مفهوم البَدَاء فی عالم الخلق والتکوین
وکما وقع الخلاف فی مسأله النسخ والتبدیل فی التشریع والأحکام، وقع الجدال أیضاً فی قُدره الله تعالى على التغییر والتبدیل فی عالم التکوین، والخلائق.
فهاتان مسألتان عقیدیّتان، مسأله النسخ التشریعی، والنسخ التکوینی (البَدَاء)، قد دار الحوار والجدل فیهما بین الفکر الیهودی المحرّف، وبین ما جاء به القرآن ونطق به الرسول الأمین (صلى الله علیه وآله)، من أنّ النسخ فی الشرائع هو سنه إلهیه، وأنّ التغییر والتبدیل فی الأحکام ظاهرهٌ طبیعیه فی الشرائع، کما أنّ التغییر والتبدیل کائنٌ فی عالم الخلق والتکوین الذی سمّی بـ (البَدَاء).
استعمل مصطلح (البَدَاء) فی مدرسه أهل البیت (علیهم السلام) للدفاع عن الفهم الإسلامی مقابل الیهودی، والفکر الفلسفی المتأثّر بالفلسفه الیونانیه، وبعض المدارس الکلامیه: کمدرسه المعتزله.
أثار هذا المصطلح شبههً فکریهً عقیدیهً لدى البعض من الکتّاب، وأصحاب الآراء، والمذاهب العقیدیه، فی الصف الإسلامی، ولم تقف حدود هذه الشبهه عند الاستفهام والمناقشه والرد العلمی ! بل أسیء فهم المصطلح، وأضیف إلى إساءه الفهم تصوّرات ناشئهٌ عن روح الخلاف والمواجهه القَبْلیه، بین هذه المدرسه وبین مدارس فکریه أخرى.
ففُهم القول بالبَداء بأنّه قولٌ بتغیّر علم الله لخفاء المصالح علیه، وبالتالی نسبه الجهل إلیه. سبحانه وتعالى عن ذلک علواً کبیراً.
وهکذا، تدخّل النزاعُ والخلافُ فی تشویه الحقیقه، وتحویل الموقف من خلافٍ بین الفکر الإسلامی ـ الذی قادته أئمّه أهل البیت (علیهم السلام) ـ وبین الفهم الیهودی المحرّف وبعض الاتجاهات الفلسفیه والکلامیه المنحرفه، إلى تهمهٍ فکریهٍ تُلصقُ بأتباع مدرسه أهل البیت (علیهم السلام)، وفهمهما لهذه المسأله.
ولإیضاح هذه المفرده العقیدیه، وبیان الفهم التوحیدی فی مدرسه أهل البیت (علیهم السلام)، نعرّف ولو بإیجاز، بمعنى البَداء، ونشأه المصطلح، ونسبه البَداء إلى الله سبحانه.
البَداء فی اللغه:
بدا الشیء بدواً وبداءً، أی: ظهر ظهوراً، قال الله تعالى: (وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ یَکُونُوا یَحْتَسِبُونَ).
(البَدَاء: ظهور الرأی بعد أن لم یکن، واستصوابُ شیءٍ عُلم بعد أن لم یُعلم. ویقال: بدا لی فی الأمر بَداء، أی ظهر لی فیه رأی آخر).
البَدَاء فی الاصطلاح:
وإذا کان هذا معنى البَداء فی اللغه، فلنتابع استعمال کلمه (البَدَاء) ونسبتها إلى الله سبحانه بلسان الشریعه ومصطلحه، وإذا شِئنا مثل هذا التحقیق فسنجد أنّ الرسول الکریم محمداً (صلى الله علیه وآله) هو أوّل من نسب (البَدَاء) إلى الله سبحانه، فی الحدیث الآتی ـ الوارد فی البخاری ـ:
عن أبی هریره رضی الله عنه، أنّه سمع رسول الله (صلى الله علیه وآله) یقول: (إنّ ثلاثه فی بنی إسرائیل: أبرصٌ، وأقرعٌ، وأعمى، بدا لله أن یبتلیهم ، فبعث إلیهم ملک، فأتى الأبرص، فقال: أیَّ شیء أحبّ إلیک ؟ قال: لونٌ حَسن، وجلدٌ حَسن ؛ قد قذّرنی الناس.
قال: فمسحه فذهب عنه، فأُعطیَ لوناً حَسناً، وجلداً حسناً. فقال: أیُّ المال أحبّ إلیک ؟ قال: الإبل ـ أو قال: البقر، هو شکَّ فی ذلک: أنّ الأبرص والأقرع: قال أحدهما الإبل ، وقال الآخر البقر ـ فأعطی ناقه عَشراء، فقال: یُبارَکُ لک فیها.
وأتى الأقرع، فقال: أیَّ شیءٍ أحبّ إلیک ؟ قال: شعراً حسناً. قال: فأیّ المال أحبّ إلیک ؟ قال: البقر. قال: فأعطاه بقرهً حامل، وقال: یُبارَکُ لک فیها.
وأتى الأعمى، فقال: أیّ شیءٍ أحبّ إلیک ؟ قال: یردّ الله إلی بصری، فأُبصِر به الناس. قال: فمسحه فرد الله إلیه بصره، قال: فأیّ المال أحبّ إلیک ؟ قال: الغنم، فأعطاه شاه والداً.
فأنتج هذان وولد هذا، فکان لهذا وادٍ من إبل، ولهذا وادٍ من بقر، ولهذا وادٍ من الغنم، ثمّ إنّه أتى الأبرص فی صورته وهیئته ، فقال: رجلٌ مسکین ، تقطعت بی الحبال فی سفری، فلا بلاغ الیوم إلا بالله ثمّ بک، أسألک بالذی أعطاک اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعیراً أتَبَلّغُ علیه فی سفری.
فقال له: إنّ الحقوق کثیره ! فقال له: کأنّی أعرفک، ألم تکن أبرصَ یقذِّرُک الناس فقیراً فأعطاک الله ؟ فقال: لقد ورثتُ لکابرٍ عن کابرٍ ! فقال: إن کنت کاذباً فصیّرک الله إلى ما کنت.
وأتى الأقرع فی صورته وهیئته، فقال له مثل ما قال لهذا، فردّ علیه مثل ماردّ علیه هذا، فقال: إن کنتَ کاذباً فصیّرک الله إلى ما کنت.
وأتى الأعمى فی صورته، فقال: رجلٌ مسکین وابن سبیل، وتقطعت بی الحبال فی سفری، فلا بلاغ الیوم إلا بالله ثمّ بک، أسألک ـ بالذی ردّ علیک بصرک ـ: شاهً أتَبَلّغُ بها فی سفری. فقال: قد کنت أعمى فردّ الله بصری، وفقیراً فقد أغنانی، فخذ ما شئت، فو الله لا أُجهدک الیوم بشیءٍ أخذته لله، فقال: أمسک مالک، فإنّما ابتلیتم، فقد رضی الله عنک، وسخط على صاحبیک).
وروی عن أبی موسى الأشعری أنّ النبی (صلى الله علیه وآله) قال: (یجمع الله (عزّ وجلّ) الأُمم فی صعید یوم القیامه، فإذا بدا لله (عزّ وجل) أن یصدع بین الخلق، مَثل لکل قوم ما کانوا یعبدون….).
وبذا نفهم أنّ الرسول الهادی (صلى الله علیه وآله) هو أوّل من استعمل کلمه البَدَاء، وأضاف معناها إلى الله سبحانه.
ولنستمع إلى الشیخ المفید وهو یوضّح معنى البَداء، الذی آمنت به الإمامیه واعتقدته، قال: (أقول فی معنى البَداء ما یُقوله المسلمون بأجمعهم فی النَّسخ وأمثاله ؛ من الإفقار بعد الإغناء، والإمراض بعد الإعفاء، والإماته بعد الإحیاء.
وما یذهب إلیه أهل العدل خاصه: من الزیاده فی الآجال والأرزاق، والنقصان منها بالأعمال، فأمّا إطلاق لفظ البَداء فإنّما صُرت إلیه بالسمع الوارد عن الوسائط بین العباد وبین الله (عزّ وجلّ).
ولو لم یرد به سمعٌ أعلمُ صحّته ما استجزت إطلاقه، کما أنّه لو لم یرد علی سمعٌ بأنّ الله تعالى یغضب ویرضى، ویحب ویعجب، لما أطلقت ذلک علیه سبحانه، ولکنّه جاء السمع به، فصرت إلیه على المعانی التی لا تأباها العقول، ولیس بینی وبین کافّه المسلمین فی هذا الباب خِلاف، وإنّما خالف من خالفهم فی اللفظ دون ما سواه، وقد أوضحت من علّتی فی إطلاقه بما یقصر معه الکلام، وهذا مذهب الإمامیه بأسره، وکل من فارقها فی المذهب ینکره ـ على ما وصفت من الاسم دون المعنى ـ ولا یرضاه).
إلاّ أنّ إساءه فهم المصطلح قد جرّت إلى حوارٍ طویلٍ بین الشیعه الإمامیه والذین اختلفوا معهم من الفرق الإسلامیه، کالأشاعره وغیرهم، خلافاً لفظیاً فی استعمال هذا المصطلح، هذا المصطلح الذی بنی على أساس استعمال الرسول الکریم محمّد (صلى الله علیه وآله) له.
أمّا دلالته ومعناه:
(فإنّ الرأی الإمامی انطلق فی فهمه من الردّ على الفکر الیهودی المحرّف الذی یذهب إلى أنّ یدَ الله مغلوله: (وَقَالَتِ الْیَهُودُ یَدُ اللّهِ مَغْلُولَهٌ غُلَّتْ أَیْدِیهِمْ)، وهو غیر قادر أن یُحدث شیئاً فی الخلق بعد أن فَرَغ منه وخلقه، واتخذ طابعه النهائی، فرفضوا الإیمان بقدره الله على التغییر فی الخلق ما یشاء، وکما رفضوا الإیمان بقدره الله على التغییر فی الخلق، رفضوا أیضاً النسخ فی التشریع ؛ کأساسٍ عقیدی لرفض الإیمان بنبوّه محمّد (صلى الله علیه وآله)، القائمه على أساس نسخ الشرائع السابقه ووجوب إتباع شریعه القرآن).
وقد استدلّ الشیعه الإمامیه بالحدیث النبوی الآنف الذکر على استعمال المصطلح لفظاً ومعنى، وعلى الآیتین الکریمتین آیه النسخ والتکوین: (یَمْحُو اللّهُ مَا یَشَاءُ وَیُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْکِتَابِ).
والنسخ هو بَدَاءٌ تشریعی، أی: تغییر فی التشریع. والمحو هو بَدَاء تکوینی أی: تغییر فی التکوین، إذ لا ینسخ إلاّ ما هو کائن ومثبّت فی عالم التحقّق التکوینی.
وهکذا یتضح أنّ الشیعه الإمامیه استعملت مصطلح البَداء بعد أن استعمله الرسول الکریم محمّد (صلى الله علیه وآله)، وفهمته بأنّه مرادف للمحو، والنسخ، والتغییر، وقد قال الله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ یُغَیِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى یُغَیِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، [ الرعد: ۱۱ ].
فقد أوضح سبحانه أنّه یمحو، ویغیّر أوضاع الناس، الاجتماعیه، والاقتصادیه، والسیاسیه، والبلاء الشخصی..إلخ، إذا ما غیّروا ما بأنفسهم.
وجاء فی الحدیث الشریف: أنّ الله سبحانه یبسط الرزق ویُنسىء فی الأجل لمن یصل رَحِمه. فأوضح بذلک أن التبدیل والتغییر متوقف عل فعل هذا المعروف، وذلک هو مصداق البداء الذی قالت به الإمامیه.
روى أبو هریره عن النبی (صلى الله علیه وآله) قال: (سمعت رسول الله (صلى الله علیه وآله) یقول: من سرّه أن یُبسَط له فی رزقه، وأن یُنسَأ له فی أثره، فلیصل رحمه).
ولنقرأ جمله من بیانات الإمام الصادق (علیه السلام) لمفهوم البداء، وتفسیره للآیه التی تحدّثت عنه.
عن منصور بن حازم، قال: (سألت أبا عبد الله (علیه السلام): هل یکون الیوم شیءٌ لم یکن فی علم الله تعالى بالأمس ؟ قال: لا، مَن قال هذا، فأخزاه الله ! قلت: أرأیت ما کان وما هو کائن إلى یوم القیامه، ألیس فی علم الله ؟ قال: بلى، قبل أن یخلق الخلق).
وروی عنه قوله (علیه السلام): (من زعم أنّ الله (عزّ وجلّ) یبدو له فی شیء لم یعلمه أمس فابرؤوا منه).
وعن عبد الله بن سنان، أنّ الإمام الصادق (علیه السلام) قال: (ما بدا لله فی شیءٍ إلاّ کان فی علمه قبل أن یَبدو له).
وعنه (علیه السلام) أنّه قال: (من زعم أنّ الله بدا له فی شیء بداء ندامهٍ، فهو عندنا کافرٌ بالله العظیم).
وعن میسر بن عبد العزیز، قال، قال لی أبو عبد الله الصادق: (یا میسر، ادع، ولا تقل إنّ الأمر قد فرغ منه…).
وقال (علیه السلام): (إنّ الله ـ عز وجل ـ لَیَدفع بالدعاء الأمر الذی علمه أن یُدعى له فیستجیب، ولو لا ما وفق العبد من ذلک الدعاء لأصابه منه ما یجثه من جدید الأرض). ثمّ أوضح معنى البداء بقوله (علیه السلام): ( إنّ الله لم یبدُ له من جهل).
وقد تحـدّث القرآن عن البَداء کمعنى ومفهوم دون أن یستعمل لفظه فی موارد کثیره من آیه وبیّاناته، کقوله تعالى: (… لِکُلِّ أَجَلٍ کِتَابٌ * یَمْحُو اللّهُ مَا یَشَاءُ وَیُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْکِتَابِ). [ الرعد: ۳۸، ۳۹ ].
وکقوله تعالى: (ما نَنسَخْ مِنْ آیَهٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَیْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ کُلِّ شَیْءٍ قَدِیرٌ )، [ البقره: ۱۰۶ ].
وقوله تعالى: (یسْأَلُهُ مَن فِی السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ کُلَّ یَوْمٍ هُوَ فِی شَأْنٍ)، [ الرحمن: ۲۹ ].
وقوله تعالى: (وَقَالَتِ الْیَهُودُ یَدُ اللّهِ مَغْلُولَهٌ غُلَّتْ أَیْدِیهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ یَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ یُنفِقُ کَیْفَ یَشَاءُ…)، [ المائده: ۶۴ ].
وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِی خَلَقَکُم مِّن طِینٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ)، [ الأنعام: ۲ ].
وقوله تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْیَ قَالَ یَا بُنَیَّ إِنِّی أَرَى فِی الْمَنَامِ أَنِّی أَذْبَحُکَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ یَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِی إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِینَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِینِ * وَنَادَیْنَاهُ أَنْ یَا إِبْرَاهِیمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْیَا إِنَّا کَذَلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِینُ * وَفَدَیْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِیمٍ)، [ الصافات: ۱۰۲ – ۱۰۷ ].
(إِنَّ اللّهَ لاَ یُغَیِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى یُغَیِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ…) ، (الرعد: ۱۱).
(لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ…)، [ الروم: ۴ ].
(وَأَیُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّی مَسَّنِیَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِینَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَکَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَیْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَهً مِّنْ عِندِنَا وَذِکْرَى لِلْعَابِدِینَ )، [ الأنبیاء: ۸۳، ۸۴ ].
( وَزَکَرِیَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِی فَرْداً وَأَنتَ خَیْرُ الْوَارِثِینَ{۸۹} فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ یَحْیَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ کَانُوا یُسَارِعُونَ فِی الْخَیْرَاتِ وَیَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَکَانُوا لَنَا خَاشِعِینَ)، [ الأنبیاء ۸۹ ، ۹۰ ].
(أَمَّن یُجِیبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَیَکْشِفُ السُّوءَ….)، [ النمل: ۶۲ ].
( یَا أَیُّهَا النَّبِیُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَى الْقِتَالِ إِن یَکُن مِّنکُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ یَغْلِبُواْ مِئَتَیْنِ وَإِن یَکُن مِّنکُم مِّئَهٌ یَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِینَ کَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ یَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنکُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِیکُمْ ضَعْفاً فَإِن یَکُن مِّنکُم مِّئَهٌ صَابِرَهٌ یَغْلِبُواْ مِئَتَیْنِ وَإِن یَکُن مِّنکُمْ أَلْفٌ یَغْلِبُواْ أَلْفَیْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِینَ)، [ الأنفال: ۶۵ – 66 ].
وهکذا یتحدّث القرآن عن التغییر والتبدیل بسبب الدعاء المخلص لله، أو بسبب ضعف المؤمنین الصادقین ورحمته بهم وعلمه بضعفهم الذی انکشف فیهم بعد التکلیف الأوّل، وهو سبحانه عالم بکل ذلک قبل أن یکلّف المقاتلین المؤمنین بمقاتله الکافرین الذین یفوقونهم عشره أضعاف عددهم.
وقد فسّر الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) وأوضح معنى البَداء الذی ورد فی الآیات، فقد فسر قول الله تعالى: (هُوَ الَّذِی خَلَقَکُم مِّن طِینٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ)، [ الأنعام: ۲ ]:
(قال: الأجل المقضی، هو المحتوم الذی قضاه الله وحتمه، والمسمى هو الذی فیه البَداء، یقدم ما یشاء، ویؤخر ما یشاء، والمحتوم لیس فیه تقدیم ولا تأخیر).
وفسّر الصادق (علیه السلام) قول الله (عزّ وجل): (وَقَالَتِ الْیَهُودُ یَدُ اللّهِ مَغْلُولَهٌ…)، [ المائده: ۶۴ ]، فقال: (لم یعنوا أنه هکذا، ولکنهم قالوا: قد فرغ من الأمر، فلا یزید ولا ینقص)، فقال الله (جلّ جلاله) تکذیباً لهم: (غُلَّتْ أَیْدِیهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ یَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ یُنفِقُ کَیْفَ یَشَاءُ…) [ المائده: ۶۴ ]. ألم تسمع الله (عزّ وجل) یقول: (یَمْحُو اللّهُ مَا یَشَاءُ وَیُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْکِتَابِ)، [ الرعد: ۳۹ ].
وفسّر قوله تعالى: (یَمْحُو اللّهُ مَا یَشَاءُ وَیُثْبِتُ…) بقوله: (وهل یمحو الله إلاّ ما کان، وهل یثبت إلاّ ما لم یکن).
وفسّر قصه أمر الله لإبراهیم بأن یذبح ولده إسماعیل، وتبدیل ذلک الأمر وفدیهِ بذبحٍ عظیم، فسّره بأنّه من أوضح مصادیق البَداء بقوله: (ما بدا لله بَدَاءٌ کما بدا له فی إسماعیل أبی، إذ أمر أباه بذبحه، ثمّ فداه بذبح عظیم).
البداء فی تحلیل العلماء:
وقد تناول علماء أهل البیت (علیهم السلام) مفهوم البَداء بالدراسه والتحلیل، فکشفوا غوامضه العقیدیه، وأوضحوا محتوى الفکره ومضمون المصطلح، نذکر من ذلک البیان: حدیث الشیخ الصدوق عن البَداء، الذی أوضح لنا معناه کما أوضح أنّ البلاء هو ردّ على الفهم الیهودی المحرّف، فقال (رحمه الله):
(لیس البَداء کما ظنه جهّال الناس بأنّه بداء ندامهٍ ـ تعالى الله عن ذلک ـ، ولکن یجب علینا أن نقرّ لله (عزّ وجل) بأنّ له البَداء، معناه أنّ له أن یبدأ بشیءٍ من خلقه فیخلقه قبل شیءٍ، ثمّ یعدم ذلک الشیء ویبدأ بخلق غیره، أو یأمر بأمرٍ، ثمّ ینهى عن مثله، أو ینهى عن شیءٍ ثمّ یأمر بمثل ما نهى عنه.
وذلک مثل: نسخ الشرایع ، وتحویل القبله، وعدّه المتوفّى عنها زوجها، ولا یأمر الله عباده بأمرٍ فی وقتٍ ما إلاّ وهو یعلم أنّ الصلاح لهم فی ذلک الوقت فی أن یأمرهم بذلک، ویعلم أنّ فی الوقت أمرهم بما یصلحهم، فمن أقرّ لله (عزّ وجل) بأنّ له أن یفعل ما یشاء، ویعدم ما یشاء، ویخلق مکانه ما یشاء، ویقدم ما یشاء، ویؤخر ما یشاء، ویأمر بما شاء کیف شاء فقد أقر بالبَداء، وما عظم الله (عزّ وجل) بشیءٍ أفضل من الإقرار بأنّ له الخلق والأمر، والتقدیم، والتأخیر، وإثبات ما لم یکن، ومحو ما قد کان.
والبَداء هو ردٌّ على الیهود ؛ لأنّهم قالوا: إنّ الله قد فرغ من الأمر. فقلنا: إنّ الله کل یوم هو فی شأن، یُحیی ویمیت ویرزق ویفعل ما یشاء، والبَداء لیس من ندامه، وإنّما هو ظهور أمر.
یقول العرب: بدا لی شخص فی طریقی، أی ظهر، قال الله (عزّ وجل): (وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ یَکُونُوا یَحْتَسِبُونَ )، [ الزمر: ۴۷ ]. أی ظهر لهم، ومتى ظهر لله ـ تعالى ذکره ـ من عبدٍ صله لرحمه زاد فی عمره، ومتى ظهر له منه قطیعه لرحمه نقص من عمره، ومتى ظهر له من عبدٍ إتیان الزنا نقص من رزقه وعمره، ومتى ظهر له منه التعفّف عن الزنا زاد فی رزقه وعمره).
وتحدث السید الداماد فی نبراس الضیاء، وهو من فلاسفه الشیعه وعلمائهم البارزین فی القرن الحادی عشر، تحدث عن البَداء فقال:
(البَداء منزلته فی التکوین منزله النسخ فی التشریع، فما فی الأمر التشریعی والأحکام التکلیفیه نسخٌ فهو فی الأمر التکوینی والمکوّنات الزمانیه بداءٌ، فالنسخ کأنّه بداء تشریعی، والبَداء کأنّه نسخ تکوینی.
ولا بداء فی القضاء، ولا بالنسبه إلى جانب القدس الحق… وإنّما البَداء فی القدر، وفی امتداد الزمان الذی هو أفق التقضّى والتجدد…
وکما حقیقه النسخ عند التحقیق انتهاء الحکم التشریعی وانقطاع استمراره، لا رفعه وارتفاعه من وعاء الواقع، فکذا حقیقه البَداء عند الفحص البالغ انبتات استمرار الأمر التکوینی وانتهاء اتصال الإفاضه.
ومرجعه إلى تحدید زمان الکون، وتخصیص وقت الإفاضه، لا أنّه ارتفاع المعلول الکائن عن وقت کونه، وبطلانه فی حد حصوله).
وتحدث العلامه المجلسی عن البَداء، وعن أصاله الفکر الإمامی ودفاعه عن عقیده التوحید بتثبیت مفهوم البَداء، فقال:
(فنقول – وبالله التوفیق -: إنّهم إنّما بالغوا فی البَداء رداً على الیهود الذین یقولون: إنّ الله خلق الموجودات دُفعه واحدهً على ما هی علیه الآن: معادن، ونباتاً، وحیواناً، وإنسان، ولم یتقدم خلق آدم على خلق أولاده، والتقدم إنّما یقع فی ظهورها من الفلاسفه، وعلى بعض الفلاسفه القائلین بالعقول والنفوس الملکیه، وبأنّ الله تعالى لم یؤثّر حقیقه إلا فی العقل الأوّل، فهم یعزلونه تعالى عن ملکه، وینسبون الحوادث إلى هؤلاء، فنفوا ذلک، وأثبتوا أنّه تعالى کل یوم فی شأن، من إعدام شیء، وإحداث شیء آخر، وإماته شخص، وإحیاء آخر إلى غیر ذلک، لئلا یترک العباد التضرع إلى الله ومسألته وطاعته، والتقریب إلیه بما یصلح أمور دنیاهم وعُقباهم، ولیرجعوا عند التصدّق على الفقراء، وصله الأرحام، وبر الوالدین، والمعروف والإحسان، ما وعدوا علیها من: طول العمر، وزیاده الرزق، وغیر ذلک).
وتحدث المرجع الدینی السید أبو القاسم الخوئی (قدس سره) عن البَداء، وعن قدره الله ومشیئته وعلمه سبحانه، فقال:
(لا ریب فی أنّ العالم بأجمعه تحت سلطان الله وقدرته، وأنّ وجود أیّ شیءٍ من الممکنات منوطٌ بمشیئته تعالى، فإنّ شاء أوجده، وإنّ لم یشأ لم یوجده، ولا ریب ـ أیضاً ـ فی أنّ علم الله سبحانه قد تعلّق بالأشیاء کلّها منذ الأزل، وأن الأشیاء بأجمعها کان لها تعیّن علمی فی علم الله الأزلی، وهذا التعیّن یعبر عنه بـ (تقدیر الله) تارهً، وبـ (قضائه) تارهً أخرى…
فمعنى تقدیر الله تعالى للأشیاء وقضائه بها: أنّ الأشیاء جمیعها کانت متعیّنه فی العلم الإلهی منذ الأزل على ما هی علیه من أنّ وجودها معلّق على أنّ تتعلّق المشیئه به، حسب اقتضاء المصالح والمفاسد التی تختلف باختلاف الظروف والتی یحیط بها العلم الإلهی).
ثمّ أوضح بعد ذلک موقف الفکر الیهیودی المنحرف من قدره الله تعالى، فقال: (وذهب الیهود إلى أنّ قلم التقدیر والقضاء حینما جرى على الأشیاء فی الأزل استحال أن تتعلّق المشیئه بخلافه، ومن أجل ذلک قالوا: ید الله مغلوله عن القبض والبسط، والأخذ والإعطاء ؛ فقد جرى فیها قلم التقدیر، ولا یمکن فیها التغییر).
وهذا القسم هو الذی یقع فیه البداء: (یَمْحُو اللّهُ مَا یَشَاءُ وَیُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْکِتَابِ)[ الرعد: ۳۹ ]، (لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ) [ الروم: ۴ ].
ثمّ أوضح رأی الشیعه الإمامیه فی البداء بقوله: (موقع البَداء عند الشیعه الإمامیه : ثمّ إنّ البَداء الذی تقول به الشیعه الإمامیه إنّما یقع فی القضاء غیر المحتوم، أمّا المحتوم منه فلا یتخلّف، ولا بدّ من أنّ تتعلّق المشیئه بما تعلّق به القضاء).
ثمّ استدلّ لذلک بتفسیر أئمّه أهل البیت (علیهم السلام): الإمام الباقر، والصادق، والکاظم (علیهم السلام)، لقول الله (عزّ وجل): (فِیهَا یُفْرَقُ کُلُّ أَمْرٍ حَکِیمٍ) [ الدخان: ۴ ]:
(أی: یقدّر الله کل أمر من الخلق ومن الباطل، وما یکون فی تلک السنه، وله فیه البَداء والمشیئه، یقدّم ما یشاء، ویؤخّر ما یشاء، من الآجال، والأرزاق، والبلایا، والأعراض والأمراض، ویزید وینقص ما یشاء…).
ثمّ یلخّص رأی الشیعه الإمامیه بقوله: (وخلاصه القول: أنّ القضاء الحتمی المعبّر عنه باللوح المحفوظ وأمّ الکتاب، والعلم المخزون عند الله، یستحیل أنّ یقع فیه البَداء، وکیف یتصور فیه البَداء ؟).
وأنّ الله ـ سبحانه ـ عالمٌ بجمیع الأشیاء منذ الأزل، لا یعزب عن علمه مثقال ذرهٍ فی الأرض ولا فی السماء.
روى الصدوق فی (کمال الدین) بإسناده، عن أبی بصیر أو سماعه عن أبی عبد الله (علیه السلام)، قال: (من زعم: أنّ الله (عزّ وجل) یبدو له فی شیءٍ لم یعلمه فابرأوا منه).
وروى العیاشی، عن ابن سنان، عن أبی عبد الله (علیه السلام): (أنّ الله یقدّم ما یشاء ویؤخّر ما یشاء، ویمحو ما یشاء ویُثبت ما یشاء وعنده أمّ الکتاب. وقال: فکل أمرٍ یریده الله فهو فی علمه قبل أن یصنعه، لیس شیء یبدو له إلا وقد کان فی علمه، إنّ الله لا یبدو له من جهل).
ثمّ أوضح بعد ذلک لماذا البحث فی مسأله البَداء، فقال: (فالقول فی البَداء هو الاعتراف الصریح بأنّ العالم تحت سلطانه وقُدرته، فی حدوثه وبقائه، وأنّ إراده الله نافذهٌ فی الأشیاء أزلاً وأبداً…
والقول بالبَداء یوجب انقطاع العبد إلى الله وطلبه إجابه دعائه منه، وکفایه مهمّاته وتوفیقه للطاعه وإبعاده عن المعصیه، فإنّ إنکار البَداء والالتزام بأنّ ما جرى به قلم التقدیر کائنٌ لا محاله ـ دون استثناء ـ یلزمه یأس المعتقِد بهذه العقیده عن إجابه دعائه…
والسر فی هذا الاهتمام: أنّ إنکار البَداء یشترک بالنتیجه مع القول بأنّ الله غیر قادرٍ على أن یغیّر ما جرى علیه قلم التقدیر. تعالى الله عن ذلک علواً کبیراً).
وجریاً على هذه القاعده، ناقش الخواجه نصیر الدین الطوسی الفلاسفه الذین نَفوا علم الله بالجزیئات بقوله: (وتغیّر الإضافات ممکن).
وعلّق الشارح ـ العلاّمه الحلّی ـ على ذلک بقوله:
(أقول: هذا الجواب عن اعتراض الحکماء القائلین بنفی علمه تعالى بالجزیئات الزمانیه. وتقریر الاعتراض: أنّ العلم یجب تغیّره عند تغیّر المعلوم وإلاّ لانتفت المطابقه، لکنّ الجزیئات الزمانیه متغیّره ؛ فلو کانت معلومه عند الله تعالى، لزم تغیّر علمه تعالى، والتغیر فی علم الله تعالى محالٌ.
وتقریر الجواب: أنّ التغیّر هذا إنّما هو فی الإضافات لا فی الذات، ولا فی الصفات الحقیقیه…).
وهکذا یتضح الرأی الإمامی فی مفهوم البَداء، وتتحدّد معالمه الأساسیه، من خلال ما بینه أئمّه أهل البیت (علیهم السلام)، وعرضه، وناقشه، علماء ومتکلمو الإمامیه.
فهو لا یعنی تغیّر علم الله تعالى، ولانقض إرادته ؛ بأنّ علمه سابق لما سیکون وسیحدث من تغییر موقوف على تغییر المصالح والأوضاع البشریه، کأن یغیّر الإنسان ما بنفسه من سوء أو خیر، فیغیّر الله ویحدث له وضعاً آخر، أو یحدث الإنسان طاعهً، کالدعاء، أو الصدقه، أو البر والإحسان، فیدفع الله عنه السوء والمکروه، وینجز له طَلِبته.
فأنّ الأمر لا یخرج من ید الله ومشیئته، واستدلّوا لذلک بقوله تعالى: (یَمْحُو اللّهُ مَا یَشَاءُ وَیُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْکِتَابِ) [ الرعد: ۳۹ ]، (مَا نَنسَخْ مِنْ آیَهٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَیْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا …) [ البقره: ۱۰۶ ].
وبقوله: (لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ) [ الروم: ۴ ]، (إِنَّ اللّهَ لاَ یُغَیِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى یُغَیِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، [ الرعد: ۱۱ ].