من حياة السيدة فاطمة المعصومة سلام الله علیها
من حياة السيدة فاطمة المعصومة سلام الله علیها
لقد إمتازت وإشتهرت من بين أولاد الإمام موسى بن جعفر 8 اللذين زادوا على الثلاثين شخصاً، شخصيّتان فذّتان عبقريتان وهما: الإمام الرضا 7: الذي ورث الإمامة من أبيه الكاظم 7 بنصٍّ من الله عزوجل وبنصب من رسوله 6 واستشهد في خراسان ، بسّم المأمون العباسي اللعين ، ودفن فيها، وأُخته من أُمّه تكتم (نجمة ) فاطمة المعصومة الصديقة الصغرى 3.
ولدت السيدة المعصومة في المدينة المنورة في الأول من شهر ذي القعدة كما قيل عام (173 ه . ق .) وتوفيت في قم المقدسة في العاشر من ربيع الثاني سنة (201 ه ق)، فكان عمرها (28) عاماً.
تربّت وترعرت في أحضان الايمان والتقوى ، وفي بيت العصمة والطهارة ، وبلغت عند الله سبحانه شأناً من الشأن ، حتى قال أبوها الكاظم 7 فيها: فداها أبوها، قالها ثلاثاً في حكاية يخبر عن علم السيّدة وحكمها بحكم الله وهي ـانذاک ـ لم تبلغ سنّ التكليف .
كانت كعمتها زينب الكبرى عالمة غير معلّمة ، وفاهمة غير مفهّمة ، طرقت
أبواب العلم وأخذت أصوله من أبيها الإمام الكاظم 7، ومن أخيها الإمام الرضا 7، ينفتح لها من كل باب أبواباً كجدّها أميرالمؤمنين علي 7 حيث قال : «علّمني رسول الله ألف باب من العلم ينفتح لي من كل باب ألف باب » بالهام من الله، وإنه من باب العلم الايحاحي الذي يتلو العلم الوحي المختص بالأنبياء :، فهو من العلم اللدنّي أيضاً خاص بأهله[1] .
كانت السيدة المعصومة في الرابع من عمرها، إذ جاء جماعةً من شيعة أبيها يطلبون أجوبة مسائلهم الدينية ، فطرقوا باب الإمام 7 فأجابتهم أمّ الرضا: انه خارج المدينة ، فصعب الأمر عليهم كيف يرجعوا من دون جواب ، فأخبرتهم بوجود فاطمة في الدار، استأذنوا وقدّموا أسئلتهم إليها لعلمهم أن صغار هذا البيت الطاهر جمرة لا تداس ، وانهم زقّوا العلم زقّاً، فأجابتهم السيدة كتباً، وعند خروجهم من المدينة التقوا بامامهم وأخبروه بالأجوبة فقال 7: هاتوها، فأخذ الأجوبة فنظر فيها فقال ثلاثاً: «فداها أبوها» ثم قال انها حكمت بحكم الله ـ نقلاً بالمعنى .
وعند ما بلغت العاشرة من عمرها الشريف استشهد والدها الإمام الكاظم 7 في سجون هارون الرشيد الطاغية ودفن في مقابر قريش المعروفة اليوم بالكاظميّة المقدّسة .
فتكفّلها الإمام الرضا 7.. ومرّت الأيام وانتقلت الخلافة العباسيةالمأمون ، وأراد أن يخمد ثورات العلويين التي كانت ثتار ضد خلفاء الجور بين حين وآخر
في أطراف البلاد الاسلامية أنذاک ، ولأسباب أُخرى أجبر الإمام الرضا 7 على قبول ولاية العهد من بعده ، وإن لم يقبل يُقتل ، ودعاه إلى عاصمته مرو في خراسان ليكون تحت سيطرته ، وقبل الإمام في ظاهر الأمر كارهاً وقصد (مرو) مرغماً، ولأسباب خاصة لم ترافق السيدة معصومة أخاها الرضا 7 في هذه السفرة الشاقة ، والتي لا رجعة فيها.
كان يضرب المثل في المودة الاخوية بين الإمام الرضا والسيدة فاطمة ، كما كان بين سيد الشهداء الإمام الحسين 7 وزينب الكبرى 3، وبعد مضي برهة من الزمن على هذا الفراق المرير، صمّمت السيده المعصومة أن تلتحق بإمام زمانها الإمام الرضا 7 لتكون كعمتها زينب في تحمّل المسؤولية وإعلانها الحرب ضد الطغاة والجبابرة كالمأمون العباسي ، لتكشف زيف العباسيين كما كشفت زينب زيف الامويين ، ومن كان من قبلهم من الظالمين .
خرجت السيدة من المدينة يصطحبها في هذه الهجرة إلى الله وإلى رسوله أربعة من إخوتها، وجمع من أبنائهم وعدد من الأحباء والخدم ، واقتربت هذه القافلة المشتاقة لرؤية وليّ زمانها الإمام الرضا 7 من مدينة (ساوة ) وكان أهلها من الحاقدين على أهل البيت ومن المتعصبين للحكومة آنذاک ، ففوجئت بهجوم مباغت من قبل أعداء أهل البيت اللذين أعدّوهم لهذا الغرض ، بإيعاز من المأمون العباسي وطغمته الحاكمة .
وعلى أثر هذه المنازعات غير المتعادلة ، قُتل جميع أُخوة الرضا 7 وأكثر رجال القافلة الفاطميّة ، ونتيجة لهذا الكارثة المريرة وقيل : أيضاً على أثر السمّ
الذي دسّ إليها. مرضت السيدة مرضاً شديداً ولم تستطع أن تواصل السفر إلى مرو، وعلمت أنها قريبة من مدينة قم ، وقد أخبرها من قبل أبوها وأخوها بأن قم مركز هام من مراكز شيعة أجدادها الطاهرين فصمّت الذهاب إليها، فغيّرت القافلة المفجوعة مسيرها إلى قم ، وفي اليوم الثالث والعشرين من ربيع الأول عام (201) ه ق دخلت مدينة قم المقدسة .
كان لخبر دخول بنت النبي المصطفى إلى المدينة وقع عظيم وأثر خاص في نفوس أهلها، فعمّ الفرح والسرور جميع أرجاء البلد، وخرج الناس عن بكرة أبيهم لاستقبال السيدة وموكبها الجليل ، يتقدّمهم المحدث الكبير موسى بن خزرج الأشعري ، وكان من أعيان البلد ومن كبار العلماء والمحدثين ، فمسک بزمام ناقتها، والتف الناس حولها، كما يلتف الفراش حول الشمعة المضيئة .
وفي قم طلب موسى الأشعري أن تنزل السيدة ضيفاً عليه ، فلبّت طلبها ونزلت في حجرة عرف بعد فوتها بـ(بيت النور)[2] ولا يزال مزار متبرک يقصده
الزوّار والعشاق ، يتبركون بأنفاسها القدسية .
وبقيت السيدة المعصومة سلام الله عليها في تلک الحجرة (17) يوماً، تكابد المرض ، حتى ارتحلت إلى جوار ربها في آخر محل عبادتها، وشيع جثمانها الطاهر بعزّ واحترام إلى مثواها الأخير الواقع في روضة (بابلان ) وبنى موسى بن خزرج قبرها وأضلّه بالحصير، وفي القرن الثالث الهجري بنت زينب بنت الإمام الجواد على قبرها قبّة ، ودفنت معها، كما دفن معها خمسة من بنات الرسالة وإثنان من أحفاد الأئمة الأطهار : كما هو مذكور في الكتب المفصلة وأشرت
اليه في كتابينا (شهد الأرواح ) و(النجوم المتناثرة ) فراجع .
فاطمة بنت الإمام الكاظم في روايات الأئمة المعصومين ::
1 ـ قال الإمام الصادق 7: «ألا ان لله حرماً وهو مكّة ، ألا إنّ لرسول الله حرماً وهو المدينة ، ألا وان لأميرالمؤمنين حرماً وهو الكوفة ألا وان قم الكوفة الصغيرة ، ألا ان للجنة ثمانية أبواب ثلاثة منها إلى قم ، تقبض فيها امرأة من ولدي اسمها فاطمة بنت موسى ، وتدخل بشفاعتها شيعتي الجنة بأجمعهم »[3] .
2 ـ قال الصادق 7: «من زارها عارفاً بحقّها فله الجنة ».
3 ـ قال الإمام الرضا 7: «من زارها فله الجنة ، وفي رواية : كان كمن زارني »[4] .
4 ـ قال الإمام الجواد 7: «من زار قبر عمتي بقم فله الجنة »[5] .
وكل هذه الأخبار الشريفة تنبأ عن عظمتها ومقامها الشامخ عند الخالق وعند الخلق وعند أهل البيت :.
[1] () ذكرت تفصيل ذلک في كتاب (العلم الإلهامي) و(العلم نور ونور العلم).
[2] () قم ـ شارع چهار مردان ـ ميدان مير ـ مدرسة الستيّة ـ بيت النور.
[3] () البحار: :60 288.
[4] () كامل الزيارات : 324. =
[5] () الكامل : 324. =