مراحل حیاه الزهراء (علیها السلام)
فأصبحت تستظلّ بظلال أبیها محمد(صلى الله علیه وآله) وفی کنف دوله الإسلام الفتیه، تسعى جاهده لأداء مهامّها الرسالیّه والعائلیه جنباً إلى جنب، حتى غربت شمس النبوّه العظمى بوفاه الرسول الأعظم(صلى الله علیه وآله)، وحدثت الطامّه الکبرى فی إفلات زمام الزعامه السیاسیه للدوله الإسلامیه الفتیه من ید الإمام علی ابن أبی طالب(علیه السلام) ، فکانت العضد الوحید للإمام علی بن أبی طالب(علیه السلام)المسؤول عن معالجه الموقف الحرج معالجه رسالیه بعیده عن التحیّز القبلی أو العاطفی.
لقد عاشت الزهراء(علیها السلام) فی کنف زوجها الإمام علی(علیه السلام) بعد أبیها(صلى الله علیه وآله) فتره قصیره جداً وتجرّعت من الغصص والمحن ما لم یعلم مدى مرارتها إلاّ الله سبحانه وتعالى بارئ النفوس وعلاّم الغیوب.
ومن هنا ارتأینا أن نقسّم دراستنا هذه لمراحل حیاتها کما یلی:
المرحله الاُولى: مرحله الطفوله فی ظل أبیها(صلى الله علیه وآله) واُمّها(علیها السلام).
المرحله الثانیه: حیاتها بعد وفاه خدیجه(علیها السلام) مع أبیها(صلى الله علیه وآله) حتى زواجها.
المرحله الثالثه: حیاتها منذ زواجها مع علیّ(علیه السلام) حتى وفاه الرسول(صلى الله علیه وآله).
المرحله الرابعه: حیاتها بعد وفاه أبیها حتى مرضها.
المرحله الخامسه: حیاتها فی فتره مرضها حتى استشهادها(علیها السلام).
وسوف نتابع دراسه المراحل الثلاث الاُولى فی الفصل الثالث من هذا الباب.
ونخصّص الفصل الأول من الباب الثالث لدراسه المرحله الرابعه من حیاتها(علیها السلام).
بینما نخصّص الفصل الثانی منه لدراسه المرحله الخامسه من حیاتها سلام الله علیها.
فاطمه(علیها السلام) فی مرحله الطفوله
حین نطالع الفتره التی ولدت فیها الزهراء(علیها السلام) نجد أنّ مجتمع الجزیره ـ آنذاک ـ عاش أحداثاً خطیره وصراعات وأوضاعاً متأزّمه ، فالدعوه الجدیده التی جاء بها النبی الأکرم جعلت المجتمع على مفترق طرق .
ومن الناحیه الاقتصادیه کان فقیراً بحکم طبیعته ، إلاّ من حرکه اقتصادیه ضعیفه کانت تقتصر على التجاره المحدوده مع بلاد الیمن والشام .
ومن الناحیه الاجتماعیه فقد کانت تسوده الدیانه الکافره والتقالید البالیه والعنصریه القبلیه ، وتطغى علیه الحروب والغارات التی تشنها قبیله على اُخرى لأسباب قد لا تکون معقوله أبداً، وکانت ظاهره وأد البنات من أقسى ظواهره المتخلفه .
فی هذه الفتره بعث النبی (صلى الله علیه وآله) ـ وعمره أربعون عاماً ـ فانطلقلوحده لیقف بوجه الکفر العالمی وعباده الأصنام والشرک ، ویغالب المشاکل والمصاعب الخطیره ، فبلّغ بالدعوه سرّاً فی أول الأمر حفاظاً علیها من الأعداء، حتى جاء أمر الله بإعلان الدعوه واقتحام صفوف الباطل، فأعلن
الرسول دعوته ، ودعا الناس إلى الإسلام ، وأخذ عدد المسلمین یزداد یوماً بعد یوم ، وأحسّ أعداء الإسلام بالخطر من هذا التیار الجدید فوثبت کلّ قبیله على من فیها من مستضعفی المسلمین ، فجعلوا یحبسونهم ویعذّبونهم بألوان العذاب من الضرب والتجویع والترک على حرّ الرمال وکیّهم بالنار فی محاوله منهم لافتتان المسلمین وردعهم عن دینهم ، فلمّا رأى رسول الله(صلى الله علیه وآله) ما یصیب أصحابه من البلاء قال لهم : « لو خرجتم إلى أرض الحبشه حتى یجعل الله لکم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فیه » فاستجاب المسلمون لأمر الرسول (صلى الله علیه وآله) فخرجوا وترکوا أرضهم وأموالهم ، مخافه الفتنه وفراراً إلى الله بدینهم(۱) .
۱ ـ فاطمه (علیها السلام) فی شِعب(۲) أبی طالب (علیه السلام) :
لمّا رأت قریش أنّ أصحاب الرسول (صلى الله علیه وآله) قاوموهم وتحمّلوا أذاهم ، وأنّ الاسلام أخذ یعلو شأنه وینتشر فی القبائل ، وعجزوا عن صدّه; ائتمروا بینهم على قتل الرسول (صلى الله علیه وآله) ، فلمّا أحسّ أبو طالب بذلک انحاز إلى شعبه ، واجتمع الیه بنو هاشم وبنو عبد المطلب لیحموا الرسول (صلى الله علیه وآله) وکان حمزه عمّ النبی (صلى الله علیه وآله) یحرسه حتى الصباح ، فحاصرتهم قریش حصاراً اقتصادیاً شدیداً ، وکتبوا بینهم کتاباً یتعاقدون فیه على أن لا یبیعوهم ولا یبتاعوا منهم شیئاً ، فأقاموا على ذلک سنتین أو ثلاثاً حتى جهدوا ، لا یصل إلى أحدهم شیء إلاّ سرّاً ، والجوع یشتد ببنی هاشم ویتعالى صراخ الأطفال الجیاع أحیاناً.
فی هذا الظرف العصیب والقاسی قضت الزهراء (علیها السلام) شطراً من أیام الرضاعه فی شعب أبی طالب ، ثم فطمت من اللبن، وهناک درجت تمشی على رمضاء الشعب ، وتعلّمت النطق وهی تسمع أنین الجیاع وصراخ الأطفال المحرومین، وبدأت تأکل فی زمن الحرمان والفاقه، وإذا ما استیقظت فی هدأه اللیل وجدت الحرس یدورون ـ بحذر وترقّب ـ حول أبیها یخافون علیه من غدر الأعداء فی حلکه اللیل، ثلاث سنین تقریباً والزهراء (علیها السلام) فی هذا السجن لا یربطها بالعالم الخارجی أیّ شیء حتى أدرکت سن الخامسه .
وفاه السیّده خدیجه وعام الحزن :
وتمرّ سنون الحصار صعبه ثقیله، ویخرج رسول الله (صلى الله علیه وآله) ومن معه من الحصار والمقاطعه ، وقد کتب الله تعالى لهم النصر والغلبه ، وتخرج خدیجه وقد أثقلتها السنون وأرهقها عناء الحصار والحرمان ، وها هی قد قضت بالجدّ والصبر عمرها الجهادی المشرق وحیاتها المثالیه الفریده فی دنیا المرأه ، لقد قرب أجل خدیجه وشاء الله تعالى أن یختارها لجواره ، فتتوفى فی ذلک العام الذی خرج فیه بنو هاشم من الحصار وکان العام العاشر من البعثه .
وتوفّی فی العام ذاته أبو طالب عمّ الرسول (صلى الله علیه وآله) وحامی الدعوه الإسلامیه وناصر الإسلام، ولقد شعر رسول الله بالحزن والأسى ، وأحسّ بالفراق والوحشه ، إنّه فقد الحبیب والعون والمواسی ، فقد خدیجه زوجته وحبیبته وعونه، وفقد عمّه الحامی والمدافع عنه ، فسمّى ذلک العام بــ ( عام الحزن ) .
ولیس رسول الله (صلى الله علیه وآله) وحده هو الذی رزئ فی ذلک العام، بل وفاطمه الصبیه الصغیره التی لم تشبع من حنان الاُمومه وعطف الوالده بعد ، فقد شاطرته المأساه ورزئت هی الاُخرى ، فشملتها المحنه فی ذلک العام الحزین، وشعرت بغمامه الحزن والیتم تخیّم على حیاتها الطاهره .
ویحسّ الأب الرسول (صلى الله علیه وآله) بوطأه الحزن على نفس فاطمه (علیها السلام) ویرى دموع الفراق تتسابق على خدیها، فیرقّ القلب الرحیم ، وتفیض مشاعر الود والاُبوه الصادقه ، فیحنو رسول الله (صلى الله علیه وآله) على فاطمه ، یعوضها من حبّه وحنانه ما فقدته فی اُمهّا من حبّ ورعایه وحنان .
لقد أحبّ رسول الله (صلى الله علیه وآله) فاطمه وأحبته وحنا علیها وحنت علیه ، فلم یکن أحد أحبّ إلى قلبه ولا إنسان أقرب إلى نفسه من فاطمه ، لقد أحبها وکان یؤکّد ـ کلّما وجد ذلک ضروریاً ـ هذه العلاقه بفاطمه ، ویوضّح مقامها ومکانتها فی اُمّته ، وهو یُمهّد لأمر عظیم وقدر خطیر یرتبط بفاطمه ، وبالذریّه الطاهره التی أعقبتها فاطمه وبالاُمه الإسلامیه کلّها ، کان یؤکّد ذلک لیعرف المسلمون مقام فاطمه ومکانه الأئمه من ذریّتها لیعطوا فاطمه حقّها ، ویحفظوا لها مکانتها ، ویراعوا الذرّیه الطاهره حقّ رعایتها ، فها هو رسول الله(صلى الله علیه وآله) یعرّف فاطمه ویؤکد للمسلمین : «فاطمه بضعه منّی فمن أغضبها أغضبنی»(3) .
وتکبر فاطمه (علیها السلام) وتشبّ ویشبّ معها حبّ أبیها لها، ویزدادحنانه علیها، وتبادله هی هذا الحب وتملأ قلبه بالعطف والرعایه فیسمیها «أُمّ أبیها » .
إنّه النموذج القدوه من العلاقه الأبویه الطاهره التی تساهم فی بناء شخصیّه الأبناء وتوجّه سلوکهم وحیاتهم ، لقد کانت هذه العلاقه هی المثل
ــــــــــــــــ
(۱) السیره النبویّه لابن هشام القسم الاول: ۳۲۱ طبع دار المعرفه ـ بیروت ، والکامل فی التاریخ : 2 / 76 .
(۲) الشِعب : الوادی .
(۳) صحیح البخاری : ۵ / ۳۶ ، کنز العمال : ۱۲ / ح۳۴۲۲۲ . المناقب : ۳ / ۳۳۲ ، ذخائر العقبى : ۴۷ .
الأعلى فی رعایه الإسلام للفتاه والعنایه بها وتحدید مکانتها .