العقیده الإسلامیه من منظور الإمام الخمینی(التوحید)
کل مدرسه متکامله وأیدیولوجیهٍ صحیحه تحتاج إلى أمرین رئیسین : الأول : نظامٌ فکریٌّ وفلسفیٌّ مُستدَل . الثانی : إیمانٌ کامل بحیث یمکنها أن توجد العلاقه الوثیقه والحب الشدید لأهدافها المنشوده والمقدسه التی تکمن فی أمورٍ غیبیه خارجه عن نطاق الأشخاص والأفراد والأشیاء ومرتبطه بعالمٍ آخر له قدسیه وسمو . تعریف المدرسه الفکریه هی نظامٌ واحدٌ فکریٌّ عملی والنظام الفکری ینقسم إلى قسمین : نظامٌ نظری ونظام عملی . النظام الفکری النظری : هو أسلوب من التفکر عن ما هو موجود . والنظام الفکری العملی : هو أسلوب من التفکر عمّا ینبغی أن یُفعل . والأوّل یسمى الرؤیه الکونیه والثانی یسمى الأیدیولوجیه ، وهناک تعبیر آخر فی عرف الحکماء حیث یعبرون عن الرؤیه الکونیه بالحکمه النظریه وعن الأیدیولوجیه بالحکمه العملیه . ومن أرکان المدرسه الفکریه هو أن تکون هناک منظومه متکامله ومتناسقه تشکل مجموعه واحده ، فهی کالبناء المشتمل على المرافق التی بُنیت لأجل هدفٍ وغرضٍ واحد فکل واحده منها مکمله للأخرى ، ومن هنا نستنتج أن الأفکار غیر المتناسقه وغیر المترابطه لا یمکن أن تشکل مدرسه فکریه ولا ینبغی أن یُطلق علیها إسم المدرسه . النظریه روح العمل کل عملٍ لا یَبتنی على نظریه فهو کالجسم الذی لا روح له فکما أن الجسم من غیر الرّوح لیس له أی أثر إیجابی ونتیجه وفائده کذلک العمل من غیر نظریه فهو لیس إلاّ حرکات عشوائیه غیر مترابطه وغیر منصبّه فی غایهٍ واحده وهدفٍ واحد ، ومن هنا یمکننا تعریف الرؤیه الکونیه: “مجموعه من المعتقدات و النظریات الکونیه المتناسقه حول الکون و الانسان بل حول الوجود بصوره عامه” الایدیو لوجیه: “مجموعه من الآراء الکلیه المتناسقه حول سلوک الانسان و افعاله” ومن هنا نقول أن الجانب العملی من المدرسه المتکامله لیس هو إلاّ کالجسم المتکون من أعضاء وجوارح بعضها ضروریه لازمه وبعضها غیر لازمه ، فنشاهد أنّ فی جسم الإنسان هناک بعض الأعضاء لها دور رئیسی وبعضها تشکل زینه للجسم ، فللید والرجل والعین أدوار رئیسیه ولکن الشعر والحاجب یشکلان زینه للإنسان ، نفس الأمر یجری على الجانب العملی من المدرسه المتکامله فهناک واجبات وهناک محرمات وهناک مکروهات ومستحبات ومباحات ، فالواجبات والمحرمات لها الأهمیّه البالغه والمکروهات والمستحبات فی المرحله الثانیه من الأهمیّه والمباحات فی المرحله الثالثه . ثم لا یخفى أن القوَّه المُحرّکه للرؤیه الکونیه هی أمرٌ واحد وذلک الأمر هو القُدسیَّه والرَّوْحانیه المتواجده فیها ، فلو لم تکن للرؤیه الکونیه قدسِیَّهً لا یمکنها أن تنجح و لا یمکنها أن تکسِب أُناس یتبَنُّونَها ، لأنّ الرؤیه الکونیه ترید ترسیم خط للإنسان بحیث تجعله یفعل شیئاً ولا یفعل شیئاً آخر وترید منه أن یسیر طِبْق مقررّات وطِبق نظام خاص . ومن الواضح أن تسییر الإنسان یحتاج إلى دافع قوی وهذا الدافع لابد أن یکون أمراً غیبیاً ، وأقوى دافع للإنسان هو التوحید فهو من ناحیه أساس وقاعده للرؤیه الکونیه لأنّه یشکل رؤیهً متکاملهً بالنسبه للوجود والإنسان ومن ناحیه أخرى هو أمرٌ مقدَّس وفکره نورانیَّه تضیىء روح الإنسان ، ومن هنا صار التوحید فی أمور أربعه : التوحید فی الذّات والتوحید فی الصفات والتوحید فی الأفعال وفی نفس الوقت التوحید فی العباده ، وهذا یدّل على أن الله الواحد ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً هو الذی یلزم عبادتُه والتسلیم له ، فنشاهد بأن الجانب العملی أو الأیدیولوجیه تنبثق من نفس التوحید فیَلزَم للإنسان الموَحِّد أن یعبد الله ویُسلّم أمرَه إلیه ویحسّ بالفقر فی قباله ، وعباده الله قد أثبتت جذورها فی عمق روح الإنسان بل فی کل شیئ ) أفغیرَ دینِ الله یَبغوُن وله أسلم من فی السموات والأرض طوعا وکرها وإلیه یرجعون ( ومن هنا نستنتج بأن التوحید یمتلک خصوصیتین أحدُهما رؤیه کونیه وفهمٌ کونی متکامل ، ثانیهما أنه هدفٌ وقضیه مقدّسه للإنسان . من خلال ما ذکرنا نصل إلى نتیجه مهمه جداً وهی أن هناک ارتباط وثیق بین الرؤیه الکونیه الإلهیه والأیدیولوجیه الإسلامیه ، وهذه الخصوصیه لا نجدها فی أی مدرسه من المدارس المادیه وحتى المدارس الأخرى التی تدَّعی أنّها إلهیه کالمسیحیه والیهودیه وغیرها . عندما نتأمل فی المراحل الأربعه فی التوحید نشاهد أنّ هذه المراحل متسلسله تبدأ من الغیب المطلق وتنتهی إلى عالم الشهود ، فالمرحله الأولى المتجسِّده فی الله أکبر هی مرحله توحید الذات والمرحله الثانیه المتجسده فی سبحان الله هی مرحله توحید الصفات والمرحله الثالثه وهی المفهومه من الحمد لله هی التوحید فی الأفعال والمرحله الأخیره وهی لا إله إلا الله التوحید فی العباده . المرحله الأخیره هی مرحله العمل والمرحله الأولى هی مرحله الرؤیه وأساس الرؤیه الکونیه وکأنَّ التوحید فی الذّات هو مصدر ومعدن التوحید وهو الشّمس التی تشرق الأنوار فأول ما ینزل من هذا الشمس شمس المعرفه وأول ما یظهر منه هو الصفه والإسم الإلهی ، ثم بعد ذلک یأتی إلى عالم الشهود فیتجسدّ فی أو یتجلّى فی الأفعال الإنسانیه فلا مؤثر فی الوجود إلا الله سبحانه وتعالى) وما رمیت إذ رمیت ولکن الله رمى ( و حسبی الرب من المربوبین کل هذه النصوص تشیر إلى هذا النمط من التوحید ولکن المهم أن هناک مرحله رابعه وهذه المرحله هی مرحله العباده وأن کل شیئ لابد أن یکون لله سبحانه وتعالى فی هذه المرحله یأتی دور لا إله إلاّ الله فلا معبود إلاّ الله سبحانه وتعالى فنشاهد الإرتباط الوثیق بین المراحل وکیفیه تجلّی الحق فی جمیع الموجودات وفی جمیع الأفعال ولو کان الإنسان ینظر بعین ملکوتیه لکان یرى هذا الظهور سواء فی عالم التکوین أو فی عالم التشریع . الرؤیه التوحیدیه وهذه الرؤیه لها خصوصیات : ۱- تخلق المسئولیه فی الإنسان . ۲- تهدی وتبیّن الطریق للوصول إلى الأهداف المقدسه . ۳- تخلق النشاط فی الإنسان والحیویه وروحیه التَّفدِیَه بل هی عنصر من عناصر جمیع التعالیم کاجتماع النقیضین الذی هو أساس کافه القضایا فلا یمکن للإنسان أن یتیقَّن بأصلٍ من الأصول إلا بعد أن أذعن بهذا الأصل ، کذلک أصل التوحید فهو کالماء للشجره فلولا الماء لما نمَت الشجره ولما بَقیت على ساقها وهو کالدَّم للإنسان ولولا الدّم لما کان الإنسان یعیش لحظه واحده ، بل هو کالرُّوح للبدن فالذی یُسیِّر البدن لیس هو إلاَّ الرّوح والذی یجعل البدن حیّاً ویجعله نَشِطاً فهو الرّوح ، ولیست هناک رؤیه کالتوحید لها هذه الخصوصیه ولها هذه المیزه . الهدف من التّوحید الهدف من التوحید هو الوصول إلى الله سبحانه وتعالى أو السّیر إلى الله سبحانه وتعالى والتّقرُّب إلیه والسلوک نحوه ، وهذا السیر لیس هو سیرٌ مادی وحسی إنما هو سیرٌ معنوی وباطنی یمکن للإنسان أن یصل إلى الله سبحانه وتعالى بروحه لا بجسمه وإلى ذلک تشیر آیات کثیره وروایات متواتره ومَرْکب السیر فی هذا السفر هو العشق والمحبّه والأُنس والطریق الذی لابد أن یسلک السالک من خلاله هو طریق القلب . الإسلام مدرسه متکامله وذات جوانب مختلفه الإسلام مدرسه واقعیّه ولیست نظریه قد نظر الإسلام إلى جمیع جوانب وأبعاد حاجیات الإنسان أعم من الدنیویه والأخرویه والجسمیه والروحیه والعقلیه والفکریه والعاطفیه والإحساسیه والفردیه والإجتماعیه . مجموع تعالیم الإنسان من وجهه نظر خاصه تنقسم إلى أقسام ثلاثه : القسم الأول : أصول العقائد وهی الأمور التی ینبغی للإنسان الإعتقاد بها وینبغی أن یصل الإنسان إلیها من خلال الدلیل والبرهان ، والعمل الذی تتطلبه هذه الأمور هو التحقیق العلمی الدقیق . القسم الثانی : الأخلاق الإسلامیه وهی الصّفات والخصال التی ینبغی للمسلم أن یتّصف بها ویتحلَّى بها وینبغی له أیضاً أن یُبعِد نفسه عن أضدادها ، والعمل الذی یتطلبه هذا الأمر هو المراقبه وبناء النفس . القسم الثالث : أحکام الإسلام وهی القوانین التی ترتبط بأعمال الإنسان الخارجیه والعینیه أعم من أعماله المعاشیه والمعادِیَّه الدنیویه والأخرویه الفردیه والإجتماعیه ، ثم إن أصول العقائد الإسلامیه على حسب مذهب الشیعه هی خمسه : التوحید والعدل والنبّوه والإمامه والمعاد . الإسلام لا یرى صحّه التّقلید والتّعبُّد فی مثل هذه الأمور بل یرى بأن کلّ إنسان وبکمال الحریه والإستقلال ینبغی له أن یصل بنحو الیقین إلى الإِذعان بصحه هذه الأمور ، وأمّا بالنسبه للعبادات الإسلام لا یرى أن العبادات منحصره بالعبادات البدنیه کالصلاه والصوم أو المالیه کالخمس والزکاه بل هناک نوع آخر من العبادات وهی العبادات الفکریه کما ورد فی الحدیث تَفَکُّر ساعه خیرٌ من عباده سنه أو سبعین سنه فنفس التَّفکُر الذی یوصل الإنسان إلى التنبه والیقظه هو نوع من العبادات فی الإسلام وقد ورد فی الروایات أنّه أکثر عباده أبی ذر التفکر . ۴- الرؤیه الکونیه (الالهیه و المادیه) أصول الدین: {طریق العلاج لمسائل الرؤیه الکویَّه الأساسیَّه} ماهی المعرفه؟ ۱-المعرفه التجریبیَّه والعلمیَّه (بمصطلحها الخاص) وهی المستفاده من الحواس الخمسه بتعمیم وتجرید من العقل. ۲-المعرفه العقلیَّه: ومن خلالها یتعرَّف العقل على المفاهیم الإنتزاعیَّه (المعقولات الثانیه) وإن کانت التجربه توصلنا إلى منشا الإنتزاع وهذه المفاهیم مثل:الوحده-الکثره-الإمکان-الوجوب. ۳-المعرفه التعبُّدیَّه: ولها دور ثانویّ وتستند إلى المعرفه بالمصدر المعتمد علیه وهو(المُخبِر الصادق). ۴-المعرفه الشهودیَّه: وتتعلَّق بعین المعلوم وذاته دون وساطه الصوره والمفهوم الذهنی للمعلوم. أنواع الرؤیه الکونیَّه:- ۱-العلمیَّه:من طریق معطیات العلوم التجریبیه یتوصل إلى رؤیه کلیَّه حول الوجود. ۲-الفلسفیَّه:من خلال الإستدلالات والبحوث العقلیَّه. ۳-الدینیَّه:من طریق الإعتقاد بقیاده الأدیان والإیمان بحدیثهم. ۴-العرفانیَّه:من طریق الکشف والشهود والإشراق. سؤال:- هل یمکن لکل هذه الطرق معالجه مسائل الرؤیه الکونیَّه؟ إن أمکن فما هو الطریق الأفضل؟ الجواب:- للوصول إلى جواب صحیح ینبغی أن نقیِّم کلاًّ من تلک الطرق ونتعرَّف على نطاقها فنقول:- *أمّا الحسیَّه:- فیلاحظ فیها أمران:- الف:مجالها محدود وضیِّق حیث أنَّها تتحدد فی نطاق الظواهر المادیَّه والطبیعیَّه. ب:إنَّ أمثال هذه المسائل أعنی المسائل الغیبیَّه کإثبات وجود الله خارجه عن میدان العلوم التجریبیَّه وإختصاصها. فالرؤیه التجریبیَّه لیست هی إلاّ سرابٌ خادع فهی لیست رؤیه کونیه بل هی لیست إلاّ معرفه العالم المادِّی. *أمّا التعبُّدیَّه:- فهی متوقِّفه على إثبات المصدر أعنی القرآن الکریم والسنَّه بالنسبه إلى دین الإسلام . فلو أردنا إثبات وجود الله مثلاً عن طریق القرآن الکریم فیجب أن نعتقد بنبوه محمد (ص) قبل أن نعتقد بوجود الله تعالى والمفروض أنَّه(ص) نبیٌ من قِبل الله فینبغی أن نعتقد بوجوده تعالى قبل الإعتقاد بنبوَّه النبی(ص)،وهل هذا إلاّ التناقض حیث أننا نعتقد بوجود الله ولا نعتقد فی آن واحد ونعتقد بنبوَّه محمد ولا نعتقد فی آن واحد وهذا محال وعلیه لا یمکن أن نعتمد على مثل هذه الطریقه للوصول إلى رؤیه کونیَّه صحیحه وجمیع الآیات والأحادیث الوارده فی هذا المجال لیست هی إلاّ إرشاد لحکم العقل . *أماّ الطریق العرفانیّ والإشراقی:- فیلاحظ علیها أمور :- ۱- الرؤیه تتکون من مفاهیم ذهنیه (و لا مفاهیم فى الشهود). ۲- تفسیر المشاهدات و المکاشفات و عرضها من خلال الالفاظ و المفاهیم یحتاج الى قدره ذهنیه معیَّنه لا یمکن حصولها الا بجهورد عقلیه و تحقیقات فلسفیه. (و إلاّ فسوف یؤدِّى الى الضلال). ۳- ربما یشتبه الشهود الحقیقى بالتصورات الخیالیه. ۴- الأغلب لایمکنه التوصل إلى الحقائق ومشاهدتها الا بعد سنوات طویله من السیر و السلوک العرفانى. النتیجه:- * المنهج الوحید هو المنهج العقلی ، و الرؤیه الواقعیه هى الرؤیه الفلسفیه. ولکن هذا لا یعنی عدم الفائده فی الطرق الأخرى أصلاً بل لا بدَّ من الاستعانه بالتجربه والشهود و التعبد. موقع الکوثر الشیخ ابراهیم الانصاری