بلاء المؤمنین

0

روی عن الإمام الصادق علیه السلام: "وقد کان قبلکم قوم یقتلون ویحرقون وینشرون بالمناشیر وتضیق علیهم الأرض برحبها فما یردّهم عمّا هم علیه شیء ممّا هم فیه من غیر تِره وتروا من فعل ذلک بهم ولا أذى،﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن یُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِیزِ الْحَمِیدِ﴾، فاسألوا ربّکم درجاتهم واصبروا على نوائب دهرکم تدرکوا سعیهم"(1).
وعن الإمام أبی جعفر علیه السلام قال: "بعث الله نبیّا حبشیّا إلى قومه فقاتلهم، فقتل أصحابه وأسروا وخدّوا لهم أخدودا من نار ثمّ نادوا: من کان من أهل ملّتنا فلیعتزل، ومن کان على دین هذا النبیّ فلیقتحم النار، فجعلوا یقتحمون، وأقبلت امرأه معها صبیّ لها فهابت النار، فقال لها: اقتحمی، قال: فاقتحمت النار، وهم أصحاب الأخدود"(2)
حسن العاقبه
یقول الله سبحانه تعالى فی محکم کتابه:
﴿تِلْکَ الدَّارُ الْآخِرَهُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِینَ لَا یُرِیدُونَ عُلُوًّا فِی الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَهُ لِلْمُتَّقِینَ﴾(۳)
من المسائل المهمّه جدّاً فی حیاتنا وسلوکنا وعلاقتنا مع الآخرین مسألهُ تقییم الأشخاص وکیفیّه التعامل معهم، هل على أساس الماضی فقط؟ أم على أساس الحاضر؟ وما هی الأسس الّتی نبنی علیها موقفنا العاطفیّ والعملیّ تجاههم؟
فإذا أردنا تقییم إنسانٍ ما، فإنّ من الجَور أن نبنی موقفنا على ماضیه فقط، بل یجب الأخذ بعین الاعتبار حاضر هذا الإنسان. أمّا الّذی یختلف ماضیه عن حاضره؛ فإنّ الإسلام یقودنا للتعاطی معه على أساس حاضره، فالمهمّ هو حاضر الإنسان الآن وواقعه الحالیّ.
وبناءً على ذلک، فإنّ المعیار الّذی یتعلّق بحسابات وموازین الآخره فی تقییم الأشخاص هو حالهم عند رحیلهم عن هذه الدنیا؛ فعن رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم: "إنّ الرجل لیعمل بعمل أهل الجنّه سبعین سنه فیحیف (یظلم) فی وصیّته فیختم له بعمل أهل النار، وإنّ الرجل لیعمل بعمل أهل النار سبعین سنه فیعدل فی وصیّته فیختم له بعمل أهل الجنّه"(4).
فالروایه تشیر إلى أنّ العمل الّذی یختم به الإنسان حیاته مؤشرٌ على حاله ووزنه فی الآخره.
حسن العاقبه: دعاءُ النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم والأئمّه علیهم السلام
إنّ الّذی یجب أن یشغل بال الإنسان حقیقهً لیس الحاضر فقط بل حاله ومآله فی المستقبل؛ مستقبل دینه وسلوکه وأخلاقه والتزامه، التزامه الفکریّ والسیاسیّ والعملیّ. فهذا الّذی ینبغی أن یشغل حیّزاً کبیراً من تفکیره؛ ولهذا نجد فی الأدعیه عن النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم وأهل بیته علیهم السلام الطلب من الله أن یختم حیاتهم بالخیر وأن یرزقهم حسن العاقبه وأن یجعل عواقب أمورهم خیراً.
وهنا، علینا أن نفکّر ماذا ینبغی أن نفعل لتکون خاتمتنا طیّبه فتحسن عاقبتنا؟ وما هی الأمور الّتی علینا أن نحذر منها ونبتعد عنها حتّى لا تسوء عاقبتنا؟
عوامل مؤثّره فی العاقبه
إنّ العوامل والأمور المؤثّره فی هذا المقام کثیره، ولکنّنا سنتعرّض للمهمّ والمؤثّر منها:
الأمن من مکر الله سبحانه وتعالى:
ویکون ذلک من خلال اطمئنان الإنسان إلى عمله الماضی واعتبار نفسه متدیّناً، مجاهداً ومضحّیاً… وقد یصل به ذلک إلى الإعجاب بعمله والاغترار به.
وهذا الأمن من مکر الله سبحانه یؤدّی إلى نتائج سلبیّه على المستوى الروحیّ. ومع الوقت یجد الإنسان نفسه فی مکان آخر؛ مع العصاه والظالمین. یقول أمیر المؤمنین علیه السلام فی نهج البلاغه: "یا ابن آدم إذا رأیت ربّک سبحانه یتابع علیک نعمه وأنت تعصیه فاحذره"(5).
فانتبه أیّها الإنسان من أن تعتَبر نفسک أهلاً لهذه النّعم. لقد کان رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم یحذّر من هذا الأمر ویوصی المؤمن بأن یکون خائفاً وقلقاً من سوء العاقبه، فعنه صلى الله علیه وآله وسلم:
"لا یزال المؤمن خائفاً من سوء العاقبه، لا یتیقّن الوصول إلى رضوان الله حتّى یکون وقت نزع روحه وظهور ملک الموت له.. "(6) فقلق المؤمن وخوفه ینتهیان عند نزع الروح. فما دام التکلیف فعلیّاً علیه فهو فی حاله خوفٍ وقلقٍ من أن یختم حیاته بعملٍ سیّئ فتسوء عاقبته لا سمح الله.
الیأس من رحمه الله:
عندما یتذکّر الإنسان ماضیه السیّئ ومعاصیه وآثامه وخطایاه اّلتی قد ارتکبها قد ییأس من رحمه الله, ویعتبر أنّ باب التوبه قد أُغلق بوجهه، وهذا یجعله یغرق أکثر فی المعصیه، وبالتالی تسوء خاتمته وعاقبته.
إلا أنّ الجواب الإلهیّ على مثل هذا الیأس قوله تعالى: ﴿قُلْ یَا عِبَادِیَ الَّذِینَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَهِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ یَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِیعًا﴾(۷), فالآیه تقرّر أنّ باب التوبه والإنابه والرجوع إلى الله مفتوح ولا یجوز للإنسان أن ییأس من رَوح الله مهما کانت ذنوبه ومعاصیه کثیره. إلّا أنّ هناک أمراً لا بُدّ من الالتفات إلیه، وهو أنّ هذا الاستغفار لا علاقه له بما تعلَّق فی ذمّه الإنسان من حقوق الناس، کالاعتداء علیهم أو على أموالهم وممتلکاتهم. فلا بُدّ من إرجاع الحقوق إلى أصحابها والاستحلال منهم، فإنّ ذلک شرط لقبول التوبه.
من هذین العاملین نفهم معنى أن یعیش الإنسان المؤمن بین الخوف والرجاء؛ فلا الأمن من مکر الله جائز ولا الیأس من رحمته جائز أیضاً.
الغفله عن الله سبحانه وتعالى:
فالإنسان المؤمن بالله سبحانه یمکن أن یغفل عنه وینساه, هذه الغفله إذا طالت فإنّها تؤدّی إلى قسوه القلب وإلى البعد عن الله، بل الله سبحانه قد ینسانا﴿نَسُواْ اللّهَ فَنَسِیَهُمْ﴾(۸) ویکلنا إلى أنفسنا ویرفع عنّا عنایته وهدایته ولطفه، وبالتالی ستکون عاقبتنا وخاتمتنا سیّئه. وکذلک عندما نأتی لموضوع الغفله عن الموت وعمّا بعد الموت فإنّ ذلک یؤدّی إلى قسوه القلب والتعلّق بالدنیا والغرق فی الشهوات والأطماع والأهواء فتسوء عندئذٍ العاقبه والخاتمه.
فالّذی یغفل عن الله ولا ینتبه إلى انغماسه فی المعاصی لا یجد ما یردعه عن تلک الأفعال والأقوال, ولکن، بالمقابل، الّذی یبقى یقظاً من خلال حضور الله سبحانه وتعالى فی وجدانه لا یغفل ولا ینسى، بل یبقى ذاکراً، وهنا الذکر لیس المراد منه الذکر اللسانیّ، بل الذکر الحقیقیّ الّذی نرى من خلاله حضور الباری عزّ وجلّ فی کلّ المواقف، فلا نعصیه خجلاً وحیاءً منه، ولا نطیعه تقرّباً وتزلّفاً للناس، بل شوقاً وحبّاً له عزّ وجلّ.
هذا التذکُّر لله سبحانه والانتباه إلى حضوره وإلى مراقبته وإلى أنّه سمیعٌ وبصیر ومحیط، یمنع الإنسان من المعصیه ویشجّعه على الطاعه. وفی حدیث للإمام الباقر علیه السلام قال: "ثلاثٌ من أشدّ ما عمل العباد: إنصاف المرء من نفسه، ومواساه المرء أخاه، وذکر الله على کلّ حال؛ وهو أن یذکر الله عزّ وجلّ عند المعصیه یهمُّ بها فیحُول ذکر الله بینه وبین تلک المعصیه، وهو قول الله عــــــزّ وجـــلّ: ﴿إِنَّ الَّذِینَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّیْطَانِ تَذَکَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾(۹).
فلنتأمّل، فی هذه الأمور الثلاثه الّتی ذکرتها الروایه فإنّها من أشدّ ما فرض الله:

الأمر الأوّل: إنصاف الناس من نفسک
وفی الواقع تحقیق هذا الأمر بحاجه إلى مجاهده وإلى مرتبه عالیه من الإیمان، فأن تحکم بالعدل بین المتخاصمین أمر جیّد ومطلوب، ولکن أن تحکم بالعدل فیما لو کنت أنت نفسک أو أحد أقربائک طرفاً فی القضیّه، فهذا بحاجه إلى إخلاص وإلى مرتبه عالیه من التقوى والورع والتوفیق الإلهیّ.
الأمر الثانی: مواساتک لأخیک
أن تواسی أخاک فی مالک إذا احتاج إلیه أو وقع فی مشکله فتعینه وتشدّ أزره. وهنا کلمه الأخ مطلقه یراد منها الأخ فی الإیمان وهی أعمّ من الأخ الرحمیّ، وإن کان الأخ المؤمن الرحمیّ صاحب حاجه فهو أولى من غیره.
الأمر الثالث: ذکر الله على کلّ حال
هذا الذکر الّذی یرغّبک فی طاعه الله ویقوّی عزیمتک ویدفعک ویحثُّک للاقتراب أکثر فی ساحه العبودیّه لله سبحانه وتعالى، کما أنّه یردعک ویمنعک من ارتکاب المعصیه.
وفی الواقع، إنّ التجربه تقودنا إلى أن لا نرکن إلى أیّه ضمانات وأن لا ندع طول الأمل یدخل ساحتنا، فلا الشباب ولا الصحّه ولا المال یمکن أن تشکّل ضمانه للإنسان لتجنّب سوء العاقبه وسوء الخاتمه.
وفی هذا السیاق نرى أنّ الکثیر من التشریعات الإسلامیّه جاءت لتحثَّ الإنسان على التذکّر والتفکّر بالعاقبه والخاتمه، ومن ذلک استحباب إعلام المؤمنین عند موت الإنسان، ومواساه أهله، واستحباب زیاره القبور.. فکلّ هذه الأمور تحیی قلب الإنسان بالموعظه وتجعله ذاکراً، لا یغفل ولا ینسى ربّه.
عن الإمام الباقر علیه السلام: "إیّاک والغفله، ففیها تکون قساوه القلب"(10).

التقوى والتزکیه:
یقول تعالى مخاطباً رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَکَ بِالصَّلَاهِ وَاصْطَبِرْ عَلَیْهَا لَا نَسْأَلُکَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُکَ وَالْعَاقِبَهُ لِلتَّقْوَى﴾(۱۱)،ویقول:﴿تِلْکَ الدَّارُ الْآخِرَهُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِینَ لَا یُرِیدُونَ عُلُوًّا فِی الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَهُ لِلْمُتَّقِینَ﴾(۱۲).
نستفید من هاتین الآیتین أنّ العاقبه الحسنه هی نتاج التقوى, والتقوى تعنی أن یتّقی الإنسان کلّ ما یُفضی إلى الإثم ویوقعه فیه؛ ولذلک ورد عن الإمام علیّ علیه السلام: "التقوى اجتناب"(13)، وبمعنى آخر التقوى تعنی المراقبه، أی أن یعیش الإنسان حالهً یراقب فیها نفسه وأقواله وأعماله فیردعها عن ارتکاب الذنوب وفعل المعاصی ویشجّعها على فِعل الطّاعات والواجبات.
عن رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم فی وصیّته لأبی ذر: "علیک بتقوى الله فإنّها رأس الأمر کلّه"(14). فالتقوى هی الأساس والأصل للأمور الثلاثه الّتی تقدّم ذکرها، ومن حصل علیها فقد تمسّک برأس الأمر کلّه.
وعن الإمام علیّ علیه السلام: "أیسرُّکَ أن تکون من حزب الله الغالبین؟ اتّق الله سبحانه وأحسن فی کلّ أمورک، فـ ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِینَ اتَّقَواْ وَّالَّذِینَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾(۱۵) والحدیث الأخیر فی مسأله التقوى هو ما ورد عن أمیر المؤمنین علیه السلام: "التقوى حصنٌ حصین…"(16). فالمتّقی محصَّن، فلا شیاطین الجنّ والإنس ولا الفضائیّات ولا الإنترنت ولا زخارف الدنیا وبهارجها ولا کلّ ما یراه ویسمعه یمکن أن ینالوا من عزمه وإرادته والتزامه واندفاعه وتقواه.
التزکیه ضمانه التقوى
وأمّا التزکیه الّتی من خلالها یصل الإنسان إلى مرحله یسیطر فیها على قواه النفسیّه والجسدیّه فتصبح نفسه مطیعهً ومنسجمهً ومقتنعهً وتابعهً لما یریده الله سبحانه، فلا یحتاج بعدها المرء لمعرکه مع نفسه الأمّاره حتّى یتخلّى عن الذنب ویترکه، بل یرى أنّه من السهل اجتناب المعاصی والذنوب. هذه التزکیه بحاجه إلى تربیه وجهد وعناء وصبر وعزیمه وإصرار وتوکّل وإراده، وبالتالی یصبح عندنا ضمانه للتقوى ولحسن العاقبه ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَکَّاهَا﴾(۱۷)، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَکَّى﴾(۱۸).
وفی الختام نذکر أنّ هناک أعمالاً خاصّه تساعد على حسن العاقبه، منها قضاء حوائج الإخوان والإحسان إلیهم، فعن الإمام الکاظم علیه السلام: "إنّ خواتیم أعمالکم قضاءُ حوائج إخوانکم والإحسان إلیهم ما قدرتم، وإلّا لم یقبل منکم عمل، حنّوا على إخوانکم وارحموهم تلحقوا بنا"(19).
نسأل الله سبحانه وتعالى حُسن العاقبه، وأن یختم لنا بخیر، وأن یُعیننا على أنفسنا، وعلى ابتلاءاتنا، وعلى اختباراتنا، وعلى امتحاناتنا؛ لنکون إن شاء الله من أهله ومن أهل جنّته ورضوانه ومن أهل جواره، وهذا ما یحتاج إلى الدعاء والنیّه والعزم والإراده والجهد.
______________________________________
۱- الکافی، ج ۸، ص ۲۴۸٫
۲- البحار، ج ۱۴، ص ۴۴۱٫
۳- سوره القصص، الآیه: ۸۳٫
۴- بحار الأنوار، العلامه المجلسی، ج ۱۰۰، ص ۲۰۰٫
۵- نهج البلاغه (خطب الإمام علی علیه السلام )، الشریف الرضی، ج ۴، ص ۷٫
۶- بحار الأنوار، ج ۶، ص ۱۷۶٫
۷- سوره الزمر، الآیه: ۵۳٫
۸- سوره التوبه، الآیه: ۶۷٫
۹- سوره الأعراف، الآیه: ۲۰۱/الخصال، الشیخ الصدوق، ص ۱۳۱٫
۱۰- بحار الأنوار، ج ۷۵، ص ۱۶۴٫
۱۱- سوره طه، الآیه: ۱۳۲٫
۱۲- سوره القصص، الآیه: ۸۳٫
۱۳- عیون الحکم والمواعظ، اللیثی الواسطی، ص ۶۰٫
۱۴- بحار الأنوار، ج ۶۳، ص ۲۸۹٫
۱۵- سوره النحل، الآیه: ۱۲۸/میزان الحکمه، الریشهری، ج ۱، ص ۶۰۰٫
۱۶- بحار الأنوار، ج ۷۵، ص ۶۲٫
۱۷- سوره الشمس، الآیه: ۹٫
۱۸- سوره الأعلى، الآیه: ۱۴٫
۱۹- بحار الأنوار، ج ۷۲، ص ۳۷۹٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.