حقیقه الحب الإلهی (۲)
من مظاهر حکمه الله تعالى المختاره والمُبیّنه فی القرآن الکریم وحده المسلک بین تزکیه النفس وتطهیرها معنویّاً للوصول بها إلى أعلى مدارج الکمال وبین معرفه الله تعالى. ویمکن توضیح ذلک من خلال مقدّمات ثلاث:
المقدّمه الأولى: إنّ الإنسان قد خُلق مفطوراً على حبّ الکمال. ومعنى کونه مفطوراً على حبّ الکمال وطلب تحصیله هو أنّ الإنسان فی أصل خلقته قد خُلق على کیفیه مخصوصه هی حبّ الکمال المطلق وطلبه, وهذا من قبیل الکیفیه المخصوصه التی وُجد علیها الماء؛ فإنّ الماء قد فُطر ـ أی: خُلق ـ على خصوصیه السیلان, فالسیلان موجود فی أصل ترکیبه الماء وخلقته الأولى.
وهکذا الحال فی المقام, فإنّ حبّ الکمال الذی فُطر علیه الإنسان یمثّل فی واقعه درجه شدیده من وجوده، ولذا لا تکون الرغبه فی الکمال قابله للتعلیل۱، فهی أمرٌ ذاتیّ وحقیقیّ فی أصل خلقه وترکیبه الإنسان، ومن الواضح أنّ الذاتی لا یُعلّل، فلا معنى للسؤال بعد ذلک عن سبب حبّ الإنسان للکمال۲٫
ثم أنّ هذا الکمال الذی فُطر الإنسان على حبّه وطلبه هو خصوص الکمال المطلق, وأنّ الکمال المطلق بالنسبه للإنسان هو نفس معرفه الله تعالى. فالکمال المطلق هو معرفته سبحانه, ومعرفته سبحانه هی الکمال المطلق بالنسبه للإنسان, والسّر فی الإطلاق هو کونه معرفه لا حدّ لها ولا یمکن الإحاطه بها.
المقدّمه الثانیه: إنّ هذا الحبّ بنکته فطریّته لن یکون قابلاً للتبدیل والتحویل والتغییر والتغیّر، وهذه الحقیقه ثابته عقلاً ونقلاً. أمّا عقلاً فإنّ التبدیل أو التحویل أو التغییر یعنی فقدان الأصل؛ لأنّ حبّ الکمال لیس أمراً عارضاً على وجود الإنسان، وإنّما هو کیفیّه مأخوذه فی أصل ترکیبته ونشأته، فیکون افتراض عدمه افتراضاً لعدم الإنسان. وأمّا نقلاً فلقول الله تعالى: (فِطْرَهَ اللهِ الَّتِی فَطَرَ النَّاسَ عَلَیْهَا لاَ تَبْدِیلَ لِخَلْقِ اللهِ)۳٫ وما دام الإنسان مفطوراً على حبّ الکمال وطلب الحصول علیه، فإنّ هذا الحبّ وهذا الطلب لن یتبدّلا أو ینطفئا أبداً، إذاً لا تبدیل لخلق الله تعالى. وهکذا جرت سنّه الله فی الإنسان کباقی سُننه فی الکون خالده باقیه أبداً، (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّهِ اللهِ تَبْدِیلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّهِ اللهِ تَحْوِیلاً)۴٫ فحبّ الکمال وطلب تحصیله هما سنّه الله سبحانه فی خلقه، وهما من أصول الفطره الأولى التی فطر علیها الإنسان، ولا ینتقض ذلک بما نشاهده من انحرافات جسیمه عن مستلزمات هذه الفطره السلیمه والصبغه الحسنه۵، فذلک لا یُعدّ إبطالاً لها وإنّما هو استعمال خاطئ لها فی غیر ما أرید لها.
یقول السیّد الطباطبائی: (وأمّا الانحراف المشهود عن أحکام الفطره فلیس إبطالاً لحکمها بل استعمالاً لها فی غیر ما ینبغی من نحو الاستعمال، نظیر ما ربّما یتّفق أنّ الرامی لا یصیب الهدف فی رمیته، فإنّ آله الرمی وسائر شرائطه موضوعه بالطبع للإصابه إلاّ أنّ الاستعمال یوقعها فی الغلط)۶٫ فالفطره باقیه على أصلها وفصلها فی حبّ الکمال والسعی لبلوغه، ولکن الإشکالیه تکمن فی تحدید المصداق. فالخطأ فی تعیین المصداق المطلوب حقّاً یؤدّی إلى الانحراف، فیتصوّر البعض أنّ کماله المطلوب هو المال أو الجاه أو السلطان أو الملذّات أو…، فیغترف من ذلک الماء الأجاج ظنّاً منه بأنّه عذب فرات سائغ شرابه، فلا یزیده الشرب إلاّ عطشاً وقرباً من هلاکه. عن أبی عبد الله الصادق علیه السلام أنّه قال: (مَثل الدُّنیا کماء البحر کلّما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتّى یقتله)۷٫
المقدّمه الثالثه: إنّ الکمال غیر المتناهی, مصداقه الأوحد هو الله سبحانه وتعالى. فالتأمّل فی مجموع هذه المقدّمات ینتج عنه أنّ الإنسان إذا عرف الله تعالى فإنّه سوف یُحبّه بالضروره، وذلک لأنّ حبّه لله تعالى انعکاس وترجمه فعلیه لحبّ کماله الشخصی والذاتی، وهو طالب له ما دام فاقداً له حتّى إن کان مطلوبه یحصل علیه ضمن حدود ضیّقه فی محلٍّ ما، فکیف إذا علم أنّ مطلوبه موجود بشکل مطلق غیر محدود؟ فلا شکّ أنّه سوف یکون أشدّ طلباً له ورغبهً به.
من خلال ذلک یتّضح لنا أنّ مرحله ومسیره طلب الکمالات لن تنتهی عند حدّ معیّن ما دام الطالب محدوداً ـ وهو الإنسان فی حدود بحثنا ـ والمطلوب مطلقاً. وحیث إنّ المعرفه بالشیء ـ فی إحدى معانیها ـ هی الإحاطه به، فکیف یُحیط المحدود باللا محدود؟
لا شکّ أنّ أیّ إحاطه تعنی محدودیه المعلوم، ولعلّ هذا الطلب الحثیث المستمرّ واللا یقفی۸ یفسّر لنا ـ من زاویه ما ـ الأنس واللذّه فی تحصیل المطلوب غیر المتناهی.
إنّ التناهی لا یعنی محدودیه المقام، وهذا سرعان ما یُفضی بصاحبه إلى دائره مغلقه وعدیمه الانسجام مع أصل الفطره الطالبه للکمال المطلق.
ولکی یتّضح ما قدّمناه فی تصویر المقدّمتین نضرب مثالاً حسّیاً یعیشه الجمیع، وهو أنّ أیّ واحد منّا إذا شخّص أنّ بقاء حیاته واستمرارها متوقّفان على أکله وشربه وتنفّسه فإنّ حاجته إلى ذلک سوف تُفضی به إلى حُبّ الطعام والشراب والهواء؛ لأنّ جمیع هذه الأشیاء تحفظ له مطلوبه، وهو بقاء حیاته. وکذا الحال فیما نحن فیه، فإنّ الإنسان بعد أن کان مفطوراً على حبّ ذاته وتحصیل کمالاته الذاتیه فإنّه إذا شخّص أنّ الکمالات المفقوده لدیه ـ وهی کثیرهٌ لا تُحصى ـ متوافره وبدرجات غیر متناهیه فی موجود مطلق غیر متناه ـ وهو الله تعالى ـ فإنّه سوف یکون محبّاً لله تعالى، وکلّما زادت معرفته وإیمانه بغایته ومطلوبه صار أکثر طلباً له وأشدّ حبّاً (وَالَّذِینَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للهِ)۹٫
فإذا انجلت الغبره وعرف الإنسان هدفه وغایته ومحبوبه ومقصوده وآمن به فإنّه سوف ینطلق إلیه بکلّیّته مُسخِّراً لذلک جمیع طاقاته وإمکانیّاته وبذلک سوف ینفتح بقلبه وعقله وبصیرته على أسماء الله الحسنى وصفاته، فیزدان قلبه ویلهج لسانه بغیر المتناهی فی أسمائه وصفاته، ظاهرها وباطنها ( قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَیّاً ما تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْماءُ الحُسْنَى )۱۰٫ فما دمت منفتحاً ـ وهکذا کلٌّ بحسبه ـ على المعارف الإلهیه الاسمائیه والصفاتیه، فسوف یکون همّک وشاغلک الأوّل ومذکورک الأوحد هو الوجود المطلق غیر المتناهی الذی له المثل الأعلى فی کلّ شیء؛ کلّ کمال وجمال، وکلّ حُسن وجلال، هو الله تبارکت أسماؤه وصفاته.
وبذلک نخلُص إلى أنّ المعرفه بالشیء تُفضی إلى محبوبیّته ما دام یمثِّل کمالاً للعارف به والطالب له، وبقدر هذه المعرفه تکون المحبّه.
الإخلاص ثمره الحبّ
فی ضوء ما تقدّم ننتهی إلى نتیجه فی غایه الأهمّیه وهی أنّ الحبّ الذی تُورثه المعرفه سوف یُورث لنا أمراً آخر لابدّ منه وهو الإخلاص للمحبوب. فنحن نرى بالوجدان أنّنا نُخلص لمن نحبّه, وتزداد درجه إخلاصنا بازدیاد درجه حبّنا له. وهذا الترتّب الطولی بین المعرفه والحبّ والإخلاص هو ترتّب ذاتیّ، وسنّه إلهیّه، ومسلک قرآنیّ منسجم تمام الانسجام مع فطره الإنسان.
من خلال هذه المعارف الأوّلیه الجلیله تتّضح لنا جُمله أمور ذات صله بالسلوک الذی یجدر بالإنسان أن یکون علیه ـ وکما قیل: إنّ الأعراض تکشف عن جواهرها، والمعلولات تکشف عن عللها ـ نذکر شاهداً واحداً منها لعلّ فیه تذکره للمؤمنین، وهو أنّ الأمراض المعنویه التی أحسبها أعراضاً لا أمراضاً ـ کما سیتّضح ـ تحکی لنا بنفسها ما نحن علیه من إخلاص, ثمّ من حبّ, ثمّ من معرفه بالله تعالى، کما هو الحال فی الریاء والتکبّر وغیرهما. فالریاء طلب المحبوبیه فی قلوب الناس، حیث یُرائی المرائی الآخرین طلباً للمنزله عندهم، فیکون الآخرون هم المقصودین بالعمل۱۱، وهذا هو الشرک الخفیّ لا الجلیّ۱۲ ، أو الأصغر لا الأکبر، کما جاء ذلک فی جمله من الروایات، حتّى أنّ الرسول الأکرم صلى الله علیه وآله قد رُئی باکیاً فسُئل عن سرّ بکائه، فقال: (إنّی تخوّفت على أمّتی الشرک، أما إنّهم لا یعبدون صنماً ولا شمساً ولا قمراً ولکنّهم یُراءون فی أعمالهم)۱۳٫ وعنه صلى الله علیه وآله أیضاً: (إنّ أخوف ما أخاف علیکم الشرک الأصغر). قالوا: ما الشرک الأصغر یا رسول الله؟ قال: الریاء۱۴٫
ففی الصلاه ـ مثلاً التی یجب أن یکون المتوجَّه إلیه هو الله وحده ـ إذا قُصد بها وجه آخر طلباً للمنزله والمحبوبیه عنده فإنّ مثل هذه الصلاه تکشف عن عدم إخلاص صاحبها لله تعالى, وعدم إخلاصه هذا یکشف عن عدم حبّ لله تعالى، أو أنّه یکشف عن حبّ لا قیمه له، وعدم الحبّ کاشف بدوره عن عدم المعرفه بالله تعالى. وهذا الترتّب منطقیّ جدّاً، فالذی یقصد غیر وجه الله تعالى فی صلاته لا شکّ أنّه سیجد فی ذلک الغیر ما لم یجده فی الله تعالى؛ ما یعنی الجهل المُطبق وعدم المعرفه بالله تعالى. وأکثر من ذلک أنّه یکشف عن سفاهه؛ لأنّ الفاعل هنا یرى للغیر من کمال ما لا یراه لله تعالى. بعباره أخرى: یرى للموهوب له ما لا یراه للواهب نفسه! مع أنّ الواهب الحقیقی واجد لکلّ جمال وکمال وبأعلى المراتب، ولذا عبّرنا عن الأمراض المعنویه کالریاء والتکبّر ونحوهما بالأعراض الکاشفه بنفسها عن أمراض. فالریاء کاشف عن عدم الإخلاص ثمّ عدم الحبّ ثمّ عدم المعرفه بالله تعالى، وعدم المعرفه بالله هو المرض الحقیقی, وما الریاء والتکبّر ونحوهما من الموبقات إلاّ أعراض تحکی عن عللها.
وهکذا یمکن التدرّج فی جمیع المقامات التی نحن علیها، صحیحها وسقیمها، سلبها وإیجابها، لنعرف بذلک أیّ شأن ومکانه وموقع تتبوّؤه معرفه الله تعالى.
بقی أن نعرف کیف لهذا الحبّ المتولِّد من المعرفه الإلهیه أن یکون مُورثاً للإخلاص، فذلک لأنّ محبّه الله تعالى تطهِّر القلب من جمیع التعلّقات الأخرى أیّاً کانت تلک التعلّقات ـ ما لم تکن متعلّقه به وعائده إلیه ـ فیتوجّه القلب بکلّیته نحو قبلته وکعبته ومحبوبه، وهذا هو کمال الحبّ وتمامه حیث لا یُبقی الحبّ فی قلب المحبّ شیئاً أو متعلّقاً لغیر المحبوب ما (جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَیْنِ فِی جَوْفِهِ)۱۵٫ فلا معنى للحبّ مع وجود الغیریه، ولا معنى للغیریه مع وجود الحبّ. یقول العلاّمه الطباطبائی: (وأمّا محبّه الله سبحانه فإنّها تُطهِّر القلب من التعلّق بغیره تعالى من زخارف الدنیا وزینتها من ولد أو زوج أو مال أو جاه، حتّى النفس وما لها من حظوظ وآمال، ویقتصر القلب فی التعلّق به تعالى وبما یُنسب إلیه من دین أو نبیٍّ أو ولیٍّ وسائر ما یرجع إلیه تعالى بوجه، فإنّ حبّ الشیء حبٌّ لآثاره)۱۶٫
فإذا وقع ذلک الحبّ الإلهی فی قلب الإنسان فهو الجَنّه التی ینعم بها العبد فی الدُّنیا قبل الآخره، وهو الجُنّه التی تقیه من الوقوع فی المعاصی والمهالک، لأنّ الحبّ الإلهی کفیلٌ بتوحید إراده المحبّ مع إراده محبوبه فتکون إرادته مرآه تحکی إراده المحبوب. وفی ذلک یقول الطباطبائی: (وإنّ المحبّه الإلهیه تبعثهم على أن لا یریدوا إلاّ ما یریده الله وینصرفوا عن المعاصی)۱۷٫
فإذا سکن الله تعالى قلب المؤمن أو أقصر المؤمن قلبه على الحقّ تعالى وحده ولم یسمح للأغیار من الولوج فیه، استغنى العبد عمّا سوى الله تعالى وأغناه الله تعالى بمعیّته، وحقَّ لذلک القلب أن یکون حرماً وبیتاً خالصاً لله تعالى؛ (القلب حرم الله فلا تُسکن فی حرم الله غیر الله سبحانه)۱۸٫
وعندئذ یکون النظر إلى الملکوت من خلال نافذه القلب، بل سیکون ذلک القلب الطاهر ملکوت صاحبه ما دام الله تعالى فیه ومستحوذاً علیه، ولابدّ أن یکون قد اتّضح لدینا أسباب عدم حصول هذا النظر القُدسی للأعمّ الأغلب منّا؛ فذلک لما للشیاطین من سبح طویل وفضاء فسیح فی قلوبنا؛ (لولا أنّ الشیاطین یحومون على قلوب بنی آدم لنظروا إلـى الملکوت)۱۹، فصارت تلک القلوب کمحافل السوء اکتظّت عندها الأغیار، (أوْ کَظُلُماتٍ فِی بَحْرٍ لُـجِّیٍّ یَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ)۲۰، مع أنّ هذه القلوب الإنسانیه تفرّدت بأصل خلقتها وفطرتها عمّن سواها من قلوب سائر المخلوقات الأخرى بصیرورتها عرشاً أوحدیاً للرحمن جلّ وعلا؛ فی الحدیث القدسیّ: (قلب المؤمن عرش الرحمن)۲۱ و (لم یسعنی سمائی ولا أرضی ووسعنی قلب عبدی المؤمن)۲۲٫
وإذا کان قلب المؤمن عرش الرحمن فلنا أن نفهم وجهاً آخر لقوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)۲۳ فلا توجد فُسحه أو مجال آخر ولو بقید أنمله للأغیار، وذلک هو القلب السلیم الذی أرید منّا الإتیان به کما حکى عنه القرآن الکریم (إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِیمٍ)۲۴، وقد سُئل الإمام الصادق علیه السلام عن ذلک فقال: (السلیم الذی یلقى ربّه ولیس فیه أحدٌ سواه)۲۵٫ وقد سُئل الرسول الأکرم صل علیه وآله: ما القلب السلیم؟ فقال صلى الله علیه وآله: (دین بلا شکّ وهوى، وعملٌ بلا سمعه وریاء)۲۶٫ فتلک هی آفات القلوب ومُدسّسات البصیره فی التراب۲۷٫
وعن الإمام الصادق علیه السلام وهو یصف لنا القلب السلیم بأوجز وصف: (هو القلب الذی سلم من حبّ الدُّنیا)۲۸، ولذلک فإنّ (شرّ العمى عمى القلوب)۲۹، بل (إنّما الأعمى أعمى القلب)۳۰,وذلک تصدیقاً لقوله تعالى: (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلکِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِی فِی الصُّدُورِ)۳۱٫ فالقلب نافذه مُشرعه إمّا تطلّ بصاحبها على الملکوت والساحه المقدّسه الأسمائیه والصفاتیه إن تفرّد القلب بحبّ الله تعالى وصفا له وتوحّد به، فیُبصر ما لا عین رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإمّا تطلّ بصاحبها على تلک الصحاری المجدبه والظلمات الموحشه إن تصفّحت عینا القلب وتنصّتت أذناه إلى الأغیار فتُکسَر بذلک مصابیح القلب وتُوقَر أذناه. روی عن الرسول الأکرم صلى الله علیه وآله قوله: (ما من قلب إلاّ وله عینان وأذنان، فإذا أراد الله بعبد خیراً فتح عینیه اللّتین للقلب لیشاهد بهما الملکوت)۳۲٫ فإذا ما خُلّی القلب من الأغیار واختلى بمحبوبه الأوحد، سُقی شراباً طهوراً (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً)۳۳ من کأس الحبّ والتطهیر التامّ عمّا سوى المحبوب۳۴، ویا له من شراب عذب سائغ ومن سُقی لا ظمأ بعده أبداً، ومن ساق أزال کلّ الوسائط عن محبّیه (وسقاهم ربّهم) فلا واسطه ولا مسافات تحجبهم عنه، وعندئذ یتمیّز من کان یعبد ربّه حبّاً وشکراً عمّن کان یعبده طمعاً فی جنّته أو خوفاً من ناره۳۵، فلا یکون بینه وبین محبوبه حاجب ولا ساتر، وهذا هو معنى القرب والفوز العظیم؛ یقول الطباطبائی: (وهؤلاء هم المقرّبون الفائزون بقربه تعالى، إذ لا یحول بینهم وبین ربّهم ممّا یقع علیه الحسّ أو یتعلّق به الوهم أو تهواه النفس أو یلبسه الشیطان، فإنّ کلّ ما یتراءى لهم لیس إلاّ آیه کاشفه عن الحقّ تعالى، لا حاجباً ساتراً، فیفیض علیهم ربّهم علم الیقین، ویکشف لهم عمّا عنده من الحقائق المستوره عن هذه الأعین المادّیه العمیقه، بعدما یرفع الستر فیما بینه وبینهم…) 36.
وبذلک نکون قد عرفنا أنّ المعرفه الإلهیه هی الأصل الأصیل المورث للحبّ، وأنّ الحبّ بدوره یُورث الإخلاص فی قلب المحبّ لمحبوبه. فعدم الإخلاص عدم للحبّ، وعدم الحبّ عدم للمعرفه الإلهیه، (بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِیرَهٌ)۳۷٫
_______________________
(۱) انظر: کلمه حول فلسفه الأخلاق للأستاذ محمّد تقی الیزدی، مؤسّسه در راه حقّ، قم: ص۲۸٫
(۲) ینقسم الحمل فی علم المنطق إلى قسمین؛ الأوّل: حمل المفهوم على نفسه، مثل قولنا: الإنسان إنسان، والثانی: حمل المفهوم على مصداقه، مثل: زید إنسان. الأوّل یُسمّى بالحمل الأوّلی، والثانی بالحمل الشایع الصناعی، وربّما سُمّی الشایع بذلک لکثره استعماله، أی لشیوعه نتیجه حصول الفائده الواضحه منه، بخلاف الحمل الأوّل.
وعلیه فإذا حملنا البیاض على نفسه وقلنا: البیاض أبیض، فالحمل هنا حملٌ أوّلیّ لأنّنا حملنا البیاض على نفسه لا على شیء آخر، فالأبیضیّه هنا لیست شیئاً آخر غیر البیاض وإنّما هی حقیقه البیاض وذاته، کما هو الحال بین زید ونفسه، فنفس زید هی زید نفسه، وإذا کان الأمر کذلک فعندئذ لا یصحّ أن نقول لماذا صار البیاض أبیض، لأنّ البیاض لم یکن قبل الأبیضیّه شیئاً آخر لنسأل عنه، فلا توجد علّه لأبیضیّه البیاض غیر أبیضیّته نفسها، ومن هنا قالوا باستحاله التفکیک بین الشیء ونفسه؛ لعدم وجود اثنینیّه فی المقام ولذا لا یُعلّل، أی لا یُسأل عن علّه أبیضیّه البیاض، وهکذا لا یصحّ أن نقول: لماذا صار الماء ماءً، والأرض أرضاً… الخ.
وهذا غیر قولنا: لماذا خُلق الماء، وخُلقت الأرض؟ کما هو واضح.
(۳) الروم: ۳۰٫
(۴) فاطر: ۴۳٫
(۵) إشاره إلى قوله تعالى: (صِبْغَهَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَهً)، البقره: ۱۳۸٫
(۶) المیزان فی تفسیر القرآن، للسیّد العلاّمه محمّد حسین الطباطبائی، نشر مؤسّسه إسماعیلیان، قم: ج۵ ص۳۳۸٫
(۷) الکافی، مصدر سابق: ج۲ ص۱۳۷ باب ذمّ الدنیا، ح ۲۴٫
(۸) کلمه مرکّبه من الوقوف ونفیه، وتعنی عدم التوقّف عند حدٍّ معیّن.
(۹) البقره: ۱۶۵٫
(۱۰) الإسراء: ۱۱۰٫
(۱۱) وهذا القصد ینافی الإخلاص الذی هو شرط فی النیّه لنفی الأغیار، فالإخلاص هو (خلوّ القلب والنفس عند العمل من کلّ مقصد سوى المقصد الإلهی وتحصیل رضا الله سبحانه) انظر: فقه الأخلاق للسیّد محمّد الصدر رحمه الله ، الناشر أنوار الهدى، الطبعه الأولى، قم: ص۴۷٫
(۱۲) لأنّ الریاء لیس من الشرک فی العباده وإنّما هو من الشرک فی الطاعه. انظر: فقه الأخلاق، مصدر سابق: ص۴۱٫
(۱۳) میزان الحکمه، مصدر سابق: ج۲ ص۱۰۱۹ ح۶۷۹۸٫
(۱۴) المصدر السابق: ج۲، ص۱۰۱۹، ح۶۷۹۹٫
(۱۵) الأحزاب: ۴٫
(۱۶) المیزان فی تفسیر القرآن، مصدر سابق، قم: ج۱۱ ص۱۷۵ـ ۱۷۶٫
(۱۷) المصدر السابق: ج۱۱ ص۱۷۸٫
(۱۸) بحار الأنوار مصدر سابق: ج۶۷ ص۲۵ ح۲۷٫
(۱۹) إحیاء علوم الدِّین لأبی حامد الغزالی، نشر دار المعرفه، بیروت: ج ۱، ص ۲۳۲؛ بحار الأنوار، مصدر سابق: ج۷۰ ص۵۹٫
(۲۰) النور: ۴۰٫
(۲۱) بحار الأنوار, مصدر سابق: ج۵۵ ص۳۹٫
(۲۲) المصدر السابق: ج۵۵ ص۳۹٫
(۲۳) الأعراف: ۵۴٫
(۲۴) الشعراء: ۸۹٫
(۲۵) أصول الکافی, مصدر سابق: ج۲ ص۱۶٫
(۲۶) میزان الحکمه، مصدر سابق: ج۳ ص۲۶۰۲ رقم الحدیث: ۱۶۹۲۹٫
(۲۷) إشاره إلى قوله تعالى: {أمْ یَدُسُّهُ فی التُّراب}. النحل: ۵۹٫
(۲۸) میزان الحکمه, مصدر سابق: ج۳، ص۲۶۰۳، ح۱۶۹۳۱٫
(۲۹) أمالی الصدوق، لأبی جعفر محمّد بن علی المعروف بالشیخ الصدوق، نشر مؤسّسه الأعلمی، الطبعه الخامسه، بیروت: ص۳۹۵٫
(۳۰) من لا یحضره الفقیه, مصدر سابق: ج۱ ص۳۷۹ ح۱۱۰۹٫
(۳۱) الحجّ: ۴۶٫
(۳۲) تفسیر المحیط الأعظم والبحر الخضمّ للسیّد حیدر الآملی، تقدیم وتحقیق وتعلیق السیّد محسن الموسوی التبریزی، نشر المعهد الثقافی نور على نور، الطبعه الأولى، قم:= = ج۱ص۲۷۲٫
(۳۳) الإنسان: ۲۱٫
(۳۴) عن الإمام الصادقعلیه السلام أنّه قال فی ذیل آیه (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً): (یُطهّرهم عن کلّ شیء سوى الله). انظر: تفسیر الصافی للفیض الکاشانی منشورات الأعلمی، ۱۹۸۲م، بیروت: ج۵ ص۱۶۵٫
(۳۵) عن الإمام الصادقعلیه السلام أنّه قال: (العباد ثلاثه: قومٌ عبدوا الله عزّ وجلّ خوفاً فتلک عباده العبید، وقومٌ عبدوا الله تبارک وتعالى طلب الثواب فتلک عباده الأجراء، وقومٌ عبدوا الله حبّاً فتلک عباده الأحرار وهی أفضل العباده). انظر: أصول الکافی، مصدر سابق: ج۲، ص۸۴، کتاب الإیمان والکفر، باب العباده.
(۳۶) المیزان فی تفسیر القرآن، مصدر سابق: ج۱۱ ص۱۷۶ـ ۱۷۷٫
(۳۷) القیامه: ۱۴٫