رأی الشیعه فی الصحابه أوسط الآراء
أمّا نحن، فإنّ الصحبه بمجرّدها وان کانت عندنا فضیله جلیله; لکنّها ـ بما هی ومن حیث هی ـ غیر عاصمه، فالصحابه کغیرهم من الرجال فیهم العدول، وهم عظماؤهم وعلماؤهم، وأولیاء هؤلاء. وفیهم البغاه; وفیهم أهل الجرائم من المنافقین، وفیهم مجهول الحال، فنحن نحتجّ بعدولهم، ونتولاّهم فی الدنیا والاخره.
أمّا البغاه على الوصیّ، وأخی النبیّ، وسائر أهل الجرائم والعظائم کابن هند، وابن النابغه، وابن الزرقاء(۲) وابن عقبه، وابن ارطاه، وأمثالهم، فلا کرامه لهم، ولا وزن لحدیثهم، ومجهول الحال نتوقف فیه حتّى نتبیّن أمره، هذا رأینا فی حمله الحدیث من الصحابه وغیرهم، والکتاب والسنّه بیّنتنا على هذا الرأی; کما هو مفصّل فی مظانّه من اُصول الفقه.
لکنّ الجمهور بالغوا فی تقدیس کلّ من یسمّونه صحابیّاً حتّى خرجوا عن الاعتدال فاحتجّوا بالغثّ منهم والسمین، واقتدوا بکلّ مسلم سمع النبیّ(صلى الله علیه وآله وسلم) أو رآه اقتداءً أعمى، وأنکروا على من یخالفهم فی هذا الغلوّ، وخرجوا فی الانکار على کلّ حدّ من الحدود، وما أشدّ إنکارهم علینا حین یروننا نردّ حدیث کثیر من الصحابه مصرّحین بجرحهم أو بکونهم مجهولی الحال، عملاً بالواجب الشرعیّ فی تمحیص الحقائق الدینیّه، والبحث عن الصحیح من الاثار النبویّه، وبهذا ظنّوا بنا الظنونا، فاتّهمونا بما اتّهمونا، رجماً بالغیب; وتهافتاً على الجهل.
ولو ثابت إلیهم أحلامهم، ورجعوا إلى قواعد العلم، لعلموا أنّ أصاله العداله فی الصحابه ممّا لا دلیل علیه، ولو تدبّروا القرآن الحکیم، لوجدوه مشحوناً بذکر المنافقین منهم، وحسبک من سوره التوبه، والاحزاب، وإذا جاءک المنافقون، ویکفیک من آیاته المحکمه( الاَعرَابُ أَشدُّ کُفراً ونفِاقاً وأَجدَرُ ألاَّ یَعلَمْوا حُدُودَ ما أنزلَ اللّه على رسوله )(۳)،( ومن أهل المدینهِ مَرَدُوا على الِنّفَاقِ لا تعلمهم نحن نعلمهم )(۴)،( لقد ابتغوا الفتنهَ من قَبلُ وقلَّبوا لک الامورَ حتّى جآءَ الحقُّ وظَهرَ أمرُ اللّه وَهُم کارِهُون )(۵)، ( وَهَمُّوا بِمَا لَم یَنَالُوا وما نَقَمُوا إلاّ أنْ أغَناهُمُ اللّه ورسُولُه مِن فَضلهِ )(۶). فلیتنی أدری أین ذهب المنافقون بعد رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) ؟ وقد کانوا جرّعوه الغصص مدّه حیاته، حتّى دحرجوا الدباب(۷) وصدّوه عن الکتاب، وقد تعلمون أنّه(صلى الله علیه وآله وسلم) خرج إلى اُحد بألف من أصحابه، فرجع منهم قبل الوصول ثلاثمئه من المنافقین(۸).
وربّما بقی معه منافقون لم یرجعوا خوف الشهره، أو رغبه بالدفاع عن أحساب قومهم، ولو لم یکن فی الالف إلا ثلاثمئه منافق، لکفى دلیلاً على أنّ النفاق کان زمن الوحی فاشیاً، فکیف ینقطع بمجرّد انقطاع الوحی ولحوق النبیّ(صلى الله علیه وآله وسلم) بالرفیق الاعلى ؟ فهل کانت حیاته سبباً فی نفاق المنافقین ؟ أو موته سبباً فی إیمانهم وعدالتهم وصیرورتهم أفضل الخلق بعد الانبیاء؟
وکیف انقلبت حقائقهم بعد وفاته (صلى الله علیه وآله وسلم) فأصبحوا ـ بعد ذلک النفاق ـ بمثابه من الفضل لا یقدح فیها شیء ممّا ارتکبوه من الجرائم والعظائم؟ وما المقتضی للالتزام بهذه المکابرات التی تنفر منها الاسماع والابصار والافئده ؟ وما الدلیل على هذه الدعاوى من کتاب أو سنه أو إجماع أو قیاس ؟ وما ضرنا لو صدعنا بحقیقه أولئک المنافقین، فإنّ الاُمه فی غنى عنهم بالمؤمنین المستقیمین من الصحابه، وهم أهل السوابق والمناقب، وفیهم الاکثریّه الساحقه، ولا سیّما علماؤهم وعظماؤهم حمله الاثار النبویّه، وسدنه الاحکام الالهیّه ( وأُولئک لهُم الخَیرَاتُ وأُولئک هُمُ المُفلحونَ * أعَدَّ اللّهُ لَهُم جنّات تَجری من تحتِهَا الانهارُ خالِدینَ فیها ذلِکَ الفوزُ العظیمُ )(۹). وهم فی غنى عن مدحه المادحین بمدحه اللّه تعالى، وثنائه علیهم فی الذکر الحکیم، وحسبهم تأیید الدین، ونشر الدعوه إلى الحقّ المبین.
وعلى أنّا نتولّى من الصحابه کلّ مَن اضطرّ إلى الحیاد ـ فی ظاهر الحال ـ عن الوصیّ; أو التجأ إلى مسایره أهل السلطه بقصد الاحتیاط على الدّین، والاحتفاظ بشوکه المسلمین، وهم السواد الاعظم من الصحابه رضی اللّه عنهم أجمعین فإن مودّه هؤلاء لازمه، والدعاء لهم فریضه ( رَبّنا اغفِر لَنا ولاِخوَاننَا الّذِینَ سَبَقُونَا بالایمانِ ولا تَجعلْ فی قُلُوبنا غِلاّ للّذینَ آمنُواْ ربَّنا إِنَّک رؤُوفٌ رحیمٌ )(۱۰).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الاصابه فی تمییز الصحابه ۱ : ۱۷ ط . دار الکتاب العربی ـ بیروت .
(۲) هی الزرقاء بنت موهب جدّه مروان بن الحکم لابیه، وکانت من ذوات الرایات التی یستدلّ بها على ثبوت البغاء، فلذا کان الحکم وبنوه یذمّون بها، نصّ على هذا کلّه ابن الاْثیر حیث ذکر صفه مروان ونسبه وأخباره فی حوادث سنه ۶۵ للهجره ص ۵۷ من الجزء الرابع من تاریخه الکامل، وصرح به غیر واحد من أهل الاخبار «منه(قدس سره)» .
(۳) التوبه : ۹۷ .
(۴) التوبه : ۱۰۱ . من یتدبر هذه الایه وغیرها من أمثالها یحصل له العلم الاجمالی بوجود المنافقین فی غیر معلومی الایمان. وحدیث أنّ الشبهه محصوره کان الاجتناب عن حدیث الجمیع واجباً حتّى یثبت الایمان والعداله، ونحن فی غنى من أطراف هذه الشبه المحصوره بحدیث معلومی العداله من الصحابه، وهم عظماؤهم وعلماؤهم وأهل الذکر الذین أمر الله بسؤالهم، والصادقون الذین أمر الله سبحانه بأن نکون معهم، على أنّ فی حدیث الائمّه من أهل بیت النبوّه وموضع الرساله ومهبط الوحی والتنزیل کفایه، وأیّ کفایه؟ فهم أعدال الکتاب، وبهم یعرف الصواب «منه(قدس سره)».
(۵) التوبه: ۴۸٫
(۶) التوبه : ۷۴ .
(۷) وکان قوم من الصحابه دحرجوا الدباب لیله العقبه لینفروا برسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) ناقته فیطرحوه، وکان(صلى الله علیه وآله وسلم) إذ ذاک راجعاً من وقعه تبوک التی استخلف فیها علیاً، وحدیث أحمد بن حنبل فی آخر الجزء الخامس من مسنده عن أبی الطفیل فی هذه الطامّه طویل، وفی آخره أن رهطاً من الصحابه لعنهم رسول اللّه یومئذ، وهذا الحدیث مشهور مستفیض بین المسلمین کافّه «منه(قدس سره)» .
(۸) نصّ على هذا کلّ من أرّخ غزوه احد من أهل السیر والاخبار، فراجع. «منه(قدس سره)» .
(۹) التوبه : ۸۸ ـ ۸۹ .
(۱۰) الحشر : ۱۰ .