مباهله النبی الأکرم محمد بن عبد الله (ص) نصارى نجران

0

 
مباهله النبی الأکرم محمد بن عبد الله (ص) نصارى نجران
فی الرابع والعشرین من شهر ذی الحجه سنه ۹ هجریه
إنفاذ النبی (ص) رسله إلى نصارى نجران
ودعوتهم إلى الإسلام والإیمان
ذکر السید رضی الدین علی بن طاووس فی کتابه”الإقبال” : روینا ذلک بالأسانید الصحیحه والروایات الصریحه إلى أبى المفضل محمد بن المطلب الشیبانی رحمه الله من کتاب المباهله ، ومن أصل کتاب الحسن بن اسماعیل بن اشناس من کتاب عمل ذی الحجه ، فیما رویناه بالطرق الواضحه عن ذوى الهمم الصالحه ، لا حاجه إلى ذکر أسمائهم ، لأن المقصود ذکر کلامهم ، قالوا : لما فتح النبی صلى الله علیه وآله مکه، وانقادت له العرب ، وأرسل رسله ودعائه الى الامم ، وکاتب الملکین ، کسرى وقیصر ، یدعوهما إلى الإسلام ، وإلّا أقرّا بالجزیه والصَغار ، وإلّا أذنا بالحرب العوان ، أَکبرَ شأنه نصارى نجران وخلطاؤهم من بنی عبد المدان، وجمیع بنی الحارث بن کعب ، ومن ضوى إلیهم (أدى الیهم) ، ونزل بهم من دهماء الناس (جماعتهم) على اختلافهم هناک فی دین النصرانیه من الأروسیه والسالوسیه، وأصحاب دین الملک، والمارونیه والعباد والنسطوریه ، وامتلأت قلوبهم على تفاوت منازلهم رهبه منه ورعبا، فانهم کذلک من شأنهم.
وحینها وردت علیهم رسل رسول الله صلى الله علیه وآله بکتابه ، وهم عتبه بن غزوان، وعبد الله بن أبی أمیه، والهدیر بن عبد الله اخو تیم بن مره، وصهیب بن سنان اخو النمر بن قاسط ، یدعوهم إلى الإسلام ، فان أجابوا فإخوان ، وان أبوا واستکبروا ، یدعوهم إلى أداء الجزیه عن ید ، فان رغبوا عما دعاهم إلیه من أحد المنزلین وعاندوا، فقد آذنهم على سواء ، وکان فی کتابه صلى الله علیه وآله : ( قل یا أهل الکتاب تعالوا إلى کلمه سواء بیننا وبینکم ألّا نعبد إلّا الله ولا نشرک به شیئاً، ولا یتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ، فان تولَّوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) (آل عمران : ۶۷) .
قالوا : وکان رسول الله صلى الله علیه وآله لا یقاتل قوما حتى یدعوهم ، فازداد القوم لورود رسل نبی الله صلى الله علیه وآله وکتابه نفورا وامتزاجا ، ففزعوا لذلک إلى بیعتهم العظمى، وأمروا ففرش أرضها، وألبس جدرها بالحریر والدیباج ، ورفعوا الصلیب الأعظم ، وکان من ذهب مرصع ، أنفذهُ إلیهم قیصر الأکبر ، وحضر ذلک بن الحارث بن کعب ، وکانوا لیوث الحرب فرسان الناس ، قد عرفت العرب ذلک لهم فی قدیم أیامهم فی الجاهلیه ..
فاجتمع القوم جمیعاً للمشوره، والنظر فی أمورهم ، وأسرعت إلیهم القبائل من مذحج ، وعک وحمیر وأنمار ، ومن دنا منهم نسباً وداراً من قبائل سبأ ، وکلهم قد ورم أنفه غضباً لقومهم ، ونکص (أحجم عنه) من تکلم منهم بالإسلام ارتداداً .
خطبه الاسقف الأول الحصین بن علقمه
فخاضوا وأفاضوا فی ذکر المسیر بنفسهم وجمعهم إلى رسول الله صلى الله علیه وآله، والنزول به بیثرب لمناجزته (مقاتلته) ، فلما رأى أبو حامد حصین بن علقمه – أسقفهم الأول وصاحب مدارسهم وعلامهم ، وکان رجلا من بنی بکر بن وائل – ما أزمع القوم علیه من إطلاق الحرب ، دعا بعصابهٍ فرفع بها حاجبیه عن عینیه ، وقد بلغ یومئذ عشرین ومائه سنه ..
ثم قام فیهم خطیباً معتمداً على عصا، وکانت فیه بقیه، وله رأى ورویه، وکان موحداً یؤمن بالمسیح وبالنبی علیهما السلام، ویکتم ذلک من کفره قومه وأصحابه .
فقال : مهلا بنى عبد المدان مهلا ، استدیموا العافیه والسعاده ، فانهما مطویان فی الهواده (الصلح) ، دبوا (إمشوا) إلى قوم فی هذا الأمر دبیب الزور ، وإیاکم والسوره العجلى ، فان البدیهه بها لا ینجب (حمد فی نظره أو قوله أو فعله) ، انکم والله على فعل ما لم تفعلوا، أقدر منکم على رد ما فعلتم ، إلا أن النجاه مقرونه بالأناه ، ألا رب إحجام (امتناع) أفضل من إقدام ، وکائن من قول أبلغ من وصوله ثم أمسک.
فأقبل علیه کرز بن سبره الحارثى ، وکان یومئذ زعیم بنى الحارث بن کعب ، وفى بیت شرفهم ، والمعصب فیهم وأمیر حروبهم ، فقال : لقد انتفخ (علا) سحرک، واستطیر قلبک ابا حارثه ، فضلت کالمسبوع النزاعه الهلوع (من یفزع من الشر) ، تضرب لنا الأمثال وتخوفنا النزال (الحرب) ، لقد علمت وحق المنان بفضیله الحفاظ بالنوء باللعب ، وهو عظیم ، وتلقح (هاجت بعد سکون) الحرب وهی عقیم تثقف، اورد الملک الجبار ولنحن أرکان الرایس، وذی المنار الذین شددنا ملکهما، وامّرنا ملیکهما ، فأی أیامنا تنکر؟ أم لأیّهما ویک تلمز (تعیب) ؟. فما اتى على آخر کلامه، حتى انتظم نصل نبله کانت فی یده بکفه، غیظا وغضبا وهو لایشعر .
کلام العاقب عبد المسیح بن شرحبیل
فلما أمسک کرز بن سبره أقبل علیه العاقب ، واسمه عبدالمسیح بن شرحبیل ، وهو یومئذ عمید القوم وأمیر رأیهم وصاحب مشورتهم ، الذی لا یصدرون جمیعا الا عن قوله ، فقال له : أفلح وجهک وأنس ربعک (جماعتک)، وعز جارک وامتنع ذمارک (ما یلزمک حفظه) ، ذکرتَ، وحق مغبرّه الجباه (أی: ذوی الجباه المغبرّه)، حسباً صمیماً ، وعیصاً (أی نسبا) کریماً، وعزاً قدیما ، ولکن أبا سبره لکل مقام مقال ، ولکل عصر رجال ، والمرء بیومه أشبه منه بأمسه ، وهی الأیام تهلک جبلاً ، وتدیل قبیلاً ، والعافیه أفضل جلباب ، وللآفات أسباب ، فمن أوکد أسبابها، التعرض لأبوابها ، ثم صمت العاقب مطرقاً .
کلام السید أسقف نجران
فأقبل علیه السید، واسمه اهتم بن النعمان ، وهو یومئذ اسقف نجران ، وکان نظیر العاقب فی علو المنزله ، وهو رجل من عامله وعداده فی لخم (من قبیله لخم) ، فقال له: سعد جدک وسما جدک أبا وائله ، ان لکل لامعه ضیاء ، وعلى کل صواب نوراً ، ولکن لا یدرکه وحق واهب العقل الا من کان بصیرا ، إنک أفضیت وهذان فیما تصرف بکما الکلم إلى سبیلی حزن وسهل ، ولکل على تفاوتکم حظ من الرأی الربیق (الذی علیه العزم کأنه کنایه عن الشدید) والأمر الوثیق، إذا اصیب به مواضعه ، ثم ان اخا قریش قد نجدکم لخطب عظیم، وأمر جسیم ، فما عندکم فیه قولوا وأنجزوا ، أبخوع واقرار(الطاعه والخضوع )، أم نزوع (أی انتهاء عنه) .
قال عتبه والهدیر والنفر من اهل نجران: فعاد کرز بن سبره لکلامه، وکان کمیّا ابیا ، فقال : أنحن نفارق دیناً رسخت علیه عروقنا، ومضى علیه آباؤنا، وعرف ملوک الناس ثم العرب ذلک منا ، أنتهالک (نجِدُّ مستعجلین) إلى ذلک أم نقرب الجزیه وهى الخزیه حقاً ، لا والله حتى نجرد البواتر من أغمادها ، ونذهل الحلائل عن أولادها ، أو تشرق (تظهر) نحن محمد بدمائنا ، ثم یدیل ( ینصر) الله عز وجل بنصره من یشاء .
قال له السید : أربِع (ارفق) على نفسک وعلینا أباسبره ، فان سل السیف یسل السیف ، وان محمدا قد بخعت (اطاعت) له العرب ، وأعطته طاعتها وملک رجالها واعنتها ، وجرت أحکامه فی أهل الوبر (أهل البدو) منهم والمدر (أهل المدن والقرى) ، ورمقه (نظر إلیه) الملکان العظیمان کسرى وقیصر ، فلا أراکم والروح لو نهد (نهض) لکم ، الا وقد تصدع عنکم من خف معکم من هذه القبائل ، فصرتم جفاء کأمس الذاهب أو کلحم على وضم (کل شئ یجعل علیه اللحم من خشب) .
جهیر بن سراقه یرید الحرب
وکان فیهم رجل یقال له : جهیر بن سراقه البارقى من زنادقه نصارى العرب ، وکان له منزله من ملوک النصرانیه ، وکان مثواه بنجران ، فقال له اباسعاد : قل فی أمرنا وانجدنا برأیک ، فهذا مجلس له ما بعده . فقال : فانی أرى لکم أن تقاربوا محمدا وتطیعوه فی بعض ملتمسه عندکم ، ولینطلق وفودکم الى ملوک اهل ملتکم الى الملک الأکبر بالروم قیصر ، والى ملوک هذه الجلده السوداء الخمسه ، یعنی ملوک السودان ، ملک النوبه وملک الحبشه وملک علوه وملک الرعا (ملک حبشه) وملک الراحات ومریس والقبط ، وکل هؤلاء کانوا نصارى .
قال : وکذلک من ضوى (انضم ولجأ) الى الشام وحل بها من ملوک غسان ولخم وجذام وقضاعه ، وغیرهم ، من ذوی یمنکم فهم لکم عشیره وموالی واعوان وفى الدین اخوان ، یعنى انهم نصارى ، وکذلک نصارى الحیره من العباد وغیرهم ، فقد صَبَت الى دینهم قبائل تغلب بنت وائل وغیرهم من ربیعه بن نزار ، لتسیر وفودکم . ثم لتخرق إلیهم البلاد اغذاذا (سریعا) ، فیستصرخونهم لدینکم فیستنجدکم الروم، وتسیر الیکم الاساوده (جماعه سودان) مسیر اصحاب الفیل ، وتقبل الیکم نصارى العرب من ربیعه الیمن .
فإذا وصلت الامداد وارده ، سرتم انتم فی قبائلکم وسائر من ظاهرکم وبذل نصره وموازرته لکم ، حتى تضاهئون (تشاکلون) من انجدکم واصرخکم ، من الاجناس ، والقبائل الوارده علیکم ، فأُمّوا (إقصدوا) محمداً حتى تنجوا به جمیعا ، فسیعتق الیکم وافدا لکم من صبا (مال) إلیه ، مغلوبا مقهورا ، وینعتق به من کان منهم فی مدرّته (بلده) مکثورا (المغلوب بالکثره) ، فیوشک ان تصطلموا (تستأصلوا) حوزته وتطفؤوا جمرته . ویکون لکم بذلک الوجه والمکان فی الناس ، فلا تتمالک العرب حیئنذ حتى تتهافت دخولا فی دینکم ، ثم لتعظمن بیعتکم هذه ، ولتشرفن ، حتى تصیر کالکعبه المحجوجه (المقصوده من الناس) بتهامه ، هذا الرأى فانتهزوه ، فلا رأى لکم بعده .
کلام حارثه بن أثال ویذکر بشائر
السید المسیح (ع) بالنبی محمد(ص)
فاعجب القوم کلام جهیر بن سراقه ، ووقع منهم کل موقع ، فکاد أن یتفرقوا على العمل به ، وکان فیهم رجل من ربیعه بن نزار من بنى قیس بن ثعلبه ، یدعى حارثه بن اثال على دین المسیح علیه السلام ، فقام حارثه على قدمیه واقبل على جهیر، وقال متمثلا ::
متى ماتقد بالباطل الحق بابه * وان قلت بالحق الرواسى ینقدِ
إذا ما أتیت الأمر من غیر بابه * ضللت وان تقصد الى الباب تهتدِ
ثم استقبل السید والعاقب والقسیسین والرهبان وکافه نصارى نجران بوجهه لم تخلط معهم غیرهم ، فقال (حارثه) : سمعا سمعا یا ابناء الحکمه وبقایا حمله الحجه ، ان السعید والله من نفعته الموعظه ولم یعشُ عن التذکره ، ألا وانى أنذرکم واذکّرکم قول مسیح الله عز وجل – ثم شرح وصیته ونصه على وصیه شمعون بن یوحنا وما یحدث على امته من الافتراق .
ثم ذکر عیسى علیه السلام وقال : ان الله جل جلاله أوحى إلیه : فخذ یابن أمتى کتابی بقوه ثم فسره لأهل سوریا بلسانهم ، واخبرهم انى انا الله لا اله الا انا ، الحى القیوم البدیع الدائم الذی لا أحول ولا أزول ، انى بعثت رسلی، ونزّلت کتبی رحمه ونورا عصمه لخلقی ، ثم انى باعث بذلک نجیب رسالتی ، احمد صفوتی من بریّتى البارقلیطا عبدى، ارسله فی خلو من الزمان ، ابعثه بمولده فاران من مقام أبیه ابراهیم علیه السلام ، انزل علیه توراه حدیثه ، افتح بها أعیناً عمیاً ، واذنا صماً ، وقلوباً غُلفاً (لا تعى شیئا) ، طوبى لمن شهد ایامه، وسمع کلامه ، فآمن به، واتبع النور الذی جاء به ، فإذا ذکرت یا عیسى ذلک النبی فصلِّ علیه فانى وملائکتی نصلى علیه .
السید والعاقب یعترفان بوجود صفه النبی محمد(ص) فی کتبهم
ولکن یحاولون الانکار طمعا فی السلطنه
قال : فما أتى حارثه بن اثال على قوله هذا حتى اظلم بالسید والعاقب مکانهما ، وکَرِها ما قام به فی الناس معربا ومخبرا عن المسیح علیه السلام بما اخبر وقدم من ذکر النبی محمد صلى الله علیه وآله وسلم، لأنهما کانا قد أصابا بمواضعهما من دینهما شرفاً بنجران، ووجهاً عند ملوک النصرانیه جمیعا ، وکذلک عند سوقتهم وعربهم فی البلاد ، فاشفقا ان یکون ذلک سببا لانصراف قومها عن طاعتهما لدینهما، وفسخاً لمنزلتهما فی الناس ..
فأقبل العاقب على حارثه فقال : امسک علیک یاحار(أی: یا حارثه) ، فان راد هذا الکلام علیک اکثر من قابله ، ورب قول یکون بلیه على قائله ، وللقلوب نفرات عند الاصداع (التظلم جهارا) بمظنون الحکمه ، فاتق نفورها ، فلکل نبأ اهل ، ولکل خطب محل ، وانما الدرک (اللحاق والوصول) ما اخذ لک بمواضى النجاه ، وألبسک جنه السلامه ، فلا تعدلن بهما حظا ، فانی لم آلک لا أبا لک نصحا ثم أرِمَ (أی: سکت) .
فأحب السید ان یشرک العاقب فی کلامه ، فأقبل على حارثه فقال : انى لم أزل أتعرف لک فضلا تمیل الیک الالباب ، فایاک ان تقعد مطیه اللجاج ، وان توجف الى السراب ، فمن عذر بذلک فلست فیه ایها المرء بمعذور ، وقد اغفلک أبو واثله ، وهو ولى أمرنا وسید حضرنا عتابا فأوله اعتبارا .
ثم تعلم ان ناجم قریش (أی: الرجل الظاهر منهم، ویعنی رسول الله صلى الله علیه وآله) یکون رزؤه (مصیبته) قلیلا ، ثم ینقطع ویخلو ، ان بعد ذلک قرن یبعث فی آخره النبی المبعوث بالحکمه والبیان والسیف والسلطان ، یملک ملکا مؤجلا ، تطبق فیه امته المشارق والمغارب ، ومن ذریته الأمیر الظاهر یظهر على جمیع الملکات والأدیان ، ویبلغ ملکه ما طلع علیه اللیل والنهار ، وذلک یاحار أمل من ورائه أمد، ومن دونه أجل ، فتمسک من دینک بما تعلم وتمنع لله أبوک من أنس متصرم بالزمان أو لعارض من الحدثان ، فانما نحن لیومن ولغد أهله.
فأجابه حارثه بن اثال فقال : ایهاً علیک ابا قره ، فانه لا حظَّ فی یومه لمن لا درک له فی غده ، واتق الله تجد الله جل وتعالى بحیث لا مفزع الا إلیه ، وعرضت مشیدا بذکر أبی واثله ، فهو العزیز المطاع الرحب الباع ، والیکما معا ملقى الرحال ، فلو أضربت التذکره عن أحد لتبزین (بزز الرجل : فاق على اصحابه) فضل لکنتماه ، لکنها ابکارا لکلام تهدى لأربابها ، ونصیحه کنتما أحق من أصغى بها ، انکما ملیکا ثمرات قلوبنا ، وولیا طاعتنا فی دیننا .
فالکیّس الکیّس یا أیها المعظمان علیکما به ، أریا مقاما بذهکما نواحیه، واهجر سنته التسویف، فیما انتما بعرضه ، آثر الله فیما کان یؤثرکما بالمزید من فضله ، ولا تخلدا فیما اظلکما الى الونیه (التخفیف) ، فانه من اطال عنان الأمر اهلکته الغره ، ومن اقتعد مطیه الحذر کان سبیل أمن من المتألف ، ومن استنصح عقله کانت العبره له لا به ، ومن نصح لله عز وجل آنسه الله جل وتعالى بعز الحیاه وسعاده المنقلب .
ثم أقبل على العاقب معاتباً فقال : وزعمت أبا واثله ان راد ما قلت اکثر من قائله ، وانت لعمرو الله حریٌّ الا یؤثر هذا عنک ، فقد علمت وعلمنا امه الانجیل معا بسیره ما قام به المسیح علیه السلام فی حواریه ، ومن آمن له من قومه ، وهذه منک فهه (سقطه) لا یدحضها (یغسلها) الا التوبه والاقرار بما سبق به الانکار .
فلما أتى على هذا الکلام صرف الى السید وجهه فقال : لا سیف الا ذو نبوه، ولا علیم الا ذو هفوه ، فمن نزع عن وهله واقلع فهو السعید الرشید ، وانما الآفه فی الاصرار ، واعرضت بذکر نبیین یخلقان زعمت بعد ابن البتول ، فأین یذهب بک عما خلد فی الصحف من ذکرى ذلک ، ألم تعلم ما أنبأ به المسیح علیه السلام فی بنى اسرائیل ، وقوله لهم : کیف بکم إذا ذهب بی الى أبی وأبیکم وخلف بعد أعصار یخلو من بعدی وبعدکم صادق وکاذب ؟ قالوا : ومن هما یا مسیح الله ؟ ، قال : نبیٌّ من ذریه اسماعیل علیهما السلام صادق، ومتنبیّ من بنى اسرائیل کاذب ، فالصادق منبعث منهما برحمه وملحمه ، یکون له الملک والسلطان مادامت الدنیا ، واما الکاذب ، فله نبذ یذکر به المسیح الدجال ، یملک فواقاً (یسیرا) ثم یقتله الله بیدى إذا رجع بى. ( یشیر السید المسیح علیه السلام هنا الى نزوله الى الأرض بعد ظهور الامام المهدی(علیه السلام) ، الذی یرسله لقتال الدجال، فیُقتل الدجال على یدیه، وهو ما صرحت به عده من الروایات)
قال حارثه : واحذرکم یا قوم ان یکون من قبلکم من الیهود اسوه لکم ، انهم أُنذِروا بمسیحین : مسیح رحمه وهدى، ومسیح ضلاله ، وجعل لهم على کل واحد منهما آیه وأماره ، فجحدوا مسیح الهدى وکذبوا به، وآمنوا بمسیح الضلاله الدجال واقبلوا على انتظاره ، واضربوا فی الفتنه ورکبوا نتجها (تکسبوا بها) ، ومن قبل نبذوا کتاب الله وراء ظهورهم وقتلوا أنبیاءه والقوامین بالقسط من عباده ، فحجب الله عز وجل عنهم البصیره بعد التبصره بما کسبت أیدیهم ، ونزع ملکتهم منهم ببغیهم ، والزمهم الذله والصَغار ، وجعل منقلبهم الى النار .
ذکر مسیلمه وکذب ادعاءه للنبوه
قال العاقب : فما أشعرک یاحار ان یکون هذا النبی المذکور فی الکتب هو قاطن (مقیم) یثرب ، ولعله ابن عمک صاحب الیمامه ، فانه یذکر من النبوه ما یذکر منها اخو قریش ، وکلاهما من ذریه اسماعیلل
ولجمیعهما اتباع واصحاب ، یشهدون بنبوته ویقرون له برسالته ، فهل تجد بینهما فی ذلک من فاصله فتذکرها ؟
قال حارثه : أجل والله أجدها ، والله أکبر وأبعد مما بین السحاب والتراب ، وهى الاسباب التی بها وبمثلها تثبیت حجه الله فی قلوب المعتبرین من عباده لرسله وانبیائه ، واما صاحب الیمامه فیکفیک فیه ما اخبرکم به سفرائکم وغیرکم والمنتجعه (إذا أتیته تطلب معروفا) منکم ارضه ومن قدم من أهل الیمامه علیکم ، ألم یخبرکم جمیعا عن رواد (الجواسیس) مسیلمه وسمّاعیه ، ومن أوفده صاحبهم(أی: مسیلمه الکذاب) الى احمد بیثرب وبئارنا ثماد (الماء لاماده له) ومیاهنا ملحه ، وکنا من قبله لا نستطیب ولا نستعذب ، فبصق(أی: النبی محمد) فی بعضها ومج (رمى) فی بعض ، فعادت عذابا محلوله وجاش (کثر) منها ماکان ماؤها ثمادا، فحار (إمتلأ) بحرا . قالوا : وتفل محمد فی عیون رجال ذوى رمد وعلى کلوم (جراحات) رجال ذوى جراح ، فبرأت لوقته عیونهم فما اشتکوها، واندملت جراحاتهم فما آلموها فی کثیر مما ادوا ، ونبَّؤوا عن محمد صلى الله علیه وآله من دلاله وآیه ، وأرادوا صاحبهم مسیلمه على بعض ذلک ، فأنعم لهم کارها وأقبل بهم الى بعض بئارهم فمج فیها وکانت الرکى معذوبه ، فصارت ملحا لا یستطاع شرابه ، وبصق فی بئر کان ماؤها وشلا (قلیلا) فعادت فلم تبض بقطره من ماء ، وتفل فی عین رجل کان بها رمد فعمیت ، وعلى جراح – أو قالوا : جراح آخر – فاکتسى جلده برصا . فقالوا لمسیلمه فیما ابصروا فی ذلک منه واستبرؤوه ، فقال : ویحکم بئس الامه انتم لنبیکم والعشیره لابن عمکم !!، انکم کلفتمونی یا هؤلاء من قبل ان یوحى الیَّ فی شیء مما سألتم ، والان فقد اذن لى فی اجسادکم واشعارکم دون بئارکم ومیاهکم ، هذا لمن کان منکم بى مؤمنا ، واما من کان مرتابا فانه لا یزیده تفلتی علیه الا بلاء ، فمن شاء الان منکم فلیأت لأتفل فی عینه وعلى جلده !!، قالوا : ما فینا وابیک احد یشاء ذلک ، انا نخاف ان یشمت بک اهل یثرب، اضربوا عنه حمیه لنسبه فیهم وتذمما لمکانه منهم .
معرفه السید والعاقب بصدق نبوه النبی محمد (ص) ومعاجزه
فضحک السید والعاقب حتى فحصا الأرض بأرجلهما ، وقالا : ما النور والظلام ، والحق والباطل بأشد تبایناً وتفاوتاً مما بین هذین الرجلین صدقاً وکذباً ..
قالوا : وکان العاقب أحبَّ، مع ما تبین من ذلک، ان یشیّد ما فرط من تفریط مسیلمه ویؤهّل منزلته ، لیجعله لرسول الله صلّى الله علیه وآله کفئا ، استظهارا بذلک فی بقاء عزته، وما طار له من السمو فی أهل ملته ، فقال : ولأن فخر اخو بنى حنیفه (مسیلمه) فی زعمه ان الله عز وجل أرسله وقال من ذلک ما لیس له بحق، فلقد برَّ (أحسن) فی ان نقل قومه من عباده الأوثان الى الایمان بالرحمان!! .
قال حارثه : انشدک بالله الذی دحاها، واشرق باسمه قمراها ، هل تجد فیما انزل الله عز وجل فی الکتب السالفه ، یقول الله عز وجل : انا الله لا اله الا أنا ، دیان یوم الدین أنزلت کتبی وأرسلت رسلی، لاستنقذ بهم عبادی من حبائل الشیطان، وجعلتهم فی بریتی وأرضی کالنجوم الدراری فی سمائی ، یهدون بوحیی وامری ، من أطاعهم أطاعنی، ومن عصاهم فقد عصانی ، وانی لعنت وملائکتی فی سمائی وارضی واللاعنون من خلقی من جحد ربوبیتی، أو عدل بى شیئا من بریتی ، أو کذب بأحد من أنبیائی ورسلی – أو قال : أوحیَ الی ولم یوحَ إلیه شیء – أو غمص (احتقر ونقص) سلطانی أو تقمّصه (أی لبس قمیصا بالباطل) متبریاً ، أو أکمله عبادی وأضلهم عنی ، ألا وانّما یعبدنی من عرف ما أرید من عبادتی وطاعتی من خلقی ، فمن لم یقصد الی من السبیل التی نهجتها برسلی لم یزدد فی عبادته منی الا بُعدا .
قال العاقب : رویدک فاشهد لقد نبّأت حقاً .
قال حارثه : فما دون الحق من مقنع، وما بعده لإمریء مفزع ، ولذلک قلت الذی قلت .
فاعترضه السید وکان ذا محال (کید ومکر) وجدال شدید ، فقال : ما أحرى وما أرى أخا قریش (أی: النبی محمد (ص))) مرسلاً الا الى قومه بنى اسماعیل دینه ، وهو مع ذلک یزعم ان الله عز وجل ارسله الى الناس جمیعا !!.
قال حارثه : أفتعلم أنت یا ابا قره ان محمدا مرسل من ربه الى قومه خاصه ؟
قال : أجل . قال : أتشهد له بذلک ؟
قال : ویحک وهل یستطاع دفع الشواهد ، نعم اشهد غیر مرتاب بذلک ، وبذلک شهدت له الصحف الدارسه والأنباء الخالیه .
فأطرق حارثه ضاحکا ینکت الأرض بسبابته ، قال السید : ما یضحک یابن اثال ؟
قال : عجبت فضحکت . قال : أو عجب ما تسمع ؟
قال : نعم العجب أجمع ، ألیس بالله بعجیب من رجلٍ أوتی اثره من علم وحکمه ، یزعم ان الله عز وجل اصطفى لنبوته، واختص برسالته، وأید بروحه وحکمته رجلا خرّاصا یکذب علیه ویقول : أوحی الی ولم یوح إلیه ، فیخلط کالکاهن کذبا بصدق وباطلا بحق !؟.
فارتدع السید وعلم انه قد وهل فأمسک محجوبا.(أی علم أنه إذا کان یعتقد بأن النبی محمد (ص) نبیاً حقاً فکیف ینسب للنبی الکذب ، وإدعاء ما لیس له؟؟!).
العاقب یؤیّد القول بنبوه النبی محمد (ص)
قالوا : وکان حارثه بنجران حثیثا (غریبا) ، فأقبل علیه العاقب وقد قطعه ما فرط الى السید من قوله ،،
فقال له : علیک (أی: أمسک علیک) اخا بنى قیس بن ثعلبه ، واحبس علیک ذلق لسانک، وما لم تزل تستحم لنا من مثابه سفهک ، فرُبَّ کلمهٍ یرفع صاحبها بها رأسا ، قد القته فی قعر مظلمه ، وربَّ کلمهٍ لامت (أصلحت) ورأبت قلوبا نغله (فاسده) ، فدع عنک ما یسبق الى القلوب انکاره ، وان کان عندک ما یبین اعتذاره . ثم اعلم ان لکل شئ صوره ، وصوره الانسان العقل ، وصوره العقل الأدب ، والأدب ادبان : طباعی ومرتاضی ، فأفضلها ادب الله جل جلاله ، ومن ادب الله سبحانه وحکمته أن یرى لسلطانه حق لیس لشئ من خلقه ، لأنه الحبل بین الله وبین عباده ، والسلطان اثنان : سلطان ملکه وقهر ، وسلطان حکمه وشرع ، فاعلاهما فوقا سلطان الحکمه، قد ترى یا هذا ان الله عز وجل قد صنع لنا حتى جعلنا حکّاما وقُوّاما على ملوک ملتنا من بعدهم من حشوتهم واطرافهم ، فاعرف لذى الحق حقه ، ایها المرء وخلاک ذم (أی: اعذرت وسقط عنک الغم).
ثم قال : وذکرت اخا قریش وما جاء به من الایات والنذر ، فأطلتَ وأعرضتَ ولقد برزت ، فنحن بمحمد وبه جداً موقنون ، شهدت لقد انتظمت له الآیات والبینات ، سالفها وآنفها ، ألا انه هی اشفاها واشرفها ، وانما مثلها فیما جاء به کمثل الرأس للجسد ، فما حال جسد لا رأس له ، فأمهل رویدا ، نتجسس الاخبار، ونعتبر الاثار، ولنستشف ما ألفینا مما أُفضی الینا ، فانْ أنسنا الآیه الجامعه لدیه ، فنحن إلیه أسرع، وله اطوع ، وإلا فاعلم ما نذکر به النبوه والسفاره عن الرب الذی لا تفاوت فی أمره ولا تغایر فی حکمه .
قال له حارثه : قد نادیت فاسمعت ، وفزعت فصدعت ، وسمعت أاطعت ، فما هذه الایه التی
أوحش بعد الانسه فقدها ، واعقب الشک بعد البینه عدمها ؟.
وقال له العاقب : قد اثلجک أبو قره بها فذهبت عنها فی غیر مذهب، وجاورتها فاطلت فی غیر ما طائل، وحاورتنا فأطلت فی غیر ما طائل .
قال حارثه : الى ذلک فجَلّها(بیّنها) الان لی، فداک أبی وامی .
العاقب یصف النبی (ص) وأهل بیته والامام المهدی
من الکتب السماویه، ویصف حال المسلمین
وخلفاء الجور وعلائم آخر الزمان
قال العاقب : افلح من سلّم للحق وصدع به، ولم یرغب عنه وقد احاط به علما ، فقد علمنا وعلمت من أنباء الکتب المستودعه علم القرون وما کان وما یکون ، فانها استهلّت بلسان کل امه منهم، معربه مبشره ومنذره بأحمد النبی ، العاقب الذی تطبق امته المشارق والمغارب، یملک وشیعته من بعده ملکا مؤجلا یستأثر مقتبلهم، ملکاً على الأحمِّ (أی: اقربهم) منهم بذلک النبی وتباعه وسیما ، ویوسع من بعدهم امتهم عدوانا وهضما ، فیملکون بذلک سبتاً (دهرا) طویلا حتى لا یبقى بجزیره العرب بیت الا وهو راغب إلیهم أو راهب لهم . ثم یدال بعد لأیٍّ منهم، ویشعث (یتفرق) سلطانهم حداً حداً وبیتاً فبیتاً ، حتى تجیء امثال النعف (الدود الذی فی انوف الابل والغنم) من الاقوام فیهم ، ثم یملک أمرهم علیهم عبداؤهم وقِنَّهم ، یملکون جیلاً فجیلا ، یسیرون فی الناس بالقعسریه (الصلابه) خبطاً خبطا(جماعه) ، ویکون سلطانهم سلطاناً عضوضاً ضروساً ، فتنقص الأرض حینئذ من اطرافها، ویشتد البلاء، وتشتمل الآفات، حتى یکون الموت أعزَّ من الحیاه الحمراء (الشدیده) ، أو احبَّ حینئذ الى احدهم من الحبوه الى المعافاه السلیم ، وما ذلک الا لما یدهنون به من الضر والضراء، والفتنه العشواء، وقوام الدین یومئذ وزعماؤهم یومئذ اناس لیسوا من أهله ، فمج الدین بهم، وتعفو آیاته، ویدبر تولیاً وامحاقا ، فلا یبقى منه الا اسمه حتى ینعاه ناعیه والمؤمن یومئذ غریب، والدیانون قلیل ماهم ، حتى یستأنس الناس من روح الله وفرجه الا اقلهم ، وتظن اقوام ان لن ینصر الله رسله ویحق وعده . فإذا بهم الشصائب (الشدائد) والنقم، واخذ من جمیعهم بالکظم، تلافى الله دینه، وراش (أی: أصلح) عباده من بعدما قنطوا برجل من ذریه نبیهم احمد ونجله[ إشاره الى الامام المهدی علیه السلام] ، یأتی الله عز وجل به من حیث لا یشعرون ، وتصلی علیه السماوات وسکانها، وتفرح به الأرض وما علیها من سوام (وحوش) وطائر وأنعام ، وتخرج له امّکم – یعنى الأرض – برکتها وزینتها، وتلقى إلیه کنوزها وافلاذ کبدها ، حتى تعود کهیئتها على عهد آدم علیه السلام ، وترفع عنهم المسکنه والعاهات فی عهده، والنقمات التی کانت تضرب بها الامم من قبل ، وتلقى فی البلاد الامنه، وتنزع حِمّه کل ذات حمه ، ومخلب کل ذى مخلب ، وناب کل ذى ناب ، حتى ان الجویریه اللکاع لتعب بالافعوان (ذکور الأفاعى) ، فلا یضرها شیئا ، وحتى یکون الاسد فی الباقر (جماعه البقر) کأنه راعیها ، والذئب فی البُهم (أولاد الضأن) کأنه ربها . ویظهر الله عبده على الدین کله، فیملک مقالید الاقالیم الى بیضاء الصین ، حتى لا یکون على عهده فی الأرض أجمعها الا دین الله الحق، ارتضاه لعباده، وبعث به آدم بدیع فطرته، واحمد خاتم رسالته ومن بینهما من أنبیائه ورسله ..
فلما أتى العاقب على اقتصاصه هذا أقبل علیه حارثه مجیبا فقال : اشهد بالله البدیع، یا ایها النبیه الخطیر، والعلیم الأثیر لقد ابتسم الحق بقلبک، واشرق الجنان بعدل منطقک، وتنزلت کتب الله التی جعلها نورا فی بلاده، وشاهده على عباده بما اقتصصت من سطورها حقاً، فلم یخالف طرس (صحیفه) منها طرسا، ولا رسم من آیاتها رسما، فما بعد هذا؟ .
قال العاقب : فانک زعمت اخا قریش فکنت بما تأثر من هذا حق غالط! .
قال : وبمَ ، ألم تعترف له بنبوته ورسالته الشواهد ؟
قال العاقب : بلى لعمرو الله ولکنهما نبیان رسولان یعتقبان بین مسیح الله عز وجل وبین الساعه ، اشتق اسم احدهما من صاحبه محمد واحمد ، بشّر بأولهما موسى علیه السلام، وثانیهما عیسى علیه السلام ، فأخو قریش هذا مُرسل الى قومه ویقفوه من بعده ، ذو الملک الشدید والأکل الطویل ، یبعثه الله عز وجل خاتما للدین، وحجه على الخلائق أجمعین ، ثم تأتى من بعده فتره تتزایل فیها القواعد من مراسیها، فیعیدها الله عز وجل، ویظهره على الدین کله ، فیملک هو والملوک الصالحون من عقبه جمیع ما طلع علیه اللیل والنهار من أرض وجبل وبر وبحر ، یرثون أرض الله عز وجل ملکاً، کما ورثهما أو ملکهما الابوان آدم ونوح علیهما السلام ، یلقون وهم الملوک الأکابر فی مثل هیئه المساکین بذاذه واستکانه . فاولئک الأکرمون الأماثل، لا یُصلح عباد الله وبلاده إلّا بهم ، وعلیهم ینزل عیسى بن البکر علیه السلام على آخرهم ، بعد مکث طویل وملک شدید ، لا خیر فی العیش بعدهم ، وتردفهم رجرجه (الجماعه الکثیره فی الحرب) طغام (أرذال الناس) فی مثل أحلام العصافیر، وعلیهم یقوم الساعه ، وانما تقوم على شرار الناس وأخابثهم ، فذلک الوعد الذی صلى به الله عز وجل على أحدکما، صلى به خلیله ابراهیم علیه السلام فی کثیر مما لأحمد صلى الله علیه من البراهین والتأکید الذی خبرت به کتب الله الاولى .
قال حارثه : فمن الاثر المستقر عندک ابا واثله فی هذین الاسمین انهما لشخصین لنبیین مرسلین فی عصرین مختلفین ؟
قال العاقب : أجل . قال : فهل یتخالجک فی ذلک ریب أو یعرض لک فیه ظن ؟
قال العاقب : کلا والمعبود إنَّ هذا لأجلى من بوح (الشمس) ، واشار له الى جرم الشمس المستدیر.
فاکبَّ حارثه مطرقا وجعل ینکث فی الارض عجبا ، ثم قال : انما الافه ایها الزعیم المطاع ان یکون المال عند من یخزنه لا من ینفقه، والسلاح عند من یتزین به لا من یقاتل به، والرأى عند من یهلکه لا من ینصره .
قال العاقب : لقد اسمعت یا حویرث فاقذعت (رماه بسوء القول)، وطفقت فاقدمت فیه ؟
قال (حارثه): اقسم بالذی قامت به السماوات والارضون باذنه، وغلبت الجبابره بأمره ، انهما اسمان
مشتقان لنفس واحده ، واحدٌ لنبیّ وواحدٌ رسول ، واحدٌ انذر به موسى بن عمران وبشّر به عیسى بن مریم، ومن قبلهما أشار به صحف ابراهیم علیه السلام .
فتضاحک السید ، یُری قومه ومن حضرهم ان ضحکه هزؤ من حارثه وتعجب!.
وانتشط العاقب من ذلک ، فأقبل على حارثه مؤنبا (لائماً) ، فقال : لا یغررک باطل أبى قره فانه وان ضحک لک فانما یضحک منک .
قال حارثه : لئن فعلها لأنها لاحدى الدهارس (الدواهی)، أو سوء، أفلم تتعرفا! راجع الله بکما من موروث الحکمه، لا ینبغى للحکیم ان یکون عبّاسا فی غیر ادب، ولا ضحّاکا فی غیر عجب، أو لم یبلغکما عن سیّدکما المسیح علیه السلام ، قال : فضحک العالم فی غیر حینه، غفله من قلبه، أو سکره ألْهَته عما فی غده .
قال السید : یا حارثه انه لا یعیش- والله- احد بعقله حتى یعیش بظنه (أی: التعیش بالظنون الفاسده اکثر من التعیش بالعقل، وهذا کنایه ان هکذا الکلام صادر من الظن الفاسد، ومراده ان ضحکه لم یکن عبثا)، وإذا أنا لم أعلم الا ما رویتُ فلا علمتُ، أوَ لم یبلغکَ انت عن سیدنا المسیح علینا سلامه: ان لله عبادا ضحکوا جهراً من سعه رحمه ربهم، وبکوا سراً من خیفه ربهم ؟
قال : إذا کان هذا فنعم ، قال : فماهنا فلیکن مراجم ظنونک بعباد ربک ، وعد بنا الى ما نحن بسبیله ، فقد طال التنازع والخصام بیننا یا حارثه .
قالوا : وکان هذا مجلسا ثالثا فی یوم ثالث من اجتماعهم للنظر فی أمرهم .
فقال السید : یا حارثه ألم ینبؤک أبو واثله بأفضح لفظ اخترق اذناً، ودعا ذلک بمثله مخبرا ، فالقاک مع غرمانک بموارده حجرا وهاجماً، أنا ذا آکد علیک التذکره بذلک من معدن ثالث ، فأُشهدک الله وما أنزل الى کلمه من کلماته ، هل تجد فی الزجره المنقوله من لسان اهل سوریا الى لسان العرب یعنى صحیفه شمعون بن حمون الصفا التی توارثها عنه اهل النجران ؟ قال السید : ألم یقل بعد نبذ طویل من کلام: فإذا طبقت وقطعت الارحام، وعفت (علقت) الاعلام، بعث الله عبده الفارقلیطا بالرحمه والمعدله .
قالوا : وما الفارقلیطا یا مسیح الله ؟ قال : احمد النبی، الخاتم الوارث، ذلک الذی یُصلى علیه حیاً، ویُصلى علیه بعدما یقبضه إلیه، بابنه الطاهر الخایر ، ینشره الله فی آخر الزمان بعدما انقضت عرى الدین وخَبتْ مصابیح الناموس ، وأفَلَت نجومه، فلا یلبث ذلک العبد الصالح الا أمما حتى یعود الدین به کما بدء ، ویقر الله عز وجل سلطانه فی عبده، ثم فی الصالحین من عقبه، وینشر منه حتى یبلغ ملکه منقطع التراب .
[ وهنا یشیر الى ظهور الامام المهدی(ع) إذ، کما ورد فی الحدیث النبوی الشریف أنه: " یملأ الأرض قسطا وعدلاً بعدما ملئت ظلما وجوراً"].
قال حارثه : کلما قد انشدتما حق، لا وحشه مع الحق ولا أُنس فی غیره ، فَمَه ؟
قال السید : فان من الحق ان لاحظ فی هذه الا کرامه للأبتر! .
قال حارثه : انه لکذلک، ألیس بمحمد ؟
قال السید : انک ما عملت الا لداً (خصومه شدیده) ألم یخبرنا سِفْرنا، وأصحابنا فیما تجسّسنا من خبره، ان ولدیه الذکرین القرشیه والقبطیه بادا (ماتا) وغودر (تُرِک) محمد کقرن الاغصب (أی کالغنم مکسور القرن) موفٍ على ضریحه (أی: مشرف على الموت) ، فلو کان له بقیه، کان لک بذلک مقالا إذا ولت أنباؤه الذی تذکر.
حارثه یبین أن النبی محمد (ص) مبعوث للناس کافه
وأنه لیس أبتراً وله ذرّیه
قال حارثه : العِبّر لعمرو الله کثیره، والاعتبار بها قلیل ، والدلیل موفٍ على سنن السبیل ان لم یعش عنه ناظر، وکما أن اللأبصار الرمده لا تستطیع النظر فی قرص الشمس لسقمها ، فکذلک البصائر القصیره لا تتعلق بنور الحکمه لعجزها . ألا ومن کان کذلک فلستماه – واشار الى السید والعاقب – ، انکما- ویمین الله- لمحجوجان بما أتاکما الله عزوجل من میراث الحکمه، واستودعکما من بقایا الحُجّه ، ثم بما أوجبب
لکما من الشرف والمنزله فی الناس ، فقد جعل الله عز وجل من أتاه سلطاناً ملوکاً للناس وارباباً، وجعلکما حکاماً وقواماً على ملوک ملتنا، وذادهً (مِنعهً) لهم یفزعون الیکما فی دینهم، ولا تفزعان إلیهم، وتأمرانهم فیأتمرون لکما، وحق لکل مَلِکٍ أو موطأ الاکناف ان یتواضع لله عز وجل إذ رفعه ، وان ینصح لله عز وجل فی عباده، ولا یُدهِن فی أمره ، وذکرتما محمداً بما حکمت له بالشهادات الصادقه، وبیّنه فیه الاسفار المستحفظه ، ورأیتماه مع ذلک مرسلا الى قومه لا إلى الناس جمیعا!!؟ وان لیس بالخاتم الحاشر (الحاشر من اسماء النبی صلى الله علیه وآله لانه یحشر الناس ممن على دینه خلفه)، ولا الوارث العاقب، ألأنکما زعمتماه أبترأ لیس کذلک ؟ قالا : نعم .
قال : أرأیتکما لو کان به بقیهٌ وعقب، هل کنتما تمتریان لما تجدان، وبما تذکران من الوراثه والظهور على النوامیس انه النبی الخاتم والمرسل الى کافه البشر ؟
قالا : لا !.
قال : أفلیس هذا القیل لهذه الحال، مع طول اللوائم والخصائم عندکما مستقرا ؟
قالا : أجل . قال : الله أکبر .
قالا : کبرت کبیرا فما دعاک الى ذلک ؟
قال حارثه : الحق أبلج والباطل لجلج ، وَلَنَقلُ ماء البحر، ولَشَقُّ الضحر، أهون من اماته ما أحیاه الله عزوجل، واحیاء ما أماته الان ، فاعلما أن محمدا غیر أبتر، وانه الخاتم الوارث، والعاقب الحاشر حقاً ، فلا نبیَّ بعده، وعلى امته تقوم الساعه ، ویرث الله الأرض ومن علیها، وان من ذریته الأمیر الصالح الذی بیّنتما ونبأتما انه یملک مشارق الأرض ومغاربها، ویظهره الله عز وجل بالحنیفیه الابراهیمیه على النوامیس کلها[ یعنی: الامام المهدی علیه السلام].
قالا : أولى لک یا حارثه لقد أغفلناک (أعیانا أمرک)، وتأبى الا مراوغهً کالثعالبه، فما تسأم المنازعه، ولا تمل من المراجعه ، ولقد زعمت مع ذلک عظیماً فما برهانک به ؟.
قال : أما وجدِّکما، لَأُنبّئکما ببرهان یجیر من الشبهه، ویشفى به جوى الصدور .
ثم أقبل على أبى حارثه حصین بن علقمه شیخهم وأسقفهم الأول ، فقال : ان رأیت أیها الاب الاثیر ان تؤنس قلوبنا وتثلج صدورنا، باحضار الجامعه والزاجره .
قالوا : وکان هذا المجلس الرابع من الیوم وذلک لما خلقت (ارتفعت) الأرض ورکدت الشمس، وفى زمن قیظ (الصیف الحار) شدید ، فاقبلا على حارثه ، فقالا : أُرجُ هذا الى غد فقد بلغت القلوب منا الصدور. فتفرقوا على احضار الزاجره والجامعه من غد للنظر فیهما والعمل بما یتراءان منهما.
فلما کان من الغد؛ صار أهل نجران الى بِیعتهم لاعتبار ما أجمع صاحباهم مع حارثه على اقتباسه وتبینه من الجامعه ، ولما رأى السید والعاقب اجتماع الناس لذلک قُطِعَ بهما (عَجَزا)، لعلمها بصواب قول حارثه، واعترضاه لیصدّانه عن تصفح الصحف على أعین الناس، وکانا من شیاطین الانس .
فقال السید : انک قد أکثرت وأمللت، قض الحدیث لنا مع قَصّه(قطعه)، وَدَعْنا من تبیانه .
فقال حارثه : وهل هذا الا منک وصاحبک ، فمن الآن فقولا ما شئتما .
فقال العاقب : مامن مقال إلا قلنا، وسنعود فنخبر بعض ذلک تخبیراً غیر کاتمین لله عز وجل من حجه، ولا جاحدین له آیه، ولا مفترین مع ذلک على الله عزوجل لعبد انه مرسل منه، ولیس برسوله ، فنحن نعترف یا هذا بمحمد صلى الله علیه وآله انه رسول من الله عزوجل الى قومه من بنى اسماعیل علیهم السلام فی غیر ان تجب له بذلک على غیرهم من عرب الناس ولا اعاجمهم تباعه ولا طاعه بخروج له عن مله ولا دخول معه فی مله، الا الاقرار له بالنبوه والرساله الى اعیان قومه ودینه !!.[ بالرغم من أنهما یشهدان بنبوه النبی محمد (ص)، ولکنهما یصرّان على إدّعائهما أنه مبعوث الى قومه خاصه، ولیس للعالم أجمع، بدون دلیل لدیهم، مع مخالفهٍ صریحهٍ لقول النبی (ص) انه مبعوث للناس کافّه، أَوَلیس ذلک تکذیب للأنبیاء؟؟!]
قال حارثه : وبِمَ شهدتما له بالنبوه والأمر ؟
قالا : حیث جائتنا فیه البیّنه من تباشیر الأناجیل والکتب الخالیه .
فقال : منذ وجب هذا لمحمد صلى الله علیه وآله علیکما فی طویل الکلام وقصیره، وبدئه وعوده ، فمن أین زعمتها انه لیس بالوارث الحاشر، ولا المرسل الى کافه البشر ؟
قالا : لقد علمت وعلمنا فما نرى بان حجه الله عزوجل لم ینته أمرها، وأنها کلمه لله جاریه فی الاعقاب ما اعتقب اللیل والنهار، وما بقى من الناس شخصان، وقد ظننا من قبل ان محمدا صلى الله علیه وآله ربها، وانه القائد بزمامها ، فلما اعقمه وجل الباقیه ونبیه الخاتم، بشهاده کتب الله عزوجل المنزله لیس بأبتر ، فإذا هو نبیّ یأتی ویخلد بعد محمد صلى الله علیه وآله، اشتق اسمه من اسم محمد وهو احمد، الذی نبّأ المسیح علیه السلام باسمه وبنبوته ورسالته الخاتمه، ویملک ابنه[الامام المهدی(ع)] القاهره الجامعه للناس جمیعاً، على ناموس الله عزَّ وجلَّ الأعظم، لیس بمظهره دینه ولکنه من ذریته وعقبه، یملک قرى الأرض وما بینهما من لوب (الحره من الأرض ذات أجمر سود) وسهل وصخر وبحر، ملکا مورثا موطئا (مهیّئاً) وهذا نبأ احاطت سفره الاناجیل به علما، وقد أوسعناک بهذا القیل سمعا، وعدنا لک به آنفه بعد سالفه فما إربَک (حاجتک) الى تکراره ؟!
قال حارثه : قد اعلم انا وایاکما فی رجع من القول منذ ثلاث، وما ذاک الا لیذکر ناس، ویرجع فارِط (مقصّر)، وتظهر لنا الکلم، وذکرتما نبیین یبعثان، یعتقبان بین مسیح الله عز وجل والساعه، قلتما وکلاهما من بنى اسماعیل ، أولهم محمد بیثرب، وثانیهما احمد العاقب ، واما محمد صلى الله علیه وآله اخو قریش هذا القاطن بیثرب فآیاته حق، مؤمن أجل، وهو – والمعبود- احمد الذی نبأت به کتب الله عز وجل، ودلت علیه آیاته، وهو حجه الله عزوجل ورسوله صلى الله علیه وآله الخاتم الوارث حقاً، ولا نبوه ولا رسول لله عزوجل ولا حجه بین ابن البتول والساعه غیره ، بلى وما کان منه من ابنته البتوله البهلوله (السیده الجامعه لکل خیر) الصِدّیقه فآمنتما ببلاغ الله، لکنکما من نبوه محمد صلى الله علیه وآله فی أمر مستقر ، ولولا انقطاع نسله لما ارتبتما فیما زعمتما به انه السابق العاقب ؟ قالا : أجل ان ذلک لمن أکبر اماراته عندنا .
قال : فأتنما والله فیما تزعمان من نبیّ ثان من بعده فی أمر ملتبس، والجامعه یحکم فی ذلک بیننا ، فتنادى الناس من کل ناحیه وقالوا : الجامعه یا ابا حارثه الجامعه ، وذلک لِما مسّهم فی طول تحاور الثلاثه من السأمه والملل ، وظن القوم مع ذلک ان الفلج (ظهور الحجه) لصاحبیهما، لِما کانا یدّعیان فی تلک المجالس من ذلک ، فأقبل أبو حارثه الى عِلج (رجل من کفار العجم) واقف منه فقال : امض یا غلام فأتِ بهما ، فجاء بالجامعه یحملها على رأسه وهو لا یکاد یتماسک بها لثقلها .
الجامعه فیها ذکر وأوصاف النبی محمد (ص)
قال : فحدثنی رجل صدق من النجرانیه ممن کان یلزم السید والعاقب، ویخف لهما فی بعض امورهما، ویطّلع على کثیر من شأنهما ، قال : لما حضرت الجامعه بلغ ذلک من السید والعاقب کل مبلغ، لعلمهما بما یهجمان علیه فی تصفحهما من دلائل رسول الله صلى الله علیه وآله وصفته، وذکر أهل بیته وازواجه وذریته، وما یحدث فی امته واصحابه من بوائق الأمور من بعده الى فناء الدنیا وانقطاعها . فأقبل أحدهما على صاحبه فقال : هذا یوم ما بورک لنا فی طلوع شمسه ، لقد شهدته اجسامنا، وغابت عنه آراؤنا بحضور طغاتنا وسفلتنا!!، ولقلَّ ما شهد سفهاء قوم مجمعه الا کانت لهم الغلبه!. قال الاخر : فهم شر غالب لمن ان احدهم لیفیق بأدنى کلمه، ویفسد فی بعض ساعه مالا یستطیع الاسى الحلیم له رتقا، ولا الخولی (الراعى الحسن القیام على المال) النفیس اصلاحا له فی حول محرم له ذلک ، لان السفیه هادم، والحلیم بانٍ، وشتان بین البناء والهدم ..
قال : فانتهز حارثه الفرصه فارسل فی خُفیه وسر الى النفر من اصحاب رسول الله صلى الله علیه وآله فاستحضرهم استظهاراً بمشهدهم ، فحضروا، فلم یستطع الرجلان فض ذلک المجلس ولا إرجاؤه ، وذلک لما بینّا من تطلع عامتها من نصارى نجران الى معرفه ما تضمنت الجامعه من صفه رسول الله صلى الله علیه وآله ، وانبعاث له مع حضور رسل رسول الله صلى الله علیه وآله لذلک، وتألیب حارثه علیهما فیه، وصفو (میل) أبى حارثه شیخهم إلیه .
قال : قال لى ذلک الرجل النجرانى ، فکان الرأى عندهما ان ینقادا لما یدهمهما من هذا الخطب، ولا یُظهران
شماسا (منعاً) منه ولا نفورا ، حذار ان یطرقا الظنه فیه الیهما، وأن یکونا ایضا أول معتبرٍ للجامعه، ومستحثٍّ لهما، لئلا یفتات (یهدم) فی شئ من ذک المقام والمنزله علیهما، ثم یستبین أن الصواب فی الحال، ویستنجدانه لیأخذان بموجبه، فتقدما لما تقدم فی أنفسهما من ذلک الى الجامعه، وهى بین یدى أبى حارثه ، وحاذاهما حارثه بن اثال وتطاولت الیهما فیه الاعناق ، وحفت رسل رسول الله صلى الله علیه وآله بهم ، فأمر أبو حارثه بالجامعه فَفُتح طرفها، واستخرج منها صحیفه آدم الکبرى المستودعه علم ملکوت الله عز وجل جلاله، وما ذرء وما برء فی ارضه وسمائه، وما وصلهما جل جلاله من ذکر عالمیه ، وهى الصحیفه التی ورثها شیث من أبیه آدم علیه السلام، عما دعا من الذکر المحفوظ . فقرء القوم السید والعاقب وحارثه فی الصحیفه تصلباٍ لما تنازعوا فیه من نعت رسول الله صلى الله علیه وآله وصفته، ومن حضرهم یومئذ من الناس إلیهم، مضجون مرتقبون لما یستدرک من ذکرى ذلک ، فألفوا فی المسباح الثانی من فواصلهما : بسم الله الرحمن الرحیم انا الله لا اله الا أنا الحی القیوم ، معقب الدهور، وفاصل الامور ، سبقت بمشیتی الاسباب، وذللت بقدرتی الصعاب ، فانا العزیز الحکیم الرحمان الرحیم ، ارحم ترحم ، سبقت رحمتى غضبی، وعفوی عقوبتی ، خلقت عبادی لعبادتی، وألزمتهم حجتی ، الا انی باعث فیهم رسلی، ومنزل علیهم کتبی ، ابرم ذلک من لدن اول مذکور من بشر الى احمد نبیی وخاتم رسلی ، ذاک الذی اجعل علیه صلواتی، واسلک فی قلبه برکاتی، وبه أکمل انبیائی ونذری .
قال آدم علیه السلام : إلهی مَن هؤلاء الرسل، ومن احمد هذا الذی رَفعتَ وشرّفت ؟
قال : کلٌّ من ذریتک، واحمد عاقبهم . قال : ربِّ بِما أنتَ باعثهم ومرسلهم ؟
قال : بتوحیدی ، ثم أُقفّی ذلک بثلثمائه وثلاثین شریعه ، أنظمها وأکملها لأحمد جمیعا، فاذنت لمن جاءنی بشریعهٍ منها مع الایمان بى وبرسلی، أن أُدخِله الجنه .
ثم ذکر ما جملته : ان الله تعالى عرض على آدم علیه السلام معرفه الانبیاء علیهم السلام وذریتهم ونظرهم آدم . ثم قال ماهذا لفظه : ثم نظر آدم علیه السلام الى نور قد لمع فسدَّ الجو المنخرق ، فأخذ بالمطالع من المشارق، ثم سرى کذلک حتى طبق المغارب، ثم سمى حتى بلغ ملکوت السماء ، فنظر فإذا هو نور محمد رسول الله صلى الله علیه وآله، وإذا الاکناف به قد تضوعت طیبا (انتشرت رائحته) وإذا انوارٌ اربعه قد اکتنفته عن یمینه وشماله ومن خلفه وأمامه، اشبه شیءٍ به أرِجاً (طیبا) ونوراً، ویتلوها انوار من بعدها تستمدُّ منها ، وإذا هی شبیه بها فی ضیائها وعِظَمِها ونشرها ، ثم دنت منها فتکللت (احاطت) علیها، وحفّت بها، ونظر ، فإذا انوار من بعد ذلک فی مثل عدد الکواکب، ودون منازل الاوائل جداً جداً ، وبعض هذه أضوء من بعض، وهى فی ذلک متفاوتون جداً ، ثم طلع علیه سواد کاللیل، وکالسیل ینسلون من کل وجهه وارب ، فأقبلوا کذلک حتى ملؤوا القاع (المستوی من الأرض) والأُکُم (التلال)، فإذا هم أقبح شئ صوراً وهیئه، وانتنه ریحاً . فبهر آدم علیه السلام ما رأى من ذلک وقال : یا عالم الغیوب، وغافر الذنوب، ویاذا القدره القاهره، والمشیّه الغالبه، مَن هذا الخلق السعید الذی کرّمت ورفعتَ على العالمین، ومَن هذه الأنوار المنیفه المکتنفه له ؟
فأوحى الله عزو جل إلیه : یا آدم هذا وهؤلاء وسیلتک ووسیله من أسعدتُ من خلقی ، هؤلاء السابقون المقربون، والشافعون المُشَفَّعون ، وهذا أحمد سیّدهم وسیّد بریّتى ، إخترته بعلمی، واشتققت اسمه من اسمى ، فانا المحمود وهو محمد ، وهذا صنوه (اخوه) ووصیه ، آزرته به، وجعلت برکاتی وتطهیری فی عقبه ، وهذه سیده إمائى، والبقیه فی علمی من أحمد نبیی ، وهذان السبطان والخلفان لهم ، وهذه الأعیان المضارع نورها انوارهم بقیه منهم ، ألا أن کُلّا اصطفیتُ وطهّرتُ، وعلى کلٍّ بارکتُ وترحمّتُ ، فکلاً بعلمی جعلت قدوه عبادی، ونور بلادی . ونظر فإذا شبح فی آخرهم یزهر فی ذلک الصفیح (السماء ووجه کل شئ عریض) کما یزهر کوکب الصبح لأهل الدنیا ، فقال الله تبارک وتعالى : وبعبدی هذا السعید أَفُـکُّ عن عبادی الاغلال، وأضَع عنهم الآصار (الذنوب)، أرضی به حنانا ورأفه وعدلا، کما مُلأت من قبله قسوه وقشعریه وجورا .
قال آدم علیه السلام : ربِّ ان الکریمَ مَن کرّمت، وان الشریفَ مَن شرّفت ، وحق یا الهی لمن رفعتَ وأعلیتَ ان یکون کذلک ، فیا ذا النعم التی لا تنقطع، والاحسان الذی لا یجازى ولا ینفد ، بِمَ بلغ عبادک هؤلاء العالون هذه المنزله من شرف عطائک، وعظیم فضلک وحبائک ، وکذلک مَنْ کرّمت من عبادک المرسلین ؟
قال الله تبارک وتعالى : انى أنا الله لا اله الا أنا الرحمان الرحیم العزیز الحکیم، عالم الغیوب ومضمرات القلوب ، أعلم ما لم یکن مما یکون کیف یکون ، وما لا یکون کیف لو کان یکون ، وانى اطلعت یا عبدی فی علمی على قلوب عبادی، فلم أر فیهم اطوع لی، ولا انصح لخلقی من أنبیائی ورسلی ، فجعلت لذلک فیهم روحی وکلمتی، وألزمتهم حجتی، واصطفیتهم على البرایا برسالتی وولیی ، ثم ألقیتُ بمکانتهم تلک فی منازلهم حوامهم (أقربائهم)، وأوصیائهم من بعدی، ودائع حجتی، والساده فی بریتی ، لأجبر بهم کسر عبادی، واقیم بهم أودَهم ذلک ، إنّی بهم وبقلوبهم لطیف خبیر ، ثم اطّلعت على قلوب المصطفین من رسلی ، فلم اجد فیهم أطوع ولا أنصح لخلقی من محمد خیرتی وخالصتی ، فاخترته على علم، ورفعت ذکره الى ذکری ، ثم وجدت قلوب حامّته (قرابته) اللاتی من بعده على صبغه قلبه، فألحقتهم به، وجعلتهم ورثه کتابی ووحیی، وأوکار حکمتی ونوری ، وآلیت (حلفت) بی ألّا اعذب بناری من لقینی معتصما بتوحیدی، وجعل مودتهم ابداً .
ثم امرهم أبو حارثه ان یصیروا الى صحیفه شیث الکبرى التی انتهى میراثها الى ادریس النبی علیه السلام ، قال : وکان کتابتها بالقلم السریانی القدیم ، وهو الذی کَتب به من بعد نوح علیه السلام من ملوک الهاطله (جنس من الترک والهند کانت لهم شوکه) وهم النمادره ، قال : فاقتص القوم الصحیفه وأفضوا منها الى هذا الرسم .
قال : اجتمع الى ادریس علیه السلام قومه وصحابته ، وهو یومئذ فی بیت عبادته من أرض کوفان ، فخبّرهم فیما اقتص علیهم ، قال : إن بنى أبیکم آدم علیه السلام الصلبیه، وبنى بنیه، اختصموا فیما بینهم وقالوا : أی الخلق عندکم اکرم على الله عزوجل، وارفع لدیه مکانه، واقرب منه منزله ؟
فقال بعضهم : أبوکم آدم علیه السلام، خلقه الله عز وجل بیده، واسجد له ملائکته، وجعله الخلیفه فی ارضه، وسخّر له جمیع خلقه .
وقال آخرون : بل الملائکه الذین لم یعصوا الله عز وجل .
وقال بعضهم : لا، بل أمین الله جبرئیل علیه السلام .
فانطلقوا الى آدم علیه السلام فذکروا الذی قالوا واختلفوا فیه ، فقال : <=”" b=”">
قال آدم : ثم لم أر فی السماء موضع ادیم – أو قال : صفیح – منها ، إلا وفیه مکتوب : لا اله الا الله ، وما من موضع مکتوب فیه : لا اله الا الله، وفیه مکتوب خلقاً لا خطاً : محمد رسول الله ، وما من موضع فیه مکتوب : محمد رسول الله ، الا ومکتوب : فلان خیره الله، فلان صفوه الله، فلان امین الله عزوجل ، فذکر عده اسماء تنتظم حساب المعدود .[ لا شک أنها أسماء أمیر المؤمنین والحسن والحسین والأئمه الطاهرین علیهم جمیعا السلام، لذلک حذفها المؤرخون]
قال آدم علیه السلامم : فمحمد صلى الله علیه وآله یا بنیَّ، ومن خط من تلک الأسماء معه، أکرم الخلائق على الله تعالى جمیعا .
ثم ذکر ان ابا حارثه سأل السید والعاقب ان یقفا على صلوات ابراهیم علیه السلام الذی جاء بها الاملاک من عند الله عزوجل، فقنعوا بما وقفوا علیه فی الجامعه ، قال أبو حارثه : لا بل شارفوها (إطّلعوا علیها) بأجمعها واسبروها (امتحنوها) ، فانه أصرم (أقطع) للمعذور، وارفع لحکّه(خلجان الشبهه فیها) الصدور ، وأجدر ألّا ترتابوا فی الأمر من بعد ، فلم یجد من المصیر الى قوله من بُدٍّ ، فعمد القوم الى تابوت ابراهیم علیه السلام قال : وکان الله عزوجل بفضله على من یشاء من خلقه ، قد اصطفى ابراهیم علیه بخِلّته، وشرّفه بصلواته وبرکاته، وجعله قبله واماما لمن یأتی من بعده، وجعل النبوه والامامه والکتاب فی ذریته، یتلقاها آخر عن اول، وورّثّه تابوت آدم علیه السلام، المتضمن للحکمه والعلم الذی فضله الله عز وجل به على الملائکه طُرا . فنظر ابراهیم علیه السلام فی ذلک التابوت، فأبصر فیه بیوتا بعدد ذوى العزم من الانبیاء المرسلین ، وأوصیائهم من بعدهم، ونظرهم ، فإذا شکل عظیم یتلألأ نورا فیه : هذا صنوه ووصیّه المؤید بالنصر .
فقال ابراهیم علیه السلام : إلهی وسیدی من هذا الخلق الشریف ؟
فأوحى الله عزو جل : هذا عبدی وصفوتی، الفاتحُ الخاتِم، وهذا الوارث .
قال : رب ما الفاتح الخاتم ؟
قال : هذا محمد خیرتی، وبکر فطرتی (اول خلقی)، وحجتی الکبرى فی بریتی، ، نبئته واجتبیته إذا آدم بین الطین والجسد ، ثم إنی باعثه عند انقطاع الزمان لتکمله دینى، وخاتمٌ به رسالاتی ونُذُرى ، وهذا علیٌّ اخوه، وصدّیقه الأکبر ، آخیت بینهما، واخترتهما، وصلیت وبارکت علیهما، وطهّرتهما، واخلصتهما والابرار منهما وذریتهما، قبل ان اخلق سمائی وارضی وما فیهما من خلقی ، وذلک لعلمی بهم وبقلوبهم، إنی بعبادی علیهم خبیر .
قال : ونظر ابراهیم علیه السلام فإذا اثنى عشر، تکاد تلألأ اشکالهم بحسنها نورا ، فسأل ربه عز وجل وتعالى فقال : رب نبئنى بأسماء هذه الصور المقرونه بصوره محمد ووصیه، وذلک لما رأى من رفیع درجاتهم، والتحاقهم بشکلی محمد ووصیه علیهم السلام .
فأوحى الله عزوجل إلیه : هذه أمَتی، والبقیه من نبیّی، فاطمه الصدیقه الزهراء، وجعلتها مع خلیلها عصبه لذریه نبیّی ، هؤلاء وهذان الحسنان، وهذا فلان وهذا فلان، وهذا کلمتی التی انشر به رحمتی فی بلادی، وبه انتاش دینی وعبادی، ذلک بعد ایاس منهم وقنوط منهم من غیاثی ، فإذا ذکرتَ محمدا نبیّی لصلواتک ن فصل علیهم معه یا ابراهیم .
قال : فعندها صلى علیهم ابراهیم علیه السلام فقال : رب صل على محمد وآل محمد کما اجتبیتهم واخلصتهم إخلاصا .
فأوحى الله عز وجل: لتهنک کرامتی، وفضلی علیک، فانی صائر بسلاله محمد صلى الله علیه وآله، ومن اصطفیت معه منهم الى قناه (فقرات الظهر<=”" b=”">
قال : فلما سمع اصحاب رسول الله صلى الله علیه وآله ما افضى إلیه القوم من تلاوه ما تضمنت الجامعه والصحف الدارسه من نعت رسول الله صلى الله علیه وآله، وصفه أهل بیته المذکورین معه بما هم به منه، وبما شاهدوا من مکانتهم عنده، ازداد القوم بذلک یقینا وایمانا واستطاروا (طاروا) له فرحا .
ذکر النبی (ص) والزهراء والحسن والحسین
والأئمه الإثنی عشر (علیهم جمیعاً السلام)
قال : ثم صار القوم الى ما نزل على موسى علیه السلام فالفوا فی السفرر الثانی من التوراه: إنی باعثٌ فی الامیین من ولد اسماعیل رسولا، أُنزل علیه کتابی، وأبعثه بالشریعه القیمه الى جمیع خلقی ، اوتیته حکمتی، وأیدته بملائکتی وجنودی، یکون ذریته من ابنه له مبارکه بارکتها، ثم من شبلین لهما کاسماعیل واسحاق ، أصلین لشعبتین عظیمتین أکثرهم جدا جدا ، یکون منهم اثنى عشر، فیما اکمل بمحمد صلى الله علیه وآله، وبما ارسله به من بلاغ وحکمه، دینى، واختم به انبیائی ورسلی، فعلى محمد صلى الله علیه وآله وأمته تقوم الساعه .
فقال حارثه : الآن اسفر الصبح لذى عینین، ووضح الحق لمن رضی به دینا ، فهل فی انفسکما من مرض تستشفیان به؟. فلم یرجعا إلیه قولاً .
فقال أبو حارثه : اعتبروا الاماره الخاتمه من قول سیدکم المسیح علیه السلام، فصار الى الکتب والاناجیل التی جاء بها عیسى علیه السلام ، فألفوا فی المفتاح الرابع من الوحی الى المسیح علیه السلام : یا عیسى بن الطاهره البتول، إسمع قولى، وجد فی أمرى ، إنى خلقتک من غیر فحل، وجعلتک آیه للعالمین ، فإیای فاعبد، وعلیَّ فتوکل ، وخذ الکتاب بقوه، ثم فسِّره لأهل سوریا، وأخبره انى أنا الله لا اله الا أنا الحى القیوم، الذی لا أحول ولا أزول ، فآمنوا بى وبرسولی النبی الامی الذی یکون فی آخر الزمان، نبی الرحمه والمرحمه، الاول والآخر .
قال : اول النبیین خلقا وآخرهم مبعثا ، ذلک العاقب الحاشر، فبشر به بنى اسرائیل .
قال عیسى علیه السلام : یا مالک الدهور، وعلام الغیوب، من هذا العبد الصالح الذی قد أحبّه قلبى، ولم
تره عینى .
قال : ذلک خالصتی ورسولی، المجاهد بیده فی سبیلى، یوافق قولُه فعلَه، وسریرتُه علانیتَه، أُنزل علیه توراه حدیثه ، افتح بها أعینا عمیاً، وآذانا صماً، وقلوبا غُلفاً ، فیها ینابیع العلم، وفهم الحکمه، وربیع القلوب، وطوباه طوبى امته .
قال : رب ما اسمه وعلامته، وما ملک امته ، وهل له من بقیه – یعنى ذریه- ؟
قال : سأنبئک بما سألت ، اسمه احمد صلى الله علیه وآله، منتخب من ذریه ابراهیم، ومصطفى من سلاله اسماعیل علیه السلام ، ذو الوجه الاقمر، والجبین الأزهر، راکب الجمل ، تنام عیناه ولا ینام قلبه ، یبعثه الله فی أُمّه أُمّیّه ما بقى اللیل والنهار، مولده فی بلد أبیه اسماعیل – یعنى مکه -، کثیر الازواج، قلیل الاولاد، نسله من مبارکهٍ صِدّیقه ، یکون له منها إبنه ، لها فرخان سیدان یُستشهدان ، اجعل نسل احمد منهما ، فطوباهما ولمن احبهما وشهد أیامهما فنصرهما .
قال عیسى علیه السلام : إلهی وما طوبى ؟
قال : شجره فی الجنه، ساقها واغصانها من ذهب، وورقها حلل، وحملها کثدی الابکار ، أحلى من العسل، وألین من الزبد، وماؤها من تسنیم، لو ان غرابا طار وهو فرخ لأدرکه الهرم من قبل أن یقطعها ، ولیس منزل من منازل أهل الجنه إلا وظلاله فنن (ظِل الاغصان) من تلک الشجره .
قال : فلما أتى القوم على دراسه ما أوحى الله عز وجل الى المسیح علیه السلام من نعت محمد رسول الله صلى الله علیه وآله، وصفته، ومُلک امته، وذکر ذریته وأهل بیته ، أمسک الرجلان مخصومَیْن، وانقطع التحاور بینهم فی ذلک .
قال : فلما فلج حارثه على السید والعاقب بالجامعه، وما تبیّنوه فی الصحف القدیمه، ولم یتم لهما ما قدروا من تحریفها، ولم یمکنهما ان یلتبسا على الناس فی تأویلهما، أمسکا عن المنازعه من هذا الوجه، وعَلِما
أنهما قد أخطئا سبیل الصواب، فصارا الى معبدهم آسفین (حزینین) لینظرا ویرتئیا ، وفزع الیهما نصارى نجران ، فسألوهما عن رأیهما وما یعملان فی دینهما . فقالا ما معناه: تمسکوا بدینکم حتى یکشف دین محمد، وسنسیر الى نبی قریش، الى یثرب، وننظر الى ما جاء به، والى ما یدعو إلیه .
سفر السید والعاقب ووفدهما الى المدینه المنوره
قال : فلما تجهز السید والعاقب للمسیر الى رسول الله بالمدینه انتدب معهما اربعه عشر راکبا من نصارى نجران، هم من اکابرهم فضلا وعلما فی انفسهم، وسبعون رجلا من اشراف بنى الحارث بن کعب وسادتهم ، قال : وکان قیس بن الحصین ذو الغصه، ویزید بن عبدالمدان ببلاد حضرموت، فقدما نجران على بقیه مسیر قومهم، فشخصا معهم ، فاغترز (رکب) القوم فی ظهور مطایاهم، وجنبوا خیلهم واقبلوا لوجوههمم
حتى وردوا المدینه ، قال : ولما استرات (استبطأ) رسول الله صلى الله علیه وآله خبر اصحابه انفذ إلیهم خالد بن الولید فی خیل سرجها معه لمشارفه امرهم ، فألفوهم وهم عامدون الى رسول الله صلى الله علیه وآله .
قال : ولما دنوا من المدینه، أحب السید والعاقب أن یباهیا المسلمین واهل المدینه بأصحابهما، وبمن حف من بنی الحارث معهما، فاعترضاهم ، فقالا : لو کففتم صدور رکابکم، ومسستم الارض فالقیتم عنکم تفثکم(الشعث والکثافات)، وثیاب سفرکم ، وشننتم (صببتم) علیکم من باقی میاهکم، کان ذلک أمثل .[ أی: لو غسلتم وجوهکم، واستبدلتم ثیاب السفر بثیابکم الفاخره لکان أفضل]
فانحدر القوم عن الرکاب، فأماطوا (أبعدوا) من شعثهم، وألقوا عنهم ثیاب بذلتهم (مالا یصان من الثیاب مثل ثیاب السفر)، ولبسوا ثیاب صونهم من الاتحمیات (نوع من البرد) والحریر ، وذرّوا (نثروا) المسک فی لممهم (وهو الشعر یجاوز شحمه الاذن) ومفارقهم ، ثم رکبوا الخیل واعترضوا بالرماح على مناسج خیلهم واقبلوا یسیرون رزدقا (الصف من الناس) واحداً، وکانوا من أجمل العرب صِوَراً، واتمهم اجساماً وخلقاً . فلما تشرفهم الناس اقبلوا نحوهم فقالوا : ما رأینا وفداً أجمل من هؤلاء ، فأقبل القوم حتى دخلوا على رسول الله صلى الله علیه وآله فی مسجده، وحانت (قربت) وقت صلاتهم ، فقاموا یصلّون الى المشرق ، فاراد الناس ان ینهوهم عن ذلک، فنهاهم رسول الله صلى الله علیه وآله[ سمح للنصارى الحریه فی طریقه العباده]، ثم أمهلهم وأمهلوه ثلاثاً، فلم یدعُهُم ولم یَسألوه، لینظروا الى هدیه، ویعتبروا ما یشاهدون منه مما یجدون من صفته .
فلما کان بعد ثالثه، دعاهم صلى الله علیه وآله الى الاسلام، فقالوا : یا ابا القاسم ما اخبرتنا کتب الله عزوجل بشئ من صفه النبی المبعوث بعد الروح عیسى علیه السلام الا وقد تعرفناه فیک، الا خُلّه هی اعظم الخِلال آیه ومنزله، وأجلاها اماره ودلاله .
قال صلى الله علیه وآله : وما هی ؟
قالوا : انا نجد فی الانجیل من صفه النبی الغابر (الماضی والباقی) من بعد المسیح، انه یصدق به ویؤمن به، وانت تسبه(…) وتکذّب به، وتزعم انه عبد ، قال : فلم تکن خصومتهم ولا منازعتهم للنبیّ صلى الله علیه وآله الا فی عیسى علیه السلام .
فقال النبی صلى الله علیه وآله : لا ، بل أُصدقه وأُصدِّق به، وأؤمن به، وأشهد أنه النبی المرسل من ربه عز وجل، واقول : انه عبد لا یملک لنفسه نفعا ولاضرا ولا موتا ولا حیاه ولا نشورا .
قالوا : وهل یستطیع العبد ان یفعل ماکان یفعل، وهل جاءت الانبیاء بما جاء به من القدره القاهره؟ ألم یکن یحیى الموتى، ویبرى الأکمه والابرص، وینبئهم بما یکنّون فی صدورهم، وما یدخرون فی بیوتهم ، فهل یستطیع هذا الا الله عزو جل، أو ابن الله ، وقالوا فی الغلو فیه واکثروا ، تعالى الله عن ذلک علوا کبیرا!!
فقال صلى الله علیه وآله : قد کان عیسى اخی کما قلتم، یحیی الموتى، ویبریء الأکمه والأبرص، ویخبر قومه بما فی نفوسهم، وبما یدخرون فی بیوتهم ، وکل ذلک باذن الله عز وجل، وهو لله عز وجل عبد، وذلک علیه غیر عار، وهو منه غیر مستنکف ، فقد کان لحماً ودماً وشعراً وعظماً وعصباً وأمشاجاً، یأکل الطعام، ویظمأ، وینصب باربه (یتعقب بسبب حاجته ، ویمکن ان یکون کنایه عن الذهاب الى الخلاء)، وربّه الاحد الحق الذی لیس کمثله شئ، ولیس له ند .
قالوا: فأرنا مثله من جاء من غیر فحل ولا اب ؟
قال : هذا آدم علیه السلام أعجب منه خلقا ، جاء من غیر أب ولا أم، ولیس شئ من الخلق بأهون على الله عزوجل فی قدرته من شیء ولا أصعب ، ( انما أمره إذا اراد شیئا أن یقول له کن فیکون ) (یس : ۸۲) ، وتلا علیهم : ( ان مثل عیسى عند الله کمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له کن فیکون ) (آل عمران : ۵۹) .
قالا : فما نزداد منک فی امر صاحبنا الا تبایناً، وهذا الأمر الذی لا نقرّ لک، فهلم فلنلاعنک أیّنا أولى بالحق
فنجعل لعنه الله على الکاذبین ، فانها مثله وآیه معجله .
الاستعداد للمباهله
فأنزل الله عز وجل آیه المباهله على رسول الله صلى الله علیه وآله <=”" span=”"> إنّ مَثَلَ عیسى عندَ اللهِ کمَثَلِ آدمَ خَلَقَه مِن تُرابٍ ثُمّ قالَ له کُنْ فیکون. الحقُّ من ربک فلا تکن من الممتَرین. فمَن حاجَّک فیه مِن بَعدِ ما جاءکَ مِن العِلمِ فقُلْ تعالَوا نَدْعُ أبناءَنا وأبناءَکم، ونساءَنا ونساءَکم ، وأنفُسَنا وأنفُسَکُم، ثمّ نَبتَهِلْ فنجَعلْ لَعنهَ اللهِ علَى الکاذبین.) (آل عمران : ۵۹-۶۱) ، فتلا علیهم رسول الله صلى الله علیه وآله ما نزل علیه فی ذلک من القرآن ، فقال صلى الله علیه وآله : إن الله قد أمرنی أصیر الى ملتمسکم، وأمرنی بمباهلتکم إنْ أقمتم وأصررتم على قولکمم ، قالا : وذلک آیه ما بیننا وبینک، إذا کان غداً باهلناک .
ثم قاما واصحابهما من النصارى معهما، فلما أبعدا وقد کانوا أُنزلوا بالحرّه، أقبل بعضهم على بعض فقالوا : قد جاءکم هذا بالفصل من أمره وأمرکم، فانظروا أولاً بمن یباهلکم، أبکافه أتباعه ، أم بأهل الکتاب من أصحابه ، أو بذوى التخشع والتمسّک (الامساک: عند الرهبان التقتیر فی العیش والامتناع عن بعض المآکل تَنَسُّکاً وتعبُّداً) والصفوه دیناً، وهم القلیل منهم عدداً ، فإن جاءکم بالکثره وذوى الشده منهم ، فإنما جاءکم مباهیاً کما یصنع الملوک ، فالفلج (الاظهار) إذاً لکم دونه ، وإنْ أتاکم بنفرٍ قلیلٍ من ذوى تخشّع ، فهؤلاء سجیه الانبیاء وصفوتهم، وموضع بهلتهم ، فإیّاکم والاقدام إذاً على مباهلتهم ، فهذه لکم اماره ، وانظروا حینئذ ما تصنعون ما بینکم وبینه ، فقد أعذر من أنذر .
فأمر صلى الله علیه وآله بشجرتین فقُصِدتا، وکُسِحَ (کُنس) ما بینهما ، وأمهل حتى إذا کان من الغد، أمر بکساء أسود رقیق، فنُشر على الشجرتین ، فلما أبصر السید والعاقب ذلک، خرجا بولدیهما صبغه المحسن وعبد المنعم، وساره ومریم، وخرج معهما نصارى نجران، ورکب فرسان بنى الحرث بن الکعب فی أحسن
هیئه ، وأقبل الناس من أهل المدینه من المهاجرین والانصار، وغیرهم من الناس، فی قبائلهم وشعارهم من رایاتهم وألویتهم، وأحسن شارتهم (اللباس والهیئه) وهیئتهم ، لینظروا ما یکون من الأمر . ولبث رسول الله صلى الله علیه وآله فی حجرته حتى مَتَع (ارتفع) النهار ، ثم خرج آخذاً بید علی، والحسن والحسین أمامه، وفاطمه علیهم السلام من خلفهم ، فأقبل بهم حتى أتى الشجرتین فوقف من بینهما من تحت الکساء على مثل الهیئه التی خرج بها من حجرته، فأرسل الیهما یدعوهما الى ما دعوه إلیه من المباهله .
فاقبلا إلیه فقالا : بمن تباهلنا یا أابا القاسم ؟
قال : بخیر أهل الأرض وأکرمهم على الله عزوجل ، بهؤلاء؛ واشار لهما الى علی وفاطمه والحسن والحسین صلوات الله علیهم .
قالا : فما نراک جئت لمباهلتنا بالکبر ولا من الکثر، ولا اهل الشاره ممن نرى ممن آمن بک واتّبعک ، وما نرى هاهنا معک الا هذا الشاب والمرأه والصبیّیْن ، أفبهؤلاء تباهلنا ؟
قال صلى الله علیه وآله : نعم ، أوَ لَمْ أُخبرکم بذلک آنفا ، نعم بهؤلاء أُمِرت- والذی بعثنی بالحق- أن أُباهلَکم .
فاصفرّت حینئذ ألوانهما، وکرّا وعادا الى أصحابهما وموقفهما ، فلما رأى اصحابهما ما بهما وما دخلهما ، قالوا : ما خطبکما ؟ فتماسکا ، وقالا ما کان ثمه من خطب فنخبرکم!!.
وأقبل علیهم شاب کان من خیارهم قد أوتی فیهم علماً ، فقال : ویحکم لا تفعلوا، واذکروا ما عثرتم علیه فی الجامعه من صفته، فوالله إنکم لتعلمون حق العلم انه الصادق، وإنما عهدکم باخوانکم حدیث، قد مُسخوا قرده وخنازیر. فعلموا انه قد نصح لهم، فأمسکوا .
العلامات الکونیه لنزول العذاب
قال : وکان للمنذر بن علقمه، أخی اسقفهم أبی حارثه، حظ من العلم فیهم یعرفونه له، وکان نازحا (بعیدا) عن نجران فی وقت تنازعهم ، فقدم وقد اجتمع القوم على الرحله الى رسول الله صلى الله علیه وآله ، فشخص معهم ، فلما رأى المنذر انتشار أمر القوم یومئذ وترددهم فی رأیهم، أخذ بید السید والعاقب على اصحابه فقال : اخلونی وهذین ، فاعتزل بهما ..
ثم أقبل علیهما فقال : ان الرائد لا یکذب أهله، وأنا لکما جَدُّ شفیق ، فان نظرتما لأنفسکما نجوتما، وان ترکتما ذلک، هلکتما وأهلکتما .
قالا : انت الناصح حبیبا (أمین) المأمون عیبا، فهات .
قال : أتعلمان انه ما باهل قوم نبیاً قط الا کان مهلکهم. ان محمداً ابا القاسم هذا هو الرسول الذی بشّرت به الانبیاء علیهم السلام، وأفصحت ببیعتهم واهل بیتهم الامناء . وأُخرى أُنذرکما بها فلا تعشوا عنها .
قالا : وما هی یا ابا المثنى ؟
قال : انظرا الى النجم قد استطلع الى الأرض، والى خشوع الشجر، وتساقط الطیر- بآرائکما- لوجوههما، قد نشرت على الأرض أجنحتها، وفات ما فی حواصلها، وما علیها لله عز وجل من تبعه ، لیس ذلک الا ما قد أظلَّ من العذاب، وانظر الى اقشعرار الجبال، والى الدخان المنتشر، وقزع (قطع من السحاب رقیقه) السحاب ، هذا ونحن فی حماره (شده) القیظ ، وابان الهجیر (نصف النهار عند اشتداد الحر) ، وانظروا الى محمد صلى الله علیه وآله رافعا یده، والأربعه من أهل معه، إنما ینتظر ماتحبیبان به ، ثم اعلموا انه إن نطق فوه بکلمه من بهله، لم نتدارک هلاکاً، ولم نرجع الى أهل ولا مال .
فنظرا، فأبصرا أمراً عظیماً، فأیقنا انه الحق من الله تعالى ، فزلزت أقدامهما، وکادت أنْ تطیش عقولَهما، واستشعرا أن العذاب واقعٌ بهما .
فلما أبصر المنذر بن علقمه ما قد لقیا من الخیفه والرهبه، قال لهما : انکما ان اسلمتما له سلمتما فی عاجله وآجله، وان آثرتما دینکما وغضاره (طیب العیش) ملّتکما، وشححتما (بخلتم مع حرص) بمنزلتکم من الشرف فی قومکما ، فلست أحجر (أمنع) علیکما الضنین (البخل) بما نلتما من ذلک ، ولکنکما بدهتما (استقبلتما) محمداً صلى الله علیه وآله بتطلب المباهله، وجعلتماها حجازا وآیه بینکما وبینه، وشخصتما من نجران ، وذلک من تالیکما (التقصیر والحلف) ، فأسرع محمد صلى الله علیه وآله الى ما بغیتما منه، والانبیاء إذا أظهرت بأمر، لم ترجع الا بقضائه وفعله ، فإذ نکلتما (انصرفتما) عن ذلک، واذ هلکتما مخافه ماتریان، فالحظ فی النکول لکما ، فالوحا (البدار البدار) یا اخوتى الوحا، صالِحِا محمداً صلى الله علیه وآله، وأرضیاه، ولا تُرجیا (تؤخرا) ذلک ، فانکما- وانا معکما- بمنزله قوم یونس لمّا غشیهم العذاب .
قالا : فکن أنت یا أبا المثنى، أنت الذی تلقى محمدا صلى الله علیه وآله بکفاله ما یبتغیه (یطلبه) لدینا، والتمس لنا إلیه ابن عمه هذا[ علی بن أبی طالب علیه السلام]، لیکون هو الذی یبرم الأمر بیننا وبینه ، فانه ذو الوجه والزعیم عنده، ولا تبطئن به ما ترجع الینا به .
وانطلق المنذر الى رسول الله صلى الله علیه وآله فقال : السلام علیک یارسول الله، اشهد ان لا اله الا الله الذی ابتعثک، وانک وعیسى عبدان لله عز وجل مُرسلان ، فأسلم وبَلّغه ما جاء له . فأرسل رسول الله صلى الله علیه وآله علیاً علیه السلام مصالحه القوم ، فقال على علیه السلام : بأبى أنت على ما أصالحهم ؟ فقال له : رأیک یا أبا الحسن فیما تبرم معهم، معه رأیى .
فصار إلیهم، فصالحاه على ألف حله، وألف دینار، خرجا فی کل عام یؤدیان شطر ذلک فی المحرم، وشطرا فی رجب . فصار علی علیه السلام بهما الى رسول الله صلى الله علیه وآله ذلیلین صاغرین، وأخبره بما صالحهما علیه، وأقرّا له بالخرج والصَغار .
فقال له رسول صلى الله علیه وآله : قد قبلتُ ذلک منکم، أما انکم لو باهلتمونی بمن تحتَ الکِساء، لأضرمَ الله علیکم الوادی ناراً تأجج، ثمَّ لَساقها اللهُ عز وجل الى مَن ورائکم فی أسرع من طرف العین ، فحرقهم تأجُّجاً .
فلما رجع النبی صلى الله علیه وآله بأهل بیته وصار الى مسجده، هبط علیه جبرئیل علیه السلام فقال : یا محمد ان الله عزوجل یقرؤک السلام، ویقول : ان عبدى موسى علیه السلام باهل عدوّه قارون بأخیه هارون وبنیه ، فخسفت بقارون وأهله وماله وبمن آزره من قومه ، وبعزتی أقسم، وبجلالی یا أحمد، لو باهلتَ بک وبمن تحتَ الکساء من أهلک، أهلَ الأرض والخلائق جمیعاً لتقطعت السماء کِسَفاً(قطعاً)، والجبال زُبُراً، ولساخت (دخلت وغابت) الأرض، فلم تستقر أبدا ، إلا أن أشاء ذلک
فسجد النبی صلى الله علیه وآله، ووضع على الأرض وجهه، ثم رفع یدیه حتى تبین للناس عفره ابطیه (العفره : البیاض لیس بالشدید)، فقال : شکرا للمنعم – قالها ثلاثا- ، فسُئل النبی صلى الله علیه وآله عن سجدته، وما رُؤی من تباشیر السرور فی وجهه ، فقال : شکراً لله عز وجل، لما أبلانى من الکرامه فی أهل بیتى ، ثم حدثهم بما جاء به جبرئیل علیه السلام .
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.