المهدی الموعود علیه السلام وغیبته فی بشارات الأدیان

0

وهذه الحقیقه من الواضحات التی أقرَّ بها کل مَن درس عقیده المصلح العالمی حتى الذین أنکروا صحتها أو شککوا فیها کبعض المستشرقین مثل جولد زیهر المجری فی کتابه «العقیده والشریعه فی الإسلام»فاعترفوا بأنها عقیده عریقه للغایه فی التأریخ الدینی وجدت حتى فی القدیم من کتب دیانات المصریین والصینیین والمغول والبوذیین والمجوس والهنود والأحباش فضلاً عن الدیانات الکبرى الثلاث.
البشارات بالمنقذ فی الکتب المقدسه :
من الملاحظ فی عقائد هذه الأدیان بشأن المصلح العالمی أنها تستند الى نصوص واضحه فی کتبهم المقدسه القدیمه ولیس الى تفسیرات عرضها علماؤهم لنصوص غامضه حمّاله لوجوه تأویلیه متعدده
وهذه الملاحظه تکشف عراقه هذه العقیده وکونها تمثل أصلاً مشترکاً فی دعوات الأنبیاء ـ صلوات الله علیهم ـ، حیث ان کل دعوه نبویه ـ وعلى الأقل الدعوات الرئیسه والکبرى ـ تُمثل خطوه على طریق التمهید لظهور المصلح الدینی العالمی الذی یحقق أهداف هذه الدعوات کافه  کما أن للتبشیر بحتمیه ظهور هذا المصلح العالمی تأثیراً على هذه الدعوات فهو یشکل عامل دفع لاتباع الأنبیاء للتحرک باتجاه تحقیق أهداف رسالتهم والسعی للمساهمه فی تأهیل المجتمع البشری لتحقیق أهداف جمیع الدعوات النبویه کامله فی عصر المنقذ الدینی العالمی. ولذلک کان التبشیر بهذه العقیده عنصراً أصیلاً فی نصوص مختلف الدیانات والدعوات النبویه.
ما هی علاقه الغیب بالإمام المهدی المنتظر( علیه السلام)؟
 انّ القلیل من الناس من یتزود بأحسن الزاد وإننا جلوس حول مائده العقیده المبارکه ؛ فلا یکن حظّنا سوى رشحات ، وإنما لیحاول کلٌ منّا أن یکون زاده الأکثر والأنفع. لذلک فإننا نحاول أن نتحدث عن قضیه هامه جداً، وهی قضیه الغیب، لأنها من وجهه نظر العقیده الإسلامیه قضیه محوریـه من شأنها أن تحدد علاقاتنا بالحقائق، فما هو الغیب؟ یؤکد القرآن الحکیم بادئ بدء أن آیاته الکریمه هدىً، ولکــن لیس لکل من هبّ ودبّ، بل هی هدىً للمتقین. وأبرز صفات هـؤلاء المتقـین الذین سیقول عنهم القرآن فی الموقع التالی: ( أُوْلئِکَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلئِکَ هُمُ المُفْلِحُونَ) أبرز الصفات فیهم هی الإیمان بالغیب، فهو الشرط الأساسی فی إیمان الإنسان المتقی الذی حصر الله سبحانه وتعالى فیه الفوز والفلاح فی الدنیا والآخره .
ونتساءل : ما هو الغیب ؟ ولماذا أصبح الإیمان بالغیب محوراً أساسیاً للإیمان ؟
إن الله جلّ جلاله هو الغیب، وإن الرسالات السماویه هی الغیب،وإن الآخره هی الغیب،وإن الإمامه فی أهل البیت وعصمتهم (صلوات الله وسلامه علیهم أجمعین) هی الغیب. وإن أبرز وأهم غیب فی حیاتنا، هو الإیمان بوجود وظهور وانتصار الإمام الحجه المنتظر (عجل الله فرجه الشریف) إن الغیب هو خلق الشهود، وهو أصل الشهود، وهو روح الشهود، وهو محتوى الشهود ، وهو فی الحقیقه النور الأسطع للشهود . فاللّب أهم من القشره ، ومن أراد شراء بضاعه ما فهو یهتم بتحدید حقیقه هذه البضاعه دون الاکتفاء أو الاهتمام بما یعکسه مظهرها. وعلى الرغم من أنّ کثیراً من الناس یقول بأن ماکنه السیاره هی التی تحرّک السیاره؛ لکننا نقول – کما هی الحقیقه – إن وقود السیاره، هو غیب السیاره وهو الوجه الآخر الأصیل لذاتها. وإنّ ضوء الشمس لیس هو الشمس، وإنما عین الشمس الغائبه عنّا هو التفاعلات الذریه الحادثه باستمرار فی الشمس، ولولا هذه التفاعلات لما أضاءت الشمس ولو للحظه واحده وإن غیب الإنسان لیس حرکته أو سکنته، وإنما الغیب فیه کامن فی قوه قلبه وسلامه أعصابه وشرایینه ومخّه. وإذا انعمنا النظر فی حقیقه الإنسان لوجدنا أن مخّه لیس هو الأساس فیه ، وإنما الروح هی المحور لدیه ، وإذا انعمنا النظر ثانیهً لعرفنا أن العقل هو موجّه هذه الروح. ثم إن هذا العقل والحیاه والقدره الکامنه فی الروح یقف وراءها امر أهم بکثیر منها مجتمعهً، وهی إراده الله سبحانه وتعالى، ولولا مشیئته وإفاضته وقدرته ونوره لتلاشت الروح الإنسانیه؛ أو لنقل: لو لم تکن الإراده الإلهیه فی إیجاد الروح والقدره لدى الإنسان، لأصبح هذا الأخیر کالجماد أو هو أعجز من الجماد، إن صحّ التعبیر عن وجود جمادٍ فی هذا الکون العجیب !…
إذن؛ فکلّ حلقه من حلقات الغیب تأخذ أهمیّتها وموقعها من مستوى التعمق فی النظر إلیها. فکلما کانت هذه الحلقه أبعد من حیث الترتیب والعمق، کلما جسّدت هی الأساس والمصدر؛ أما النور والمظهر فلا شیء مهم یذکر فیهما، هذا هو الغیب ..والإیمان بالغیب عادهً ما یکون فارقاً بین الإنسان والحیوان؛ الحیوان العاجز عن النفوذ إلى اللّب والجوهر إلاّ بالحواس المادیه. والبشر بدورهم على مراتب متفاوته تجاه هذه المسأله؛ فالرجل العادی منهم ینظر الى طبیعه المجتمع المتخلفه والفقیره والمتوتره والمضطربه ، ولکنه لا یعرف السبب من وراء ذلک، وهو قد یقول : لعلّ الله خلقهم کذلک !.. ولکن الخبیر منهم ینظر بعین متفحصه وخلفیه فکریه متینه ، فهو یؤکد – عالماً – بأن هناک أسباب للاختلاف والتخلف والفقر والتوتر والاضطراب وباقی الظواهر الأخرى. فالخبیر یتعمق ویصل إلى العمق، فی حین أن الإنسان البسیط أو المعاند أو الجاهل یقتصر على التعامل مع المظاهر فقط . والفرق بین فریق المؤمنین وفریق الکافرین هو فی الذات. فالکافرون لا یعلمون إلاّ ظاهراً من الحیاه الدنیا ، فهم لا یعرفون إلاّ أنهم یتوالدون ویتناسلون ویتکاثرون، وأنه لا یمیتهم إلاّ الدهر. وأما عن الآخره فهم قوم عمون ، لا ینظرون إلیها، ولا یعرفون عنها شیئاً. أما فریق المؤمنین فهو من لا یضطر الى جعل الغیب شهوداً حتى یؤمن به، بل هو یرتفع إلى مستوى الإیمان به .وماذا یعنی ذلک ؟! یعنی أن الإنسان المؤمن لم یعترف بالموت أو بما وراء الغیب من رؤیته القبر، أو ماوراء القبر من عذاب أو ثواب، وهو لم یؤمن بالغیب من رؤیه رآها فی المنام ، وهو لم یؤمن بأن المیت الفلانی یتعذب فی الوقت بعذاب القبر لأنه قد رأى ذلک فی منامه، وهو لا یقول إنّ فلاناً فی الجنّه لأنه قد رأى رؤیه فی ذلک، فرؤیه المنام لا ینبغی أن تکون العامل الحاسم فی الإیمان بالغیب ، کیف کان ومتى کان؛ بل إن المؤمن ومن خلال محاکمه عقلیه، ومحاسبه علمیه، ومن خلال ارتفاع مستوى روحه الى الاستشراف على الغیب یؤمن بما وراء الماده والغیب. فهو یعلو ویعلو، ویسمو ویسمو إلى أن یصل الى أفق الغیب فیؤمن به کحقیقه ثابته لا تقبل الشک .

Leave A Reply

Your email address will not be published.