کربلاء حیاه لکل العصور

0

واذا ما أردنا أن نتحدث عن المرأه.. أو الرجل.. أو الطفل.. أو الصغیر.. أو الکبیر.. أو الوفاء.. أو البطوله.. أو الشجاعه.. أو الارهاب.. أو عن أی صفه حسنه، وعن أی صفه رذیله.
الصفات الحسنه تجدها عند أصحاب الإمام الحسین (علیه السلام) فی أروع صورها. فالوفاء یتمثل فی أبی الفضل العباس خاصه فی تلک اللحظات المریره قبیل الشهاده، حینما رمى الماء على الماء ولم یشرب حتى جرعه واحده بعدما تذکر عطش الإمام الحسین (علیه السلام). رغم ان هذا لیس حقاً من حقوق الإمام الحسین (علیه السلام) ولکن هنا تتوضح بجلاء رفرفه الروح فی سماء الرفعه والوفاء، هذا مشهد من أرض کربلاء ملهم للانسانیه، وهذا أیضاً درس من دروس کربلاء.
وفاء القاسم (علیه السلام) کان باستطاعه القاسم أن ینسحب عن المیدان، ومن المعرکه بأسرها، فالقاسم لم یکن قد بلغ الحلم والقتال ساقط عنه، ولکن ترى ان روحه روح زکیه.
وروح زینب الرفیعه تشبثت بالسماء وقدمت مع أخیها الى کربلاء، من أجل أن یبقى دین الله تعالى، ولکن أی شجاعه تلک، انها الشجاعه فی طریق الحق.. شجاعه تجللها روح التضحیه من أجل الله تعالى. وسمو النفس وهکذا شجاعه سائرالاصحاب (علیه السلام).
من هنا کانت کربلاء صیحه فی ضمیر الانسان الذی سوف یتدرج فی الانحراف فجاءت هذه الصیحه وهزت الامه الاسلامیه، ولا أستطیع أن أتخیل لو لم تکن واقعه عاشوراء موجوده فی الساحه الاسلامیه فی المجتمع الاسلامی.
هل کان هناک مسلم؟
وهل کان هناک مجتمع اسلامی؟
اننی شخصیاً لا أستطیع أن أتصور اسلاماً کان یبقى من دون هذه المأساه التی صنعها الإمام الحسین (علیه السلام) بدمه الزکی، وبدماء أصحابه وبسبی نساءه.
ثوره الإمام الحسین (علیه السلام) تجسید لرسالات الله
ممیزات الحرکه الالهیه
ان کل حرکه، وکل ثوره فی التاریخ تنطلق من أرضیه ثقافیه هی قاعدتها ومنطلقها وهدفها، وأبرز ما تتمیز به حرکه الانبیاء عن غیرها انها تنطلق من قاعده التوحید ، وبعباره أخرى، انها حرکات الهیه تستمد شریعتها من الرساله الالهیه، وتستوحی برامجها من تلک الرساله، ولکن تبقى هذه الکلمه عائمه من دون معرفه جوهر تلک الرسالات السماویه.
ان جوهر الرسالات الالهیه هی الاتصال بالله تعالى، أی التسلیم لله، ثم الایمان به ومعرفته، ومن ثم الاتصال بنوره تعالى.
ان أصحاب هذه الرسالات هم قیاداتها الشرعیه المتمثله فی الانبیاء (علیه السلام) والائمه (علیه السلام) وأما قاعدتها فمتمثله فی المؤمنین الصادقین الذین تتصل أرواحهم بنور الله حتى لا تعدوا الدنیا بما فیها من بهارج وزخارف واغراءات وشهوات تثیرهم، فینظرون الى الدنیا نظره خاصه بهم تختلف عن نظرات الآخرین، فاذا نظر الناس الى الدنیا باعتبارها شیئاً ثابتاً، فهم ینظرون الیها باعتبارها معبّراً خاطفاً وجسراً لهم الى الآخره، والدنیا بالنسبه الیهم مزرعه الآخره -کما جاء فی حدیث الشریف- وکما ان الانسان لا ینوی البقاء فی المزرعه، وإنما ینوی أن یزرع فیها شیئاً ثم یحصده ویذهب الى بیته، کذلک هم یریدون أن یجمعوا شیئاً من حصاد أعمالهم فی هذه الدینا لتلک الرحله الطویله الشاقه التی یجب علیهم أن یسلکوها فی الآخره.. قال الله العظیم: ((وتزودوا فان خیر الزاد التقوى)) (۱۹۷/البقره).
فالدنیا بالنسبه الیهم سویعات تمر بالنسبه الى عمر الزمان. وقال تعالى: ((وان الدار الآخره لهی الحیوان)) (۶۴/العنکبوت).
ولقد حوّلوا التصرف فیما یمتلکون من الدنیا الى أن یأتیهم الموت، فلا ینظرون الى أموالهم تلک النظره الانانیه والذاتیه، وإنما المال فی أیدیهم أمانه، والاهل والاولاد ابتلاء وفتنه، والنعم بالنسبه الیهم بلاء کما النقم بلاء، وکل شیء فی الحیاه بالنسبه الیهم امتحان وابتلاء واختبار لمدى إرادتهم وصمودهم، فهم لا یقسرون أنفسهم على هذه النظره قسراً ولا یکرهون علیها لیقبلوها، إنما هی نظره نابعه من عمق شعورهم ووجدانهم الحی وضمیرهم المتیقظ ومعرفتهم بحقیقه الدنیا وحقیقه الآخره، وهذا الشعور وهذه المعرفه بدورها ناشئه باتصال أرواحهم بنور الله سبحانه وتعالى.
حینما نقول اتصال أرواحهم بنور الله، فان هذه الکلمه لا تفی بما ترید أن تعبر عنه، لان هذا الموضوع بالذات لیس مما یعبر عنه بکلمات أو بألفاظ، کیف نعبر عن النور لمن لم یجد النور، بل کیف نعبر عن النور لمن وجد النور، وأکتشفه ووصل الى کنهه.
ان أیه کلمه لا تستطیع أن تکون أوضح تعبیراً من وصول هذا الانسان الى النور ذاته، أما الذی لم یصل الى النور ولم یهتد الیه فانه کالاعمى، کلما فسّرت له کلمه النور کلما ازداد غموضاً عنده. وابتعاداً عن فهم حقیقه النور، ویسأل ما هو النور؟
وکذلک حینما نقول الاتصال بالله فان کل انسان قد وجد لحظات من الاتصال النورانی فی حیاته لا أقل لحظات العسر الشدید.. أو لحظات الانقطاع عن الدنیا.. أو لحظات التبتل.. وفی تلک اللحظات عرفنا ونعرف ماذا یعنی الاتصال بالله.
ماذا یعنی الاتصال بالله؟
ان الاتصال بالله یعنی، ان الانسان فی تلک اللحظات لا یجد شیئاً أفضل عنده من الله سبحانه وتعالى، یحبه حباً عمیقاً، وهو لا یستطیع أن یسأل نفسه لماذا؟ لانه ینسى نفسه فی تلک اللحظات التی تتصل روح البشر بنور الله سبحانه وتعالى.
ان الانبیاء (علیه السلام) والأئمه والاولیاء والصالحون، فی أغلب أوقاتهم-ان لم تکن کل أوقاتهم-یعیشون هذه الحاله، فقلوبهم بین أصابع الرحمن، ونفوسهم معلقه بعرش الله، فتراهم یعیشون مع الناس ولکنهم فی الواقع یعشون مع الله.
یقو ل الإمام علی (علیه السلام): ((ما رأیت شیئاً، إلّا ورأیت الله قبله ومعه وبعده)).
((والله لو کشف لی الغطاء ما ازددت یقیناً)).
حالات العارفین
جاء رجل شاب الى النبی (ص)، واذ به أصفر اللون، غائر العینین، ووجده فی حاله غریبه، قال: یاهذا مابک؟ قال: یارسول الله: اننی لا أستطیع أن أنام، لانی أسمع دائماً حسیس النار، وأرى نعیم الجنه وأجد نفسی دائماً أمام ربّی، فحینما ذهب الشاب، قال: النبی (ص) لاصحابه: ((هذا عارف فعلاً.. وصدق هذا الفتى)).
وفی احدى الحروب الاسلامیه، أسر المسلمون جندیاً من جنود العدو، فاستعبدوه فجلس بینهم قال: الى ما تدعون؟ قالوا: ندعوا الى ربّ العالمین خالق السموات والارضین والذی فطرهن وهو بکل شیء علیم، قال: ومن ربّ العالمین؟ قالوا: ان علمه وقدرته وتدبیره محیطه بکل شیء، فحینما وصفوا الله له تجلى ربه لقلبه فغمر قلبه نور الایمان. واتصل بالرفیق الاعلى. فاتصل قلبه قبل أن یتصل جسده، وتغیرت حالاته، قال اعطونی برامج دینکم ومناهجه وشرائعه وأحکامه قالوا له، الصلاه، القرآن، فأخذ یصلی، وحین الطعام دعوه للغذاء رفض أن یأتی، ولم ینم اللیل وهو جالس فی حاله غریبه، قالوا له: نم وارتح، قال وهل یستطیع أحد أن ینام أمام الله جبار السموات والارض خالق کل شیء، لا أستطیع أن أنام، ولا أستطیع أن آکل، فبقى ثلاثه أیام دون أن یأکل أو یشرب أو یرتاح الى أن توفاه الله برحمته.
هذه حالات العارفین بالله حق معرفته، فهل نحن منهم؟!
یقول الإمام علی (علیه السلام): ((لولا أن المؤمنین قد قدّر الله لهم آجالاً محدده تحلقت أرواحهم الى الله شوقاً الیه، وخوفاً من ناره، ورغبه فی جناته))
طبیعه العرفان
هذه هی طبیعه العرفان، المعرفه بالله حق المعرفه وأؤکد على کلمه المعرفه، وکذلک الاتصال بالله تعالى، التی عبرت بها عن هذه الحاله لا تستطیع أن تکشف من حقیقه ما أرید أن أقول، لذلک یصبح هؤلاء مشتاقین الى لقاء الله سبحانه وتعالى، فی کل ساعه، وکل یوم، وفی کل حین، وفی أی مکان، متى ما ینتهی وقت الاختبار فی الدنیا وننقل الى الآخره. حیث نعیم الله وجنانه، فهم لیسوا واثقین من أنفسهم، لانهم یتهمونها دائماً، ولکنهم واثقون من رحمه الله ومغفرته لانهم عرفوا الله، وعرفوا ان الله لا یخیب ظنهم، وعرفوا انّ الله سیغفر لهم ذنوبهم حینما یتوفاهم.
((الذین تتوفاهم الملائکه طیبین یقولون سلام علیکم ادخلوا الجنه))  
فالملائکه تستبشر بأرواح الصدیقین، وأرواح الشهداء، وأرواح الاولیاء، فتستقبلهم فی أول لحظه من لحظات انتقالهم من الدنیا الى الآخره، ولذلک جاء فی الدعاء: ((واجعل خیر أیامی یوم ألقاک)).
ذلک الیوم هو خیر أیام حیاتهم لانهم أنهوا الامتحان وانتهت الصعاب وجاء وقت الجزاء، الذی لا ینتهی، وهل هناک جزاءٌ أفضل من رضى الخالق سیدنا والهنا وحبیب قلوبنا الذی ننتقل الیه، ان هذه الحاله، وهذا الاتصال یعطیهم الامل والاستقامه.
ماذا تعنی الاستقامه
ان الاستقامه صعبه على أولئک الذین لیسوا متصلین بروح الله، ولا بنروه، أما بالنسبه الى المؤمنین فیضحکون ویستبشرون بما أتاهم، ولا یعنی الضغط بجمیع أشکاله وألوانه شیئاً بالنسبه الیهم، فیتمثل أحدهم أمام الحجاج بن یوسف الثقفی، ویقول: کیف أقتلک؟ فیجیبه: یاهذا أنظر لنفسک واختر أنت کیف تریدنی أن اقتلک فی یوم القیامه!! فتجاوز کل عقبات الخوف والارهاب، وقال ورأى المستقبل فی یوم القیامه، لان یعلم أن الحجاج لا یملک شیئاً، وان هذا الظالم إنما یقضی فی هذه الحیاه الدنیا، کما قال السحره التائبون الذین کانوا حول فرعون:
قال الله تعالى: ((فاقض ما أنت قاض إنما تقضی هذه الحیاه الدنیا)) (۷۲/طه).
ان هذه هی حقیقه الاتصال بالله، ولهذا فترى أصاحب الإمام الحسین (علیه السلام) فی کربلاء، کما جاء فی الاحادیث لم یکونوا یشعرون بحر الحدید، وفی الواقع ان أجسامهم لم تتبدل الى أجسام أخرى تحس بتعذیب الظالمین، ولکن شوقهم الى الجنه، واتصال أرواحهم بنور الله تعالى، جعلهم لا یتأثرون بثقل الحدید، ولا بالقتل الشنیع.
أحدهم کان فی أتون المعرکه وفی حر الصحراء الشدید، والاعداء محیطون به یرشقونه بالنبال کوابل المطر، وجراحاته تنزف وتقطر دماً، ومع ذلک ینظر الى السماء ثم یقول یا أبا عبد الله هذا وقت الصلاه وأرید أن أصلّی آخر صلاه لی وراءک یا أبا عبد الله.. ما هی هذه الروح؟
فی أشد لحظات حیاته لا ینسى الصلاه، بل ولا ینسى مستحباتها، ویرید أن یصلی الصلاه جماعه، فیقول له الإمام الحسین: أحسنت ذکرت الصلاه جعلک الله من المصلین، فبشره بأنه یحتسب عند الله تعالى من المصلین، فوقف الإمام الحسین فی یوم عاشوراء بعد أن قتل أصحابه یصلی صلاه الظهر.
هؤلاء هم الصفوه الذین اتصلت أرواحهم بنور الله، فمنحهم الله الاستقامه، والحرکات الاسلامیه الیوم الذین یریدون تحریر بلادهم وشعوبهم بل وسائر الجماهیر من رجس الطغاه والانظمه الفاسده، علیهم أن یحرروا الانسان من الجبت والانحرافات العقائدیه، ومن الغفله، والنسیان، ومن حب الدنیا، ومن التورط فی الشهوات.
والحرکات الرسالیه تتحمل صعوبات أکبر، لان أهدافها أکبر، ولانها لا ترید فقط تحریر الارض، بالرغم من ان تحریر الارض شیء عظیم، ولکنه لیس الهدف الاساسی، وإنما الهدف هو تحریر الانسان، وهذا الهدف لا یتحقق الا بعد ازاله الطغاه، ولکن لا یعنی ذلک ان هذا هو الهدف الاول والاخیر، فیحررون الارض ویحررون الانسان، بل وقبل ذلک وأهم من ذلک أن یحرروا أنفسهم من ضغط الشهوات، ومن أغلال النفس وقیود الجبت.
ان الجهاد فی سبیل الله تعالى، والصراع مع الاعداء ینعکس على النفس البشریه، فالانسان الذی یجاهد فی سبیل الله تعالى مخلصاً یکون الجهاد بالنسبه الیه معراجاً یعرج بروحه الى الله تعالى.
((والذین جاهدوا فینا لنهدینهم سبلنا)) (۶۹/العنکبوت).
ان الذین یجاهدون فی سبیل الله، یعرفون الطرق المؤدیه الى الله سبحانه وتعالى، وهذا هو هدف الانبیاء (علیه السلام)، وفی کربلاء نجد نماذج من هذه الاستقامه، ومن هذا النوع الجهاد، وأبعاد استقامه الإمام الحسین (علیه السلام) فی یوم عاشوراء من خلال قراءه دعاء عرفه والتدبر فیه، وخصوصاً فی کلمته التی یقول فیها: ((فان لم تکن غضبت علیّ فلا أبالی سبحانک غیرک ان عافیتک أوسع لی)).
والعافیه أحسن من المرض، والسلم أفضل من الحرب، والامن أفضل من الخوف، ولکن لیس هذا هو الهدف الأساسی، إنما الهدف الاساسی هو الرضا، جاء رجل للامام جعفر الصادق (علیه السلام) وقد سأله الإمام : کیف أصبحت؟ فقال: ((یابن رسول الله أصبحت والمرض أحبّ الیّ من الصحه والفقر أحبّ الیّ من الغنى، والخوف أحبّ الیّ من الامن)) فقال له الإمام (علیه السلام): (أما نحن فلسنا کذلک) فقال الرجل: کیف؟ قال الإمام(علیه السلام): (نحن اذا أراد لنا الله الخوف، فالخوف أحب الینا من الامن، واذا أراد لنا الامن، فالامن أحب الینا من الخوف، واذا أراد لنا العافیه، فالعافیه أرضى لنا، واذا أراد لنا المرض، فالمرض أرضى لنا، ما یریده الله نحن نریده، أو نحبه).
هذا معنى کلام الإمام الحسین فی دعاء عرفه، وهو هدف یجب أن نضعه نصب أعنییا دائماً.
الإمام الحسین (علیه السلام) القدوه والمثال الرسالی.
ان الذی یقرأ دعاء عرفه ویتدبر فیه، ویقرأ خطاب الإمام الحسین (علیه السلام) فی مکه المکرمه، وفی المدینه، ورسائله الى العلماء التی بعثها، ربما یکتشف جانباً بسیطاً من شخصیه الایمانیه ویعرف لماذا کان الإمام الحسین (علیه السلام) فی کربلاء یفقد أعزّ أصحابه، وأعز أنصاره وهو یحبهم ویشفق علیهم ولکن مع ذلک حینما فقد کل أصحابه ومعظم أهل بیته وحتى طفله الرضیع، حمل على القوم یقول حمید بن مسلم: (فو الله ما رأیت مکسوراً قط قتل أصحابه وأبناؤه وأهل بیته أربط جأشاً منه).
فقد کل شیء فی الحیاه ولکنه لم یفقد شیئاً واحداً هو أهم الاشیاء، وهو الله سبحانه وتعالى، فدخل الإمام الحسین (علیه السلام) المعرکه وکلما قتل أحد یقول: ((الله أکبر)) ویرفع صوته بالتکبیر لکی تعرف نساؤه وأهل بیته من الخیام أنه لا یزال حیاً، لانه أمل النساء والاطفال والأرامل والیتامى الذین لم یکونوا-آنئذ-یملکون أحداً غیر الإمام الحسین وکل من کان یقتل ویستشهد فی المعرکه کانت تقول زوجته الارمله، وأولاده الیتامى، لابأس ان قتل أبونا أوقتل أخونا وقتل أزواجنا مادام الإمام الحسین (علیه السلام) موجود، هو سبیلنا الفرید والعماد الذی نأوی الیه، لذلک کان یرفع صوته لهم بالتکبیر وهو یخوض تلک اللجج من جیوش الاعداء الذین أحاطوا به من کل جانب، والبعض قال ان عددهم (۳۰ ألف مقاتل، وقال البعض ان عددهم نصف ملیون) ولکن حینما تتصور (۳۰ ألف فارس مسلح) أمام رجل واحد هو الذی یحاربهم، وینکشفون أمامه انکشاف المعزى عن الاسد، انه لشیء عجیب!!.
وهنا لا نرید أن نبحث کل الجوانب المأساویه فی قضیه الإمام الحسین (علیه السلام) وکیف رضخ بالحجاره، ورمی بالسهام، وضرب بالسیوف، وقد قاموا بکل الاعمال غیر الانسانیه، والجرائم بحق الإمام الحسین (علیه السلام) ومع ذلک کشف القوم حتى دخل المشرعه، یقول الرواه:
(کان هو عطشاناً فأدخل الفرس رأسه فی الماء لیشرب الماء فقال الإمام الحسین (علیه السلام) أنت عطشان وأنا عطشان فاشرب الماء، وکأن الفرس أحس بذکاءه الخاص ونباهته وخصوصاً الفرس العربی الاصیل، وفرس الإمام الحسین (علیه السلام) کان فرس النبی (ص)، فرفع الفرس رأسه من الماء، والذی اغترف الإمام الحسین-(علیه السلام)-مقداراً من الماء لیشرب، فقال له رجل: یا أبا عبد الله أتشرب الماء والخیل أحاطت بحرمک!! رمى الماء، وعاد لیتأکد من سلامه حرمه، فکشفهم عن حرمه ثم عاد الى المعرکه، وعادوا مره أخرى، وهکذا کلما انهزموا أمامه عادوا الى حرمه، لیهددوه بأسرهم، فیعود الى حرمه لا یعرف هل یحارب أم یدافع عن حرمه وهو یمنى الارامل والیتامى فی مخیمه بالماء. عندها رضخوه بالحجاره فأصابت حجاره جبهته الکریمه کما أصاب السهم مره جبهته، ثم أصیب اصابات بالغه).
یقول الرواه:
(فی اللحظات الاخیره من حیاه الإمام الحسین-(علیه السلام)-تعرض جسده بما لا یقل عن مائه ضربه من مختلف الاسلحه، وجسمه الشریف أصبح کالقنفذ من کثره نبت السهام علیه، لکن مع کل ذلک وفی کل تلک اللحظات یقول: ((هوّن علیّ ما نزل بی بعین الله).
ان الإمام الحسین (علیه السلام) حینما یقول ((الله أکبر)) فان قلبه یتجدد استقامه وصبراً وصموداً، وحینما هوى الى الارض لا یجد کلمه یعبر بها عن واقعه إلا تلک الکلمه التی تکشف طبیعته وشخصیته وتصبغ حرکته کلها بصبغه الایمان قال: ((رضاً برضاک، لا معبود سواک)).
هذه هی الکلمه الوحیده التی قالها الإمام الحسین-(علیه السلام)-فی تلک اللحظات یقول المؤرخون: حینما وقع الإمام الحسین (علیه السلام) وبه تلک الجراحات الکثیره وحوله الاعداء، جمع حفنه من التراب جعلها کالوساده، ووضع رأسه علیها وأخذ یناجی ربه وکأنه فی طرف والدنیا کلها فی طرف آخر، ولا یهمه إلا کسب رضا الله سبحانه وتعالى.. لیؤکد مسیرته الالهیه الخاصه.

Leave A Reply

Your email address will not be published.