متعه الحج
ونحن نرى أنه کان ممن یجتهد تجاه النص، ویأخذ بالرأی، مکان الأخذ بالدلیل. إن العاطفه الدینیه هی التی دفعت الکاتب المصری إلى ذلک التفسیر، ولو أنه تأمل فیما سبق من تنفیذ طلاق الثلاث، وما یأتی منه فی هذه المسأله من تحریم حج التمتع، وحصره فی القران والإفراد، یقف على أنه کان ممن یقدم المصلحه المزعومه على الذکر الحکیم وتنصیص النبی الأکرم، وإنه ما نهى عن متعه الحج وما هدد بفاعلها إلا أنه کان یکره أن یغتسل الحاج تحت الأراک ثم یفیض منه إلى الحج ورأسه یقطر ماء، لأن التحلل من محظورات الإحرام بین العمره والحج، من لوازم ذاک النوع من الحج، وهو مما کان لا یروقه.
ــــــــــــــــــ
(۱) أحمد أمین، فجر الإسلام ۲: ۲۳۸ نشر دار الکتاب. (*)
وإن کنت فی شک فاقرأ ما نتلوه علیک:
اتفق الفقهاء على أن أنواع الحج ثلاثه: تمتع، وقران، وإفراد.
والمقصود من الأول، هو إحرام الشخص بالحج فی أشهره (شوال وذی القعده وذی الحجه).
والإتیان بأعمالها، والتحلل من محظورات الإحرام بالفراغ منها، ثم الإحرام بالحج من مکه والإتیان بأعماله من الوقوف بعرفات والإفاضه إلى المشعر و… ویصح هذا النوع من الحج ممن کان آفاقیا، أی من لم یکن أهله حاضری المسجد الحرام ویبتعد بیته عن مکه بمقدار یجوز فیه تقصیر الصلاه. وعند الإمامیه من نأى عن مکه (۴۸) میلا من کل جانب وهو لا یتجاوز عن (۱۶) فرسخا.
وأما القسمان الآخران، فالقران عند أهل السنه هو الإحرام بالحج والعمره معا ویقول: لبیک اللهم بحج وعمره، فیأتی بأعمال الحج أولا ثم العمره بإحرام واحد، وهو القران الحقیقی.
وهناک قسم یسمى بالقران الحکمی، وهو أن یدخل إحرام الحج فی إحرام العمره، ثم یجمع بین أعمالها.
وذلک بأن یحرم بالعمره أولا، وقبل أن یطوف لها، إما أربعه أشواط، أو قبل أن یشرع فیه یحرم للحج، على اختلاف بین الحنفیه والشافعیه، وهل یکتفی بطواف وسعی واحد، أو لکل طوافه وسعیه ؟ فیه اختلاف.
وأما الإفراد، فهو أن یحرم بالحج من میقات بلده، وبعد الفراغ من أعماله، یحرم بالعمره.
والقران والإفراد، یشترک فیهما جمیع الناس ولا یختص بغیر الآفاقی.
هذا لدى أهل السنه، وأما الإمامیه، فالقران والإفراد واجب على من لم یکن بین مکه وبیته (۴۸) میلا، وأما النائی عن هذا الحد، فواجبه هو حج التمتع.
والقران والإفراد، لیسا أمرین متغایرین عندهم، بل یتمتع کل منهما بإحرام للحج وإحرام للعمره، غیر أن الإحرام فی الأول یقترن بسوق الهدی دون الثانی، وعلى ذلک لا یجوز عندهم الإتیان بالحج والعمره بإحرام واحد، ولا إدخال إحرام الحج فی إحرام العمره، کما فی القران الحکمی (۱).
والأصل حج التمتع، کما فی قوله سبحانه: { فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَهِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَیْسَرَ مِنَ الْهَدْیِ فَمَن لَّمْ یَجِدْ فَصِیَامُ ثَلاثَهِ أَیَّامٍ فِی الْحَجِّ وَسَبْعَهٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْکَ عَشَرَهٌ کَامِلَهٌ ذَلِکَ لِمَن لَّمْ یَکُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِی الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِیدُ الْعِقَابِ } (۲).
ـــــــــــــــــ
(۱) لاحظ المختصر النافع للمحقق الحلی: ۷۸، الجامع لأحکام القرآن للقرطبی ۲: ۳۹۱، المغنی لابن قدامه ۳: ۲۳۳، الفقه على المذاهب الأربعه للجزیری ۲: ۶۸۴ وغیرها.
(۲) البقره: ۱۹۶٫ (*)
وتفسیر الآیه: أن من { تَمَتَّعَ } بسبب الإتیان { بِالْعُمْرَهِ } بما یحرم على المحرم، کالطیب والمخیط والنساء ومتوجها { إِلَى الْحَجِّ } علیه { فَمَا اسْتَیْسَرَ مِنَ الْهَدْیِ } من البدنه أو البقره أو الشاه. ثم بین کیفیه الصیام وقال: { ثَلاثَهِ أَیَّامٍ فِی الْحَجِّ } متوالیات و { وَسَبْعَهٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } إلى أوطانکم { تِلْکَ عَشَرَهٌ کَامِلَهٌ } أی التمتع بالعمره إلى الحج فرض على من { لَّمْ یَکُنْ أَهْلُهُ } باعتبار موطنه ومسکنه { حَاضِرِی الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } أی لم یکن من أهل مکه وقراها { وَاتَّقُواْ اللّه } فیما أمرتم به ونهیتم عنه فی أمر الحج { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِیدُ الْعِقَابِ }.
والآیه صریحه فی جواز التمتع بمحظورات الإحرام بعد الإتیان بأعمال العمره، وقبل التوجه إلى الحج، ولم یدع أحد کونها منسوخه بآیه، أو قول أو فعل، بل أکد النبی الأکرم تشریعه بعمله.
روى أهل السیر والتاریخ: أن رسول الله خرج فی العام العاشر من الهجره إلى الحج لخمس لیال بقین من ذی القعده، وقالت عائشه: لا یذکر ولا یذکر الناس إلا الحج حتى إذا کان بسرف وقد ساق رسول الله (صلى الله علیه وآله) معه الهدی، وأشراف من أشراف الناس، أمر الناس أن یحلوا بعمره إلا من ساق الهدی – إلى أن قالت: – ودخل رسول الله مکه فحل کل من کان لا هدی معه، وحلت نساؤه بعمره – إلى أن قال: – لما أمر رسول الله نساءه أن یحللن بعمره قلن: فما یمنعک یا رسول الله أن تحل معنا ؟ فقال: إنی أهدیت ولبوت فلا أحل حتى أنحر هدیی. إن رسول الله کان بعث علیا (رضی الله عنه) إلى نجران فلقیه بمکه وقد أحرم فدخل على فاطمه بنت رسول الله (صلى الله علیه وآله) فوجدها قد حلت وتهیأت فقال: ما لک یا بنت رسول الله ؟ قالت: أمرنا رسول الله (صلى الله علیه وآله) أن نحل بعمره فحللنا، ثم أتى رسول الله، فلما فرغ من الخبر عن سفره قال له رسول الله (صلى الله علیه وآله): انطلق فطف بالبیت وحل کما حل أصحابک، قال: یا رسول الله إنی أهللت کما أهللت فقال: ارجع فاحلل کما حل أصحابک، قال: یا رسول الله إنی قلت حین أحرمت: اللهم إنی أهل بما أهل به نبیک وعبدک ورسولک (صلى الله علیه وآله) قال: فهل معک من هدی ؟ ! قال: لا. فأشرکه رسول الله فی هدیه وثبت على إحرامه مع رسول الله حتى فرغا من الحج، ونحر رسول الله الهدی عنهما (۱).
ـــــــــــــــــ
(1) ابن هشام، السیره النبویه ۲: ۶۰۱ – ۶۰۲ و ۴: ۲۴۸ – ۲۴۹٫ (*)
هذا هو الذکر الحکیم المدعم بالسنه وإجماع الأمه، ومع ذلک نرى أن بعض الصحابه لا یروقه متعه الحج لا فی عصر الرساله ولا بعده بل یفتی بتحریمها ! وإلیک البیان:
1 – روى أبو داود أن النبی أمر أصحابه أن یجعلوها عمره، یطوفوا ثم یقصروا ویحلوا إلا من کان معه الهدی فقالوا: أننطلق إلى منى وذکورنا تقطر ؟ فبلغ ذلک رسول الله فقال: " لو أنی استقبلت من أمری ما استدبرت ما أهدیت، ولولا أن معی الهدی لأحللت " (1).
2 – روى مالک، عن محمد بن عبد الله أنه سمع سعد بن أبی وقاص والضحاک ابن قیس عام حج معاویه بن أبی سفیان ومما یذکران أن التمتع بالعمره إلى الحج. فقال الضحاک بن قیس: لا یفعل ذلک إلا من جهل أمر الله عز وجل. فقال سعد: بئس ما قلت یا ابن أخی، فقال الضحاک: إن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلک، فقال سعد: قد صنعها رسول الله وصنعناها معه (۲).
3 – وروی عن عبد الله بن عمر أنه قال: والله لئن أعتمر قبل الحج وأهدی أحب إلی من أن أعتمر بعد الحج فی ذی الحجه (۳).
4 – روى الترمذی عن سالم بن عبد الله أنه سمع رجلا من أهل الشام وهو یسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمره إلى الحج. فقال عبد الله بن عمر: هی حلال، فقال الشامی: إن أباک قد نهى عنها ! فقال عبد الله بن عمر: أرأیت إن کان أبی نهى عنها وصنعها رسول الله (صلى الله علیه وآله) أأمر أبی نتبع أم أمر رسول الله (صلى الله علیه وآله) ؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله (صلى الله علیه وآله)، فقال: لقد صنعها رسول الله (صلى الله علیه وآله) (۴).
ـــــــــــــ
(۱) أبو داود، السنن ۲: ۱۵۶ / ۱۷۸۹٫
(۲) الإمام مالک، الموطأ، کتاب الحج رقم ۶۰، والترمذی، السنن، کتاب الحج رقم ۸۲۳٫
(۳) الموطأ، کتاب الحج، رقم ۶۱٫
(۴) الترمذی، الصحیح، کتاب الحج، باب ما جاء فی التمتع رقم ۸۲۴٫
(۵) مسلم، الصحیح ۴: ۳۸، کتاب الحج، باب فی المتعه بالحج والعمره. (*)
۵ – روى مسلم عن أبی نضره قال: کان ابن عباس یأمر بالمتعه، وکان ابن الزبیر ینهى عنها، قال: فذکرت ذلک لجابر بن عبد الله فقال: على یدی دار الحدیث وتمتعنا مع رسول الله (صلى الله علیه وآله) فلما قام عمر قال: إن الله کان یحل لرسوله ما شاء، بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمره لله کما أمرکم الله – إلى أن قال فی الحدیث: – فافصلوا حجکم من عمرتکم، فإنه أتم لحجکم وأتم لعمرتکم (۵).
ومن العجب أن الزرقانی یقوم بتصویب فتوى الخلیفه ویعلق على الروایه ویقول: الإتمام فی قوله سبحانه: { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَهَ لِلّهِ } یقتضی استمرار الإحرام إلى فراغ الحج ومنع التحلل، والمتمتع متحلل ویستمتع بما کان محظورا علیه (۱).
یلاحظ علیه أولا: لو صح ما ذکره من التفسیر تلزم المعارضه بین صدر الآیه، أعنی قوله: { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَهَ لِلّهِ } وبین ذیلها الدال على جواز التمتع بین الإحرامین بقوله: { فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَهِ إِلَى الْحَجِّ } وهو کما ترى.
وثانیا: أن الإتمام یهدف إلى فعل کل من الحج والعمره تماما، بمعنى: إذا شرعتم فی فعل کل فأتموه، مثل قوله: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِیمَ رَبُّهُ بِکَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} (۲) وقوله سبحانه: { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّیَامَ إِلَى الَّلیْلِ } (۳)، لا إلى الاستمرار.
وثالثا: إذا کان التفسیر تبریرا لنهی الخلیفه، فهو فی الوقت نفسه تخطئه للنبی الأکرم، حیث أمر أصحابه وأهل بیته بالتحلل، وإنما هو لم یتحلل لسوقه الهدی.
نعم أراد الخلیفه من قوله: " فافصلوا حجکم من عمرتکم "، هو الإتیان بالعمره فی غیر أشهر الحج.
روى الجصاص عن ابن عمر أن عمر قال: أن تفرقوا بین الحج والعمره، فتجعلوا العمره فی غیر أشهر الحج، أتم لحج أحدکم (۴).
6 – روى الإمام أحمد عن أبی نضره عن جابر قال: متعتان کانتا على عهد النبی، فنهانا عنها عمر (رضی الله عنه) فانتهینا (۵).
ـــــــــــــــــــ
(۱) تعلیقه الزرقانی، المطبوعه بهامش صحیح مسلم ۴: ۳۸٫
(۲) البقره: ۱۲۴٫
(۳) البقره: ۱۸۷٫
(۴) الجصاص، أحکام القرآن ۱: ۲۸۵٫
(۵) الإمام أحمد، المسند ۱: ۵۲ و ۳: ۳۲۵٫ (*)
۷ – روى ابن حزم فی المحلى بسنده قال: قال عمر بن الخطاب: متعتان کانتا على عهد رسول الله (صلى الله علیه وسلم) وأنا أنهى عنهما وأضرب علیهما – ثم قال: – هذا لفظ أیوب، وفی روایه خالد: أنا أنهى عنهما وأعاقب علیهما: متعه النساء ومتعه الحج (۱).
8 – لم یکن نهی الخلیفه عن متعه الحج مستندا إلى دلیل شرعی وإنما نهى عنه لما کرهه أن یظلوا معرسین بهن فی الأراک، ثم یروحون بالحج تقطر رؤوسهم (۲).
وهذا هو الذی نوهنا عنه فی صدر البحث: أن الخلیفه ومن لف لفه، کانوا یقدمون المصالح المزعومه على النصوص الشرعیه مهما تضافرت وتواترت. ثم إن المتأخرین أرادوا حفظ کرامه الخلیفه، فحرفوا الکلم عن مواضعه وأولوا نهی الخلیفه بوجهین:
1 – قالوا: إن ما حرمه وأوعد علیه، غیر هذا، وإنما هو أن یحرم الرجل بالحج حتى إذا دخل مکه فسخ الحج إلى العمره، ثم حل وأقام حلالا حتى یهل بالحج یوم الترویه (۳).
ـــــــــــــــــــــــــ
(۱) ابن حزم، المحلى ۷: ۱۰۷، القرطبی، الجامع لأحکام القرآن ۲: ۳۹۲٫
(۲) الإمام أحمد، المسند ۱: ۵۰، ابن ماجه، السنن ۲، کتاب الحج، باب التمتع بالعمره إلى الحج، رقم ۲۹۷۹، والبیهقی، السنن ۵: ۲۰٫
(۳) القرطبی، الجامع لأحکام القرآن ۲: ۲۹۲٫ (*)
وهذا – کما ترى – لا یوافق ما مر من النصوص، خصوصا ما نقلناه من المناظره بین سعد والضحاک بن قیس من صحیح مسلم. ومن یقف على النصوص الکثیره، والمناظره الدائره بین النبی وأصحابه، وبین الصحابه أنفسهم یطمئن إنما نهى عن حج التمتع.
وقد روى البخاری عن مروان بن الحکم قال: شهدت عثمان وعلیا – رضی الله عنهما – وعثمان ینهى عن المتعه وأن یجمع بینهما، فلما رأى علی (النهی) أهل بهما:
لبیک بعمره وحجه قال: ما کنت لأدع سنه النبی (صلى الله علیه وآله) لقول أحد (۱).
2 – إن نهی الخلیفه عن متعه الحج لاختصاص إباحه المتعه بالصحابه فی عمرتهم مع رسول الله فحسب.
ویکفینا فی الرد علیه قول ابن قیم الجوزیه: " إن تلکم الآثار الداله على الاختصاص بالصحابه بین باطل لا یصح، عمن نسب إلیه البته، وبین صحیح عن قائل غیر معصوم لا یعارض به نصوص المشرع المعصوم، ففی صحیحه الشیخین وغیرهما عن سراقه بن مالک قال: متعتنا هذه یا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد ؟ قال: " لا بل للأبد " (2).
قال العینی فی قوله سبحانه: { فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَهِ إِلَى الْحَجِّ }: أجمع المسلمون على إباحه التمتع فی جمیع الأعصار، وأما السنه فحدیث سراقه: المتعه لنا خاصه أم هی للأبد ؟ قال: " بل للأبد "، وحدیث جابر المذکور فی صحیح مسلم فی صفه الحج نحو هذا.
ومعناه أن أهل الجاهلیه کانوا لا یجیزون التمتع، ولا یرون العمره فی أشهر الحج، فبین النبی (صلى الله علیه وآله) أن الله قد شرع العمره فی أشهر الحج وجوز المتعه إلى یوم القیامه (۳).
ــــــــــــــــــــ
(۱) العینی، عمده القاری ۵: ۱۹۸٫
(۲) صحیح البخاری ۳: ۱۴۸ کتاب الحج، باب عمره التنعیم، مسند أحمد ۳: ۳۸۸ و ۴: ۱۷۵، سنن البیهقی ۵: ۱۹٫
(۳) العینی، عمده القاری ۵: ۱۹۸٫ (*)