تزویج البکر وولایه الأب
قرأنا فی مجله «الشریعه»([2]) الغرّاء (العدد ۴۷۴، ربیع الثانی ۱۴۲۶هـ) جواباً للفقیه المعاصر الشیخ یوسف القرضاوی عن السؤال التالی:
هل صحیح أنّ الإمام الشافعی جعل من حق الأب أن یزوّج ابنته البالغه بغیر رضاها؟ وإذا کان هذا صحیحاً فهل یتفق هذا مع المنهج الإسلامی العام فی اشتراط موافقه الفتاه المسبقه؟
وحاصل ما أجاب به سماحته هو:
أوّلاً: أنّ هنا قاعده أساسیه لا یختلف فیها اثنان وهی أنّ کلّ مجتهد یُصیب ویُخطئ، وأنّ کلّ واحد یؤخذ من کلامه ویترک إلاّ المعصوم. والإمام الشافعی بشر غیر معصوم.
ثانیاً: من الإنصاف للمجتهدین أن نضع آراءهم فی إطارها التاریخی، فإنّ المجتهد أعرف ببیئته وزمنه، ولا یمکن إغفال العنصر الذاتی للمجتهد.
وقد عاش الشافعی فی عصر قلّما کانت تعرف فیه الفتاه عمّن یتقدّم لخطبتها شیئاً إلاّ ما یعرفه أهلها عنه، لهذا أُعطی والدُها خاصه حق تزویجها ولو بغیر استئذانها.
ثمّ قال: ومن یدری لعل الشافعی لو عاش إلى زماننا ورأى ما وصلت إلیه الفتاه من ثقافه وعلم وانّها أصبحت قادره على التمییز بین الرجال الذین یتقدمون إلیها ربّما غیّر رأیه.
على هامش جواب الشیخ القرضاوی
انطلاقاً من القول المشهور: «الحقیقه بنت البحث» لنا حول هذا الجواب مناقشات نطرحها على طاوله البحث، وربّما یکون لدى الأُستاذ جواب عنها.
المناقشه الأُولى
إنّ رساله الإسلام رساله أبدیه وکتابها القرآن الکریم خاتم الکتب، فلابدّ أن تکون هذه الشریعه بشکل یوافق فطره الإنسان ویواکب عامه الحضارات فی مختلف العصور.
وقد اختلفت کلمات الفقهاء فی لزوم الاستئذان وعدمه، فقال مالک والشافعی وابن أبی لیلى: للأب فقط أن یجبرها على النکاح.
وقال أبو حنیفه والثوری والأوزاعی وأبو ثور وجماعه: لابدّ من اعتبار رضاها، ووافقهم مالک فی البکر على أحد القولین عنه.([۳])
فلابدّ فی تمییز ما هو الصواب من الآراء، من عرض المسأله على الکتاب والسنه، فالسنه المرویه تدعم الرأی الثانی. وقد ألمح إلى هذه الروایات الأُستاذ فی ثنایا جوابه.
روى أبو هریره أنّ النبی(صلى الله علیه وآله وسلم)قال: لا تنکح الأیّم حتّى تُستأمر، ولا تُنکح البکر حتّى تُستأذن.
فقالوا: یا رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم): کیف إذنها ؟ قال : إذا سکتت.
وروى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس: أنّ جاریه بکر أتت النبی(صلى الله علیه وآله وسلم)فذکرت أنّ أباها زوّجها وهی کارهه فخیّرها النبی (صلى الله علیه وآله وسلم).([۴])
والروایات المرویه عن أئمّه أهل البیت(علیهم السلام) تدعم القول الثانی.
روى منصور بن حازم عن الإمام الصادق(علیه السلام):«تستأمر البکر وغیرها ولا تنکح إلاّ بأمرها».([5])
إلى غیر ذلک من الروایات المرویه عن أئمّه أهل البیت (علیهم السلام)الّتی تؤکد شرطیه إذن المرأه فی نکاحها.
أضف إلى ذلک: انّ التزویج هو النواه الأُولى لتأسیس المجتمع الکبیر، فهل یجوز فی منطق العقل الحصیف أن یکون للأب حق التزویج من دون استئذان البنت؟ هذا مع الأخذ بعین الاعتبار أنّ هذا العقد لیس قصیراً، بل قد یدوم إلى خمسین سنه أو أکثر، فکیف نتصور إلزامها على هذه الحیاه من دون أن تعلم أو تفکر أو تأذن فیها؟!
إنّ البیع هو إنشاء علاقه بین مالین، والنکاح إنشاء علاقه بین نفسین، واللّه سبحانه یشترط التراضی فی صحه التجاره ویقول:(لاَ تَأْکُلُوا أَمْوَالَکُمْ بَیْنَکُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَکُونَ تِجَارَهً عَنْ تَراض مِنْکُمْ).([۶])
فهل یسوغ فی منطق العقل أن تکون صحه التجاره منوطه بالتراضی دون النکاح؟!
وهل البیع والتجاره أسمى وأهم من النکاح والزواج الّذی علیه یقوم المجتمع؟! کل ذلک یدل على عدم صحه ما قال به الشافعی وقبله مالک.
هذا من الجانب الفقهی ولا نطیل فیه، وقد فصّلنا الکلام فیه فی کتابنا «نظام النکاح فی الشریعه الإسلامیه الغرّاء»([7]) .
المناقشه الثانیه
لو افترضنا انّ الحکم الإسلامی فی حقّ الفتاه هو جواز تزویجها بغیر إذنها وجواز إجبار الأب إیاها للنکاح وإن کانت غیر راضیه به، کما علیه فتوى الإمام الشافعی والإمام مالک على أحد قولیه.
فلو کان التشریع على هذا الحال فکیف یمکن أن یتغیر حکمه بتغیر الظروف، مع أنّ حلال محمد حلال إلى یوم القیامه وحرامه حرام إلى یوم القیامه؟
وما اعتذر به الأُستاذ من وجود الثقافه والعلم عند الفتاه المعاصره دون مثلها الّتی عاشت فی عصر الشافعی، غیر وجیه، لأنّ معنى ذلک أنّ التشریع الإسلامی موضوع للأُمیّات والجاهلات ولا یعم المثقّفات والعارفات.
هب أنّ الأُستاذ نجح فی توجیه هذه الفتوى فکیف یفسّر رأیاً آخر للإمام الشافعی حول لمس المرأه الأجنبیه الّذی عدّه من نواقض الوضوء؟ وإلیک نص الفتوى.
وقال الشافعیه: إذا لمس المتوضّئ امرأه أجنبیه بدون حائل انتقض الوضوء.
وبعباره أُخرى: مباشره النساء من غیر حائل إذا کنّ غیر ذوات محارم تنقض الوضوء بشهوه کانت أو بغیر شهوه، بالید کانت أو بالرجل أو بغیرهما من الجسد، عامداً أو ناسیاً.([۸]) ومن المعلوم أنّ هذا الرأی غریب من وجهین:
۱٫ انّه لا رصید له من الکتاب والسنّه، فقوله سبحانه فی آیه الوضوء: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ)([۹]) کنایه عن الدخول والجماع کما هو الحال فی آیات الطلاق، قال سبحانه: (إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ)([۱۰]) ، وقال:(وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ). ([۱۱])
۲٫ إنّ هذه الفتیا لا تنسجم مع کرامه المرأه ومنزلتها فی الشریعه الإسلامیه، حیث إنّ الذکْر العزیز قد وصف المرأه بأنّها عِدْل للزوج وأنّه یسکن إلیها ، قال سبحانه: (خَلَقَ لَکُمْ مِنْ أَنْفُسِکُمْ أَزْواجاً لِتَسْکُنُوا إِلَیْها).([۱۲])
إنّ التشریع الإسلامی یعتمد فی أُصوله الکلیه على الفطره البشریه ولا یتغیر حکمه بتغیر الزمان والمکان، فما دام هذا الإنسان موجوداً على ظهر هذا الکوکب فالحکم الشرعی یواکب فطرته ولا یشذ عنه قید شعره فلابدّ أن یکون مستمراً ودائماً وأبدیاً.
نعم قد ثبت فی محله أنّ لعنصری الزمان والمکان دوراً فی الاستنباط والاجتهاد، ولکن ذلک لا یعنی نسخ الأحکام وإخراجها من الساحه وإحلال حکم آخر مکانها لأجل ذینک العنصرین، بل بمعنى انّ الحضاره والتقدم قد تؤثر فی الموضوع بإخراجه عن موضوع حکم وإدخاله تحت موضوع حکم آخر مع التحفظ على کلا الحکمین فی موردهما ولنأت بمثال.
إنّ بیع الدم حرام فی الفقه الإسلامی لعدم الانتفاع به فی أمر محلّل، إذ کان الانتفاع ربما منحصراً فی الأکل، ولکن التقدم الحضاری مکّن الطبیب من الانتفاع به انتفاعاً حلالاً وذلک فی عملیات نقل الدم من إنسان لآخر محتاج إلیه فی المستشفیات.
المناقشه الثالثه
إنّ قول الأُستاذ بأنّ الإمام الشافعی لو کان قد عاش إلى زماننا ورأى ما وصلت إلیه الفتاه من ثقافه وعلم لعلّه لو رأى ذلک لغیّر رأیه، فإنّ ذلک یدفعنا إلى التسلیم بضروره الرجوع إلى المجتهد الحی فی عامه المسائل، وذلک لنفس النکته الّتی ذکرها الأُستاذ، ذلک لأنّ فقهاء الإسلام مع الاعتراف بأنّهم أعلام الهدى ومصابیح الدجى، لا فرق بین من لحق بالرفیق الأعلى منهم، ومن هو حیٌّ یُرزق. لکن المجتهد الحی أعرف بالظروف السائده فی المجتمع، وانطلاقاً من قول القائل:«الشاهد یرى ما لا یراه الغائب»، فهو یعرف مقتضیات الزمان والمکان ، على نحو لو کان الفقیه الفقید حاضراً فی هذا الزمان لربما عدل عن رأیه وأفتى بغیر ما أفتى به سابقاً، وهذا ما یدفع الفقهاء إلى ترویج تقلید المجتهد الحی أو اللجنه الفقهیه المتشکّله من الأحیاء وترک تقلید غیرهم بتاتاً.
نعم هذا الاقتراح ربّما یکون ثقیلاً على من اعتاد تقلید غیر الأحیاء، ولکنّه ینسجم مع الفطره الإنسانیه التی بُنیت علیها أُسس الدین الإسلامی، ولیس ذلک أمراً بعیداً عن حیاه البشر، فإنّ المجتمع فی حاجاته یرجع إلى الأطباء والمهندسین الأحیاء، لأنّهم أعرف بحاجات العصر وبالداء والدواء.
هذا بالإضافه إلى أنّه لم یدل دلیل على انحصار المذاهب الفقهیه فی الأربعه، وقد کان المسلمون یعملون بالشریعه ولم یُولد أحد من الأئمه ولم یثبت أنّهم أعلم وأفضل من کل من جاء ولحق بهم من الفقهاء العظام ـ رضوان اللّه علیهم ـ لو لم یثبت خلافه.
إنّ مواهبه سبحانه ورحمته الواسعه لا تختص بجیل دون جیل ولا بعصر دون عصر وقد تکامل الفقه بید عشاق الفقه فی کلّ عصر، حتّى ربما صار المتأخّر، أبصر وأدق من المتقدم.
لا شکّ انّ الاستنباط الجماعی أوثق من الاستنباط الفردی، وأنا أقترح على فقهاء المذاهب فی کلّ صقع، أن یشکّلوا مجمعاً فقهیاً حراً یضم إلى جنبه، فقهاء کباراً من عامه البلاد، فیکون هو المرجع فی المسائل الخلافیه، قدیمه کانت أو حادثه.
وبتعبیر آخر: أن یدرسوا عامه المسائل الخلافیه من جدید، وإذا خرج الجمیع، أی الأکثر منهم برأی، یکون هو المفزع لعامه الناس، سواء أوافق أحد المذاهب الأربعه أم لا.
إنّ الجمود على فتوى إمام خاص ربما یُوقع الحجاج فی حرج شدید، فإنّ بعض المذاهب: یفرض رمی الجمار بالیوم العاشر من مطلع الشمس إلى دلوکها ولا یجوّز بعد الظهر بخلاف الیومین التالیین فلا یرخص فیهما صباحاً، بل یفرض أن یکون الرمی بعد الظهر.
إنّ هذا التضییق فی وقت الرمی یورث حرجاً شدیداً على الحجاج وینتهی إلى قتل العشرات منهم بفعل الازدحام. مع أنّ فی بعض المذاهب رخصه أوسع من ذلک حیث یجوز الرمی من مطلع الشمس إلى مغربها.
هذا هو المقترح ولکنّ الموانع ربّما تحول بین الإنسان وأُمنیته.
ما کلّ ما یتمنى المرء یدرکه *** …………………
والسلام علیکم ورحمه اللّه وبرکاته
————————————————
[۱] . تمّت کتابه هذه المقاله بتاریخ ۲ جمادى الآخره ۱۴۲۶ هـ .
[۲] . مجله «الشریعه» تصدر فی الأردن، مؤسسها المرحوم تیسیر ظبیان ویرأس تحریرها بسام ظبیان.
[۳] . بدایه المجتهد:۲/۵، کتاب النکاح.
[۴] . لاحظ الخلاف للطوسی، کتاب النکاح ، المسأله۱۰; بدایه المجتهد:۲/۵، کتاب النکاح; المغنی لابن قدامه:۶/۵۱۶٫
[۵] . الوسائل:۱۴، الباب۹ من أبواب عقد النکاح، الحدیث۱٫
[۶] . النساء:۲۹٫
[۷] . انظر: نظام النکاح فی الشریعه الإسلامیّه الغرّاء: ۱ / ۱۷۲ ـ ۱۹۳ .
[۸] . الأُمّ:۱/۱۵; المبسوط:۱/۶۷; أحکام القرآن للجصاص:۲/۳۶۹ إلى غیر ذلک من المصادر.
[۹] . المائده:۶٫
[۱۰] . البقره:۲۳۶٫
[۱۱] . ۲۳۷٫
[۱۲] . الروم:۲۱٫