التوحید فی الصفات ۳
صفاته عین ذاته
اتَّفق الإلهیون على کونه تعالى متصفاً بصفات الکمال والجمال ، من
العلم والقدره والحیاه وغیرها من الصفات الذاتیَّه ، ولکنهم اختلفوا فی کیفیه
إجرائها علیه سبحانه على أقوال:
الأوّل : نظریه المعتزله
إنَّ کیفیه إجراء صفاته سبحانه على ذاته أوجد هوَّه سحیقه بین
المعتزله والأشاعره ، فمشایخ الاعتزال ـ لأجل حفظ توحیده سبحانه وتنزیهه عن
الترکیب من الذات والصفات ـ ذهبوا إلى أنَّ ملاک إجراء هذه الصفات هو
الذات ، ولیست هناک أیه واقعیه للصفات سوى ذاته.
توضیحه: إنَّ حقیقه نظریه المعتزله هی نظریه نیابه الذات عن
الصفات من دون أن یکون هناک صفه ؛ وذلک لأنّهم رأوا أنَّ الأمر فی أوصافه
سبحانه یدور بین محذورین:
أولّهما: إنَّا لو قلنا بأنَّ له سبحانه صفات کالعلم ، وجب الاعتراف بأنَّ
هناک ذاتاً وصفه ؛ لأنَّ واقعیه الصّفه هی مغایرتها للموصوف ، ولا یمکن أنْ
________________________________________
(۳۴)
یکون هنا صفه ولا تکون غیر الموصوف ، فعندئذٍ یلزم الترکّب فیه سبحانه من
ذات وصفه ، وهو محال.
وثانیهما : إنَّ نفی العلم والقدره وسائر الصفات الکمالیه عنه سبحانه
یستلزم النقص فی ذاته أوّلاً ، ویُکَذِّبُه إتقان آثاره وأفعاله ثانیاً.
فالمَخْلَص والمَفَرّ من هذین المحذورین ، انتخاب نظریه النیابه ،
وهی أنْ نقول بنیابه الذات مناب الصفات ، وإنْ لم یکُن هناک واقعیه
للصفات وراء الذات.
هذا هو المشهور عن المعتزله ، وممّن صرح به منهم عبّاد بن سلیمان
قال : « هو عالمٌ ، قادرٌ، حىٌّ ، ولا أُثبت له علماً ، ولا قدره ولا حیاه ، ولا
أُثبتُ سمعاً ولا أُثبت بصراً ، وأقول هو عالمٌ لا بعلم ، وقادر لا بقدره ، وحیٌّ
لا بحیاه ، وسمیع لا بسمع ، وکذلک سائر ما یُسَمّى من الأسماء التی یُسَمَّى
بها» (1).
یلاحظ علیه ـ أوّلاً: إنَّه لم یتحقق أنَّ ما ذکر من قضیه النیابه رأی
جمیع المعتزله بل إنّ هناک جماعه منهم یذهبون إلى ما هو المختار عند
الإِمامیه من عینیه صفاته مع ذاته بمعنى أنَّ الذّات هی نفس العلم والقدره
والحیاه لا أنّها خالیه عن الصفات تنوب منابها(۲).
وثانیاً : إنَّ المعتزله یتصورون أنَّ حقیقه الصفه ترجع إلى أمر زائد
على الذات ، ولا یتصور کون الشیء وصفاً مع کونه نفس الذات وعینها ، وما
ذلک إلا لملاحظه الصفه فی الموجودات الإمکانیه ، فالعلم فی الإنسان وصف
وهو غیر الذات ، کما أنَّ القدره کذلک ، فاتخذوه ضابطه کلیه حتى فی مقام
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) مقالات الإسلامیین : ج ۱، ص۲۲۵ .
(۲) قد جمع الأُستاذ دام حفظه کلمات المعتزله فی هذا المقام فی محاضراته القیمه فی الملل
والنحل: ج ۲ الفصل السادس عند البحث عن کون علمه زائداً على الذات أو لا.
________________________________________
(۳۵)
الذات الإلهیه ، فجعلواکون الشیء وصفاً ملازماً للزیاده ، وعارضاً على
الذات ، فوقعوا فی محذور خاص ، وهو أنَّ إثبات الصفات یستلزم ترکب
الذات من ذات ووصف أوّلاً ، وخلو الذات عن الکمال ثانیاً ، کما تقدم فی
کلامهم ، ولأجل رفع هذین المحذورین ذهبوا إلى نفی الصفات ، وقیام الذات
منابها.
,لکنهم لو وقفوا على أنَّ ما اتخذوه ضابطه ( کون الصفه غیر الذات )
لیس ضابطه کلیه ، وإنّما یختص ببعض الموجودات الإمکانیه ، لوقفوا على أنَّ
من الممکن أنْ تبلغ الذات فی الکمال والجمال مرتبه عالیه تکون نفس العلم
والانکشاف ، ونفس القدره والحیاه ، ولم یدل دلیل على أنَّ الصفه فی جمیع
المراتب عَرَضٌ قائمٌ بالذات بل لهذه الأوصاف عَرْضٌ عریضٌ ، ومراتب
متفاوته . ففی مرتبه یکون العلم عَرَضاً ، کما فی علمنا بالأشیاء الخارجیه ،
وفی مرتبه یکون جوهراً کما فی علمنا بأنفسنا ، وفی مرتبه یکون واجباً نفس
الذات کما سیوافیک بیانه ، وعدم إطلاق الصفه على مثل هذا العلم لغهً ، لا
یضرنا ؛ لأنّ الحقائق لا تقتنص عن طریق اللّغه . ولو کان الداعی إلى القول
بالنیابه هو التحفظ على التوحید وبساطه الذات ، فالتوحید لیس رهن القول
بها فقط ، بل هو کما یحصل بها ، یحصل بالقول الآخر الذی یتضمن عینیه
الصفات والذات ، مع الاعتراف بواقعیه الصفه فیها ، وبذلک یتمیز عن القول
بالنیابه.