رجوع السبایا یوم الأربعین إلى مدینه الرسول (ص)
والیوم قد رجعت إلى المدینه ولیس معها من أولئک الساده الأشاوس سوى ابن أخیها الإمام علی بن الحسین زین العابدین (علیه السلام) فرأت الدیار خالیه مِن آل الرسول الطاهره .
وترى دیارَ أمیّهٍ معمورهً ودیار أهل البیت منهم خالیه
وجاء فی التاریخ : أنّ السیده زینب (علیها السّلام) لمّا وصلت إلى المدینه توجّهت نحو مسجد جدّها رسول الله (صلى الله علیه وآله) ومعها جماعه من نساء بنی هاشم ، وأخذت بعُضادَتی باب المسجد(۱) ونادت : «یا جدّاه ! إنّی ناعیه إلیک أخی الحسین» !! ، وهی مع ذلک لا تجفّ لها عبره ، ولا تفتُـرُ عن البکـاء والنحیـب .(۲)
إنّ الأعداء کانوا قد منعوا العائله عن البکاء طیله مسیرتهنّ من کربلاء إلى الکوفه ومنها إلى الشام ، وهنّ فی قید الأسر والسَبی ، حتى قال الإمام زین العابدین (علیه السلام) «إن دمعت من أحدنا عینٌ قُرع رأسه بالرمح»(3).
ـــــــــــــــــــ
(۱) أی : الخشبتین المنصوبتین عن یمین الباب وشماله . کما فی «لسان العرب» .
(۲) کتاب «بحار الأنوار» ج ۴۵ ، ص ۱۹۸ . المحقق
(۳) بحار الأنوار ج ۴۵ ص ۱۵۴ ، باب ۳۹ ، نقلاً عن کتاب (إقبال الأعمال) .
والآن .. قد وصلت السیده إلى بیتها ، وقد ارتفعت الموانع عن البکاء ، فلا مانع أن تُطلق السیده سراح آلامها لتنفجر بالبکاء والعویل ، على أشرف قتیل وأعزّ فقید ، وأکرم أسره فقدتهم السیده زینب فی معرکه کربلاء .
وخاصهً إذا اجتمعت عندها نساء بنی هاشم لیُساعدنها على البکاء والنیاحه على قتلاها ، وحضرت عندها نساء أهل المدینه لیُشارکنها فی ذرف الدموع ، ورفع الأصوات بالصراخ والعویل .
والبلاغه والحکمه تتطلّب من السیده زینب أن تتحدّث عمّا جرى علیها وعلى أسرتها طیله هذه الرحله ، من ظلم یزید وآل أبی سفیان وعملائهم الأرجاس الأنذال .
وتتناوب عنها السیدات الهاشمیات اللاتی حضرن فی کربلاء ونظرن إلى تلک المآسی والفجائع ، وشاهدن المجازر التی قام بها أتباع الشیاطین من بنی أمیّه .
کانت النسوه یخرُجن من مجلس العزاء وقد احمرّت عیونهنّ من کثره البکاء ، وکلّ امرأه مرتبطه برجل أو أکثر ، من زوج أو أبٍ أو أخ أو إبن ، وتقصّ علیهم ما سمعته من السیده زینب (علیها السّلام) من الفجائع التی وقعت فی کربلاء وفی الکوفه ، وفی طریق الشام ، وفی مجلس یزید ، وفی مدینه دمشق بصوره خاصّه .
کان التحدّث عن أیّ مشهد من تلک المشاهد المؤلمه یکفی لأن تمتلئ القلوب حقداً وغیظاً على یزید وعلى من یدور فی فَلکه ، وحتى الذین کانوا یحملون الحبّ والوداد لبنی أمیّه ، إنقلبت المحبّه عندهم إلى الکراهیه والبغض ، کما وأنّ الذین کانوا یُکنّون الطاعه والإنقیاد للسلطه الحاکمـه صـاروا على أعتاب التمـرّد والثوره ضـدّ السلطه .(۱)
ــــــــــــــــــ
(۱) وقد جاء فی التاریخ : أنّ عبد الله بن جعفر کان جالساً فی داره یستقبل الناس الذین یریدون أن یعزّوه باستشهاد الإمام الحسین (علیه السلام) واستشهاد ولدیه عون وجعفر ، إذ دخل علیه رجل وعزّاه .
فقال عبد الله : إنّا لله وإنّا إلیه راجعون !
ومن الطبیعی أنّ الأخبار کانت تصل إلى حاکم المدینه ، وهو من نفس الشجره التی أثمرت یزید وأباه وجدّه ، فکان یرفع التقاریر إلى یزید ویُخبره عن نشاطات السیده زینب ، ویُنذره بالإنفجار ، وانفلات الأمر من یده ، قائلاً : «إن کان لک فی المدینه حاجه فأخرج منها زینب» .
جُبَناء، یحکمون على نصف الکره الأرضیه ویخافون من بکاء امرأه لا تملک شیئاً من الإمکانات والإمکانیّات.
فقال رجل یُقال له : «أبو السلاسل» : هذا ما لَقینا من الحسین بن علی ! فحَذَفه (أی : رماهُ) عبد الله بن جعفر بنعله ، وقال له : یابن اللَخناء ! (یُقال فی السبّ : یابنَ اللخناء ، أی : یابن المرأه المُنتنَه) أللحسین تقول هذا ؟!
ثم قال : «والله لو شهدته لأحببت أن لا أُفارقه حتى أُقتَل معه ، والله إنّه لمِمّا یُسکّن نفسی ، ویُهوّن علیّ المُصاب ، أنّ أخی وابن عمّی أُصیبا مع الحسین ، مواسیَین له ، صابرَین معه .
ثم أقبل على جلسائه فقال : الحمد لله ، عزّ علیّ مصرع الحسین ، إن لم أکن واسیتُ حسیناً بیدَیّ فقد واساه ولدای .
المصدر : کتاب «بحار الأنوار» ج ۴۵ ، ص ۱۲۲ ـ ۱۲۳ . وذکره الطبری فی تاریخه ، ج ۵ ، ص ۴۶۶ .
إنهم یعرفون أنفسهم ، ویعرفون غیرهم ، یعرفون أنفسهم أنهم یحکمون على رقاب الناس ، ویعرفون أنّ غیرهم یملکون قلوب الناس .
من المؤسف المؤلم أن یُحسَب هؤلاء الظلمه مِن المسلمین ، وأن تُحسَب جنایاتهم على الدین الإسلامی .
وأیّ إسلام یرضى بهذه الجنایه التی تقشعرّ منها السماوات والأرض ؟!
هل هو إسلام النبی محمد (صلى الله علیه وآله) ؟!
أم إسلام بنی أمیّه ؟!
إسلام معاویه ، ویزید بن معاویه ، وعمر بن سعد ، والدعیّ بن الدعیّ عبید الله بن زیاد ؟!!
ولا مانع لدى یزید أن یأمر حاکم المدینه بإبعاد السیده زینب مِن مدینه جدها الرسول .
ولکن السیده إمتنعت عن الخروج من المدینه ، وکأنّها لا تَهاب الموت ، ولا تخاف مِن أیّ رجس من أولئک الأرجاس .
وهل یستطیع الأعداء أن یَحکُموا علیها بشیء أمرّ من الإعدام ؟
فلا مانع ، فلقد صارت الحیاه مبغوضه عندها ، والموت خیر لها من الحیاه تحت سلطه الظالمین .
إنّها تلمیذه مدرسه کان أساتذتها یقولون: «إنّی لا أرى الموت إلا سعاده، والحیاه مع الظالمین إلا بَرَماً» .
وتحدّث السلطه ، وأعلنت إمتناعها عن الخروج من المدینه . ولکنّ عدداً من السیدات الهاشمیات إجتمعن عندها وذکّرنها بیزید وطغیانه ، وأنّه لا یخاف من الله تعالى ، ومن الممکن أن تتکرّر فاجعه کربلاء ، بأن یأمر الوالی بإخراج السیده من المدینه قَسراً وجَبراً ، فیقوم بعض من تبقّى من بنی هاشم لأجل الدفاع ، وتقع الحرب بین الفریقین ، وتُقام المجزره الرهیبه .
فقرّرت السیده زینب (علیها السّلام) السفر إلى بلاد مصر .
ولماذا اختارات مصر ؟
إنّ أحسن بلاد الله تعالى عند السیده زینب ـ بعد المدینه المنوّره ـ هو مصر ، لأنّه کان لآل رسول الله فی بلاد مصر رصیدٌ عظیم .. من ذلک الزمان إلى هذا الیوم . والسبب فی ذلک أنّ أفراداً من الخط المُوالی للإمام أمیر المؤمنین (علیه السلام) کانوا قد حکموا مصر فی تلک السنوات ، أمثال : قیس بن سعد بن عباده الأنصاری ، ومحمد بن أبی بکر ، وأخیراً مالک الأشتر النخعی .(۱)
ــــــــــــــــ
(۱) وقد ذکر تفاصیل ذلک المَقریزی المتوفى عام ۸۴۵ هـ فی کتابه «المواعظ والإعتبار» ، طبع لبنان ، سنه ۱۴۱۸ هـ ، ج ۲ ص ۹۳ ، وج ۴ ، ص ۱۵۱ حیث قال : «… ومصر ـ یومئذ ـ من جیش علی بن أبی طالب» وص ۱۵۶ و۱۵۷ .