً کما یقولون .
الخوارج فی العهد العباسی :
کما أنّ الخوارج قد حاربوا العباسیین فی مناسبات کثیره ، ولکن بفعالیه أقل ممّا کانت علیه فی السابق ، فإنّ جذوتهم بدأت تخبوا ، وخطرهم بدأ ینحسر ، ولذا فلا نرى لتفصیل الکلام فی حرکاتهم کبیر فائده .
نعم ، لا بُدَّ من الإشاره إلى أنّ نحله الخوارج قد ظهرت فی أواخر العهد الأموی بین البربر فی الشمال الإفریقی وقوى أمرهم ، وحاربوا حکّام تلک البلاد ، حتى سیطروا على القیروان إلى أن أخرجها منهم یزید بن حاتم بن قبیصه ، الذی أرسله المنصور العباسی .
کما أنّ بعض أسر الخوارج قد حکمت تاهرت لأکثر من ۱۳۰ عاماً حتى أزالهم عنها الفاطمیون ، ولعلّ سرّ انتشار هذه النحله بین البربر هو سذاجه هؤلاء وسطحیتهم آنئذٍ ، ثمّ انجذابهم إلى الشعارات البراقه التی کان الخوارج یرفعونها باسم الدین ، بالإضافه إلى الظروف الخاصه التی کان یعانی منها البربر .
ولکنّ هؤلاء البربر أنفسهم قد عادوا إلى التشیع بمجرّد ظهور الفاطمیین ، وکانوا دعامه ملکهم ، وإن کان لا یزال البعض منهم یعتنق نحله الخوارج ، ویعیشون فی بعض المناطق فی الشمال الإفریقی حتى الآن .
مفارقات هامّه فی سیاسات الخوارج :
ونجد أنّ المواقف السیاسیه للخوارج بعض المفارقات مثل :
ألف ـ ما یذکره البعض : من إنّهم قد بایعوا زید بن علیّ ، حینما ثار على الحکم الأموی ، کما أنّ بعض شعرائهم وهو حبیب بن جدره الهلالی قد رثاه حینما استشهد ، مع أنّ زیداً هذا هو حفید علیّ (علیه السّلام) الذی قتلهم وأباد خضراءهم ، وکانت دعوته شیعیه علویه خالصه .
ب ـ إنّ شیبان بن سلمه الخارجی ، زعیم الفرقه الشیبانیه قد أعان أبا مسلم الخراسانی القائم بأمر الدعوه العباسیه ، وابن الکرمانی على العامل الأموی نصر بن سیّار .
ج ـ إنّهم قد أعانوا ابن الزبیر أیضاً ، حیث قد وجدوا : أنّ من واجبهم أن یمنعوا حرم الله من الغزو الأموی ، فذهبوا إلى ابن الزبیر ، فأظهر لهم أنّه على رأیهم ، فقاتلوا معه أهل الشام ، ثمّ امتحنوه فظهر لهم أنّه مخالف لهم فترکوه وکان ذلک سنه ۶۴ﻫ .
د ـ قال ابن خلدون : ( وولى مروان على العراق النضر بن سعید الحریشی ، وعزل به عبد الله بن عمر بن عبد العزیز ، فامتنع عبد الله بالحیره ، وسار إلیه النضر وتحاربا أشهراً ، وکانت الصفریه مع النضر عصبه لمروان ، لطلبه بدم الولید ، وأمه قیسیه ) .
ومن المعلوم أنّ الصفریه هم إحدى فرق الخوارج الکبرى ولا سیما فی أواخر العهد الأموی .
انحسار دعوه الخوارج وأسبابه :
قد تقدّم ما یوضّح بعض أسباب انحسار دعوه الخوارج عن مناطق الحرکه العلمیه ، والنشاط الثقافی ، والنفوذ والقوّه والازدّهار لیعیشوا فی مناطق نائیه حیاه فیها الکثیر من مظاهر الجهل والقسوه والبداوه ، وحرمهم إلى حدًّ کبیر من المساهمه فی المدّ الثقافی والعلمی الذی کان یزداد قوّه یوماً عن یوم ، ثمّ من التمّتع بکثیر من الطیبات التی أحلّها الله لعباده ، حتى أصبحوا فی نهایه الأمر لصوصاً سلابین کما أخبر به علیّ (علیه السّلام) ، ونصّ علیه عدد من المؤرّخین والباحثین .
ونؤکّد على أنّ ممّا ساهم فی انحسار دعوتهم ، وتحجیم نشاطهم سرعه تفرّقهم ، وتشعّبهم فرقاً وأحزاباً ، بسبب إنّهم ـ کما قال علیّ (علیه السّلام) ـ : ( معاشر إخفّاء الهام سفهاء الأحلام ) الأمر الذی أعطى لأعدائهم الفرصه للاستفاده من هذه الحاله ، فکان المهلّب یحاول إلقاء الخلاف بینهم ، وقد نجح فی ذلک إلى حدٍ ما .
ثمّ هناک ترکیبتهم غیر المتناسقه ، ثمّ ظروفهم الحیاتیه وحالتهم الفکریه والثقافیه ، ثمّ طبیعه تعالیمهم التی کانت تنعکس على مواقفهم ، وعلى تحرّکهم السیاسی والعسکری ، وغیر ذلک ، وتؤثّر فی حِدِّیتهم فی مواقفهم ، وتجعلها تتسم بالعفویه والارتجال ، ولا تساعد على التخطیط السرّی المنظّم لها .
هذا کله بالإضافه إلى عدم وضوح کثیر من الأمور الدینیه لهم ، حیث لم یکونوا قادرین على التمییز بین الإیمان والکفر وموجباتهما .
تساهل الخوارج عبر الزمن :
ویلاحظ هنا : أنّه کلما طال العهد کلما اتجه الخوارج إلى التخفیف من حدّه تعالیمهم وعقائدهم ، تبعاً لازدیاد معارفهم وإدراکاتهم لضرورات الحیاه ، حتى لقد تساهلوا فی موقفهم بالنسبه لأمیر المؤمنین (علیه السّلام) ، فقد جنح التناوتی إلى الاعتدال فی مسأله الحکم على علیّ (علیه السّلام) وهی دائماً من أمّهات المسائل عند الأباضیّه ، فإنّ عمده ومحور مذهب الخوارج ، والمبرر لوجودهم هو تکفیر الخلیفتین عثمان وعلیّ (علیه السّلام) ، بل لقد نقل لنا بعض الإخوان عن بعض علمائهم فی الجزائر : إنّهم یظهرون الحبّ لعلیّ وآله وینکرون أن یکون ابن ملجم قاتل علیّ (علیه السّلام) منهم ، فإنّ صحّ هذا فإنّه یکون تطوراً جدیداً وهامّاً جدّاً فی مذهب الخوارج .
وإنّ تساهل الأباضیّه فی کثیر من الأمور ـ حتى أننا لا نجد إلاّ القلیل من أوجه الشبه بینهم وبین أسلافهم فی الصدر الأول ـ لیفسّر لنا بقاءهم على مرّ الزمن بینما نجد غیرهم من الفرق قد بادوا وانقرضوا بسرعه منذ القرون الأولى ، فإنّ تساهلهم هذا قد ساهم طبیعیاً فی إزاله کثیر من نقاط الضعف التی سبقت الإشاره إلى بعضها .
عقائد الأباضیّه وفقههم :
وما دمنا فی الحدیث عن فرقه الأباضیّه ، فلا بأس بالإشاره إلى أنّه ربّما یتصوّر البعض : أنّ هذه الفرقه قد تأثّرت فی عقائدها بالمعتزله ، وذلک لمخالفتها أهل السنّه فی أصول عقائدیه هامّه حیث قالت: بعدم تجسیم الله تعالى ، وبعدم رؤیته تعالى فی الآخره ، وعدم قِدَم القرآن ، وعدم القول بالجبر والقدر .
ولکنّ الحقیقه هی : أنّ الخوارج لم یتح لهم الاختلاط بالمعتزله ، ولا عایشوا التیارات الفکریه بصوره فعاله ، کما أنّ تفرقهم فی البلاد البعیده عن العواصم الإسلامیه قد جعلهم فی مأمن من المدّ العارم لأحادیث الإسرائیلیات ، وبقوا فی تعاملهم مع النصوص على طبعهم العربی الساذج ، وهذا یعنی : أنّهم قد توصّلوا إلى آرائهم العقائدیه تلک بأنفسهم ومن دون تأثّر بأحد .
نعم ، نجد فی التاریخ : أنّ عبد الله بن أباض مؤسس الأباضیّه قد عاد إلى الاعتزال ، ولذلک فإنّ أصحابه لا یعظمون أمره ، وذلک أمر آخر لا یرتبط بهذا الذی نحن بصدده .
ولا تفوتنا الإشاره هنا إلى أنّ بعض فرق الخوارج کانت تعتقد بالمهدیه ـ حسب بعض النصوص ـ وإن کانت سائر الفرق قد سکتت عن هذا الأمر وأغفلت التعرّض إلیه .
وبالنسبه لفقه الأباضیّه ، وغیرهم ، فإننا نقول : إنّ صبغه الخوارج کانت أولاً سیاسیه ، ثمّ فی عهد عبد الملک مزجوا تعالیمهم السیاسیه بأبحاث عقائدیه ، وکان الخوارج الأولون یعتمدون على فهمهم الخاص للآیات القرآنیه ، وعلى استنباطاتهم العقلیه المحدوده فی مجال التحدّیات العملیه للتصرفات والمواقف التی کانت تفرض نفسها ـ آنیاً ـ علیهم ، فکانت تلک الاستفادات والاستنباطات سریعه ومرتجله تتسم بالسطحیه ، وتهیمن علیها المیول ، والعواطف والأحاسیس ثمّ لا تلبث أن تتحوّل إلى مبدأ وعقیده تزهق من أجلها النفوس وتبذل فی سبیلها المهج .
ولکن ممّا لاشکّ فیه هو أنّ کثیراً من فتاواهم وآراءهم کانت جدیره بالاحترام والتقدیر ، لأنّها مأخوذه من السیره العملیه التی کانت رائجه فی الصدر الأول ، ونابعه من طبیعتهم البدویه الساذجه والصافیه ، ومنساقه مع الفهم الفطری للآیات القرآنیه ، وللسنّه النبویّه فی أحیان کثیره .
إلاّ أنّ التزامهم بالحرفیه التامّه قد أدّى فی حالات کثیره إلى ظهور کثیر من السخافات المضحکه ، بالإضافه إلى السطحیه وقصور النظر ، ولکنّ المهمّ هو أنّ تلک الآراء والفتاوى الصحیحه عندهم ـ ولم تکن کثرتها کبیره ـ قد کانت ـ طبیعیاً ـ مجرّد حالات جزئیه منفصله تماماً عن کلّ ما سواها فلم یکونوا یملکون تصوّراً عامّاً ، ولا نظره شمولیه ، من شأنها أن تعطیهم القدره على استیعاب المعارف المختلفه وتوجیهها وجهه صحیحه فی مجال الاستنتاج وإدراک أبعاد الموضوع ، وما یرتبط به ، ولعلّ ذلک یفسّر لنا أمر علیّ (علیه السّلام) لابن عباس بأنّ ( لا تخاصمهم بالقرآن فإنّه حمّال ذو وجوه ) .
وبعد ، فإنّ حدّه الخوارج فی مواجهه المخالفات کان من شأنه أن یضفی لوناً غیر مرغوب فیه ، وینفر الناس منهم ومن آرائهم الفقهیه حتى الصحیحه منها .
إلاّ أنّه وبسبب اتساع مدارک الخوارج ، وإدراکهم طرفاً من ضرورات الحیاه ومقتضیاتها قد اتجهوا ـ ونخصّ بالذکر الأباضیّه منهم ـ نحو التخفیف النسبی من حدّه بعض التعالیم والعقائد التی عرفت عنهم ، ثمّ وبسبب بُعد بلادهم عن الاهتمامات المباشره للحکام ، ولأنّهم قد نعموا بالاستقرار النسبی ، فقد أتیحت لهم الفرصه للتألیف فی عقائدهم وفقههم ، ویذکر ابن خلدون وغیره : إنّ مؤلفاتهم تلک ضاربه بسهم من إجاده التألیف والترتیب ، وبناء الفروع على أصولهم .
الوهابیون … والخوارج :
وأخیراً، فلربما نجد صلات وثیقه ، وتشابهاً کبیراً بین آراء وشعارات الخوارج ، وشکل ونمط الحیاه عندهم وبین آراء ، وشعارات ، وشکل ونمط الحیاه لدى الوهابیین ولاسیما بالنسبه لشدّتهم على المسلمین ، واعتبارهم کفّاراً وبحکمهم ، ثمّ تساهلهم مع غیر المسلمین .
ثمّ ما نشهده من الانسجام التامّ بین الحکومات الوهابیه وبین قوى الاستکبار والاستعمار العالمی ، وحمیمیه العلاقات فیما بینهم ، وقبول ذلک لدى عامه الناس لدى ذینک الفریقین ، ولعلّه لأنّه ینشأ عن رأی مذهبی اعتقادی ، لا مناصّ من احترامه ، ولا مفرّ من تحمّل آثاره ، وتکریسه على مستوى الحیاه والواقع .
ختام :
وبعد . . فإنّنی أرجو أن أکون قد وفّقت لإعطاء صوره موجزه عن الخوارج وحرکاتهم وبعض ما یرتبط بوضعهم السیاسی والثقافی وبعقائدهم والله أسأل أن یوفّقنا ویجمع بالإسلام کلمتنا ، أنّه ولی قدیر .
ــــــــــــــــــــ
(۱) القران الکریم : سوره الکهف ( ۱۸ ) ، الآیه : ۱۰۴ ، الصفحه : ۳۰۴ .
(۲) حی سمی باسم بطن من همدان یسکنونه، وناعط جدهم.