أجیالنا والمستقبل
فالحکمه تقول: أعطنی مدیراً ناجحاً ، أعطک مدرسه ناجحه ، فقیاده بلا شعب کشعب بلا قیاده ، لا ینجح أحدهما إلاّ بالآخر . والمدیر الکفء یکون قدوه فی کل شیء ، فعله قبل قوله ، وهو یجمع خلاصه أفکاره وتجاربه لیقدمها لمدرسته .
ثانیاً : المعلم المخلص الکفء :
فالمدرّس هو حجر الأساس للعملیه التعلیمیه ، والمرتکز الذی یعول علیه تنفیذ المنهج المدرسی .
ومن المهم أن یکون هذا المدرس قد أُعدَّ إعداداً جیداً لممارسه هذه المهنه ، وهی رساله الأنبیاء (علیهم السلام) فیُبدع ویَبتکر ، ویحلِّل ویرکِّب ، ویعمل بلا کَلَلٍ أو مَلَلٍ ، وواسع الاطلاع ، وخیاله یعانق حدود السماء ، بل لا حدود له .
فیحلِّق مع طلابه فی عالم الإبداع ، دون أن تقف أمامه أی معوقات أو مبرِّرات ، کضیق المبنى ، أو النصاب الکامل ، أو مستوى التلامیذ ، وغیر ذلک .
ویجب أن یکون شغوفاً بالعلم وأهله ، وهو طالب علم لا یشبع ، وکأنّه شارب ماء البحر ، کلما شرب ازداد عطشاً .
وخلاصه القول : عندما تکون وزاره التربیه والتعلیم العقل المفکّر فإنّ المعلم هو العقل المنفذ .
ثالثاً : ولی أمر متجاوب :
لا تکتمل العملیه التعلیمیه بدون ربّ الأسره ، والذی لا تنحصر مسئولیته فقط فی توفیر المأکل والمشرب والمسکن ، ولکن التربیه الصالحه تعتبر بحق حیاه .
وتعتبر التربیه الصالحه عن طریق القدوه الحسنه أفضل مثال یُحتذَى به ، فعندما نأمر بالصدق نکون أول المسارعین إلیه .
وعندما نطلب من أبنائنا – مثلاً – إقفال التلفزیون ، وعدم السهر عنده ، ونطلب منهم المطالعه ، یکون واجبنا أن نحمل أی کتاب من المکتبه لیلاحظ حُبَّنا وشغفَنا بالعلم ، لیطابق القول العمل والنظریه بالتطبیق العملی .
رابعاً : تلمیذ مجتهد مطیع :
فعندما یؤدِّی کلّ من المدیر والمدرّس وولی الأمر دوره ، وتکون الکره فی میدان التلمیذ ، لا بدّ له أن یستجیب لهذا الأمر ، فیؤدِّی دوره بتوفیق من الله تعالى .
وقد حثَّنا الدین الإسلامی على تنشئه الولد ورعایته حتى قبل ولادته ، من خلال اختیار الأم الصالحه ، فـ( اختاروا لنطفکم فإن العِرْق دسَّاس ) ، ثمّ فی تسمیته وتربیته ، قال رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) : ( الولَدُ سَبع أمیر ، وسَبع أسیر ، وسَبع وزیر ) .
التجاره الناجحه :
ندلُّکُم على تجاره تنجینا جمیعاً من خساره ، وتطلعنا للنجاح فقط ، ألا وهی : التفکیر دائماً بالتفوّق والتمیز .
وهو الذی ینجینا من طموحنا الهزیل ، وهو : التفکیر بالنجاح فقط .
لأنّ من حَام حول الحمى أوشک أن یقع فیه ، ورسول الله ( صلى الله علیه وآله ) یقول : ( اللَّهُمَّ لا تُبقِنِی لِیومٍ لَم أزدَدْ فیهِ عِلماً ) .
والإمام الکاظم (علیه السلام) یقول : ( مَنْ تساوَى یومَاه فهو مَغبُون ، ومَنْ کان أمسه أفضلُ مِن یَومِه فهو مَلعون ) ، والعیاذ بالله .
وغیر ذلک من الأحادیث تحت شعار قوله تعالى : ( وَفِی ذَلِکَ فَلْیَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) المطففین : ۲۶ .
فلنرفع شعار : انتهى زمن النجاح لیبدأ زمن التفوق .
فهذا أحد الأدباء یقول : الدرس الأول یعلمنا أنّ البنیان هو الإنسان ، وإنّ الدرس الآخر یعلمنا إنّ الإنسان هو البنیان .
إخواننا الأعزاء : للتفوق ثمنه ، نحن نحتاج إلى تربیه لا تعرف القنوط ، أو الانهزام ، أو الخنوع ، أو التراجع .
ویجب أن نصنع من أبنائنا أشخاصاً أقویاء ، من خلال تقویه إرادتهم ونفوسهم ، وتعویدهم على القوه الروحیه والجسدیه ، وخَلق الهِمَم العالیه .
انظر إلى قوله تعالى : ( وَأَن لَّیْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْیَهُ سَوْفَ یُرَى ) النجم : ۳۹ – 40 .
کیف یجیب الله تعالى بعد عده أقسام بهذا الجواب العظیم ، على أنّ الإنسان مُرتَهِنٌ بعمله ، وأن استحقاقه بمقدار جِدِّه واجتهاده .
ولنوضِّح لأبنائنا کیف عاش علماؤنا الأفذاذ فی الماضی ، الذین سطّروا أسماءهم فی صفحات التاریخ الخالد ، وهم باقون ما بقی الدهر .
ولا بأس أن نأخذ العبره من علماء الغرب ، أمثال ( أدیسون ) الذی قال له أحد أصدقائه : لقد أخفقت فی أکثر من ( ۱۰ ) آلاف تجربه لاختراع المصباح الکهربائی ، فلماذا لا تکفّ عن تضییع وقتک ومالک ؟
فقال أدیسون : أخطأت ؟!! ، لقد نجحت فی اکتشاف ( ۱۰ ) آلاف محاوله لا توصلنی إلى ما أرید .
وما أجمل قول الشاعر المتنبی :
إذا غامرتَ فی شَرَفٍ مروم فلا تَقنعْ بِما دون النّجُوم
مصنع الرجال :
لنعلم أبناءنا کیف تکون الحیاه کِفاحاً وجِدّاً ، وعملاً ونجاحاً ، ولنعلمهم کیف یحفرون فی الصخره ، ویزرعون فی البر ، ویسقون من عرقهم الزرع .
نقول فقط : إذا أجدنا تربیه الأبناء ، نستطیع أن نقول : إننا أنشأنا جیلاً ناجحاً ، یعید الأمجاد لأمتنا فی مستقبلها المشرف .
فما أجمل أن نعیش مع أبنائنا الصغار المتفوقین لحظات التفوق ، لحظه بلحظه ، ثانیه بثانیه ، ونحن نترقَّب وجوهَهم ، فی خوفهم وقلقهم ، فی ترددهم وتوجّسهم ، ثم فی فرحهم وسرورهم .
نعم ، هکذا هو حال التلامیذ المُجدِّین ، وما أجملها من أوقات سعیده ، إنها لحظه التفوُّق ، إنها لحظه التمیز ، والحمد لله ربّ العالمین .
فهو بمثابه الأبّ الروحی لهذه المدرسه ، یسأل عن أحوال هذا المدرِّس وذاک التلمیذ بقلب حنون عطوف ، یطبِّق العلاقات الإنسانیه فی معاملاته ، وتتدفق بین جوانبه الحکمه والحنکه ، والذکاء والأخلاق العالیه الکریمه ، فی کلّ تصرف من تصرفاته .