البداء عند الشیعه

0

فلیس ثمه عالم من العوالم إلاّ وهو تعالى محیط به ومطلع علیه ، على أنَّ علمه تعالى أزلی بأزلیه ذاته المقدسه ، هذا ما علیه الإمامیه " رفع الله شأنهم". وأما قولهم بالبداء فلیس المقصود منه الظهور بعد الخفاء ، إذ إنَّهم مجمعون قاطبه ودون استثناء على استحاله ذلک على الله تعالى ، فما نُسب إلیهم من المصیر إلى هذا القول محض افتراء وإرجاف فهذه کتبهم تعبِّر عن فساد هذه النسبه ، والى الله المشتکى ربنا " إن کنت قلته فقد علمته تعلم ما فی نفسی ولا أعلم ما فی نفسک  " .والبداء الذی تقول به الإمامیه إنَّما هو الإظهار بعد الإخفاء ، والتعبیر عن ذلک بالبداء إنَّما هو مجرَّد اصطلاح ولا مشاحه فی الاصطلاح . ومنشأ الاصطلاح علیه بالبداء هو علاقه المشاکله ، والتی تعنی ـ کما ذکر علماء البدیع ـ " ذکر الشیء بلفظ غیره لوقوعه فی صحبته تحقیقاً أو تقدیراً".  کما فی قوله تعالى : ( ومکروا ومکر الله والله خیر الماکرین) ( ۱)، فإنَّ نسبه المکر إلى الله تعالى لیس بمعنى المکر المنسوب إلى الکفار والذی یستبطن معنى الخدیعه ، إذ هو تعالى منزَّه عنها ، فالمکر المنسوب إلى الله تعالى یعنی الغلبه والقهر ، وإنَّما جیء بلفظ المکر لغرض المشاکله بمعنى انَّه استعاض عن لفظ الغلبه والقهر أو ما یراد فهما بلفظ المکر لمناسبته ومشاکلته للفظ المکر المستعمل ـ فی صدر الآیه الشریفه ـ فی معناه الحقیقی.
 هذا فیما تکون فیه المشاکله تحقیقیه  ، وقد تکون تقدیریه کما فی قوله تعالى : (لیمیز الله الخبیث من الطیب ) (۲) ، فإنَّ تمییز الخبیث من الطیب منوط بالإمتحان ، وهذا یعنی الجهل بالواقع قبل الإمتحان ، وهو مستحیل على الله تعالى ، إلاّ انَّ استعمال لفظ التمییز هنا للمشاکله التقدیریه حیث لم یذکر لفظ التمییز بمعناه الحقیقی فی نفس الکلام إلاّ انّه مقدَّر بمعنى انَّ المولى أراد تقریب المعنى المراد عنده تعالى بالمعنى المألوف للتمییز وهو المعنى المناسب للإنسان .واستعمال لفظ البداء فی الإبداء من قبیل المشاکله التقدیریه ، والتی هی مجرَّد استبدال لفظ بلفظ دون إن یکتسب المعنى الذی استعمل اللفظ فیه مجازاً ما یعبِّر عنه المعنى الحقیقی للفظ  ، غایته أنَّ هذا اللفظ لمَّا کان مألوفاً أکثر ومعناه الحقیقی أقرب للفهم اُتّخذ هذا اللفظ معبراً وطریقاً لإفهام المعنى الآخر الأدق والذی هو الإبداء .على إنَّ هذا الاستعمال لسنا مختصین به بل ذکر فی روایات السنه أیضاً ، فقد نقل البخاری فی صحیحه بإسناده عن أبی عمره انَّ أبا هریره حدَّثه انَّه سمع رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) یقول "  إنَّ ثلاثه فی بنی إسرائیل أبرص وأعمى وأقرع بدا لله عز وجل أن یبتلیهم … "(3).
وکیف کان فالمراد من البداء هو انَّ المشیئه الإلهیَّه اقتضت تدبیر بعض الأمور على أساس القابلیه للتغیّر أو التقدیم والتأخیر وربط بعض المقدرات بأُخرى بنحو التعلیق، على انَّه تعالى مطلع من الأزل على المتقدم منها من المتأخر وعلى أنَّ المعلَّق منها هل سیتم لتحقق المعلَّق علیه أو انَّه لن یتم لأنَّ المعلَّق علیه لن یتحقق. فالمحو والإثبات والتغییر والتأخیر والتقدیم والتعلیق لا یتنافى مع علمه بما ستصیر إلیه الأمور، وإنَّما اقتضت حکمته وشاءت إرادته تدبیر خلقه بهذا النحو من التدبیر " لا یُسأل عمَّا یفعل" . وقد دلَّت على هذا النحو من المشئیه آیات کثیره ، منها قوله تعالى: (وان لو استقاموا على الطریقه لاسقیناهم ماء غدقا) ( ۴)، (ولو انَّ أهل القرى آمنوا لفتحنا علیهم برکات من السماء) ( ۵) ، (انَّ الله لا یغیِّر ما بقوم حتى یغیروا ما بأنفسهم) ( ۶) ، (ان تنصروا الله ینصرکم ویثبت أقدامکم) ( ۷)، (فلما أسفونا انتقمنا منهم ) ( ۸)، (اتقوا الله وآمنوا برسوله یؤتکم کفلین من رحمته ویجعل لکم نوراً تمشون به) ( ۹) ، (من کان یرید العاجله عجَّلنا له فیها ما نشاء لمن نرید ) (۱۰) ، (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى امه معدوده لیقولن ما یحبسه ) (۱۱) ، (وما یُعمَّر من معمَّر ولا ینقص من عمره إلاّ فی کتاب) (۱۲). فالبرکات المنفتحه عن السماء والنصر الذی یؤید الله به أنصاره والنور المفاض عن الله تعالى على المؤمنین وتعجیل الخیر بدلا عن تأخیره وتأخیر العذاب بدلا عن تعجیله کلها مظاهر للقدره الإلهیه والتی هی مکنونه فی مخزون علمه ، غایته انَّ حکمته اقتضت التعجیل أو التأخیر أو التعلیق.
 فالتعبیر عن ذلک بالبداء نشأ عن انَّه تعالى یظهر مشیئته لعباده فیظهر لهم ما کان خفیاً عنهم، فقد یعدهم بالنصر فیؤخره عنهم لأنَّ مشیئته اقتضت تعلیق النصر على التوکل على الله ، فلمَّا خلت نفوسهم عنه أخَّر النصر عنهم، فتظهر لهم مشیئته فی التأخیر بعد إن لم تکن ظاهره لهم لوعده إیَّاهم بالنصر، وهذا لا یستلزم الکذب لأنَّه علّق وعده بالنصر على التوکل وهم قد خلو منه وقد لا یصرّح بالمعلَّق علیه لمصلحه اقتضتها حکمته البالغه. ویُعبَّر عن هذا النحو من القضاء ـ فی تمام الموارد التی ذکرناها ـ بالقضاء غیر المحتوم وبالقضاء الموقوف، وهو المقصود من لوح المحو والإثبات المستفاد من الآیه الکریمه (یمحو الله ما یشاء ویثبت وعنده ام الکتاب) (۱۳).
 وقد دلَّت على البداء بهذا المعنى روایات کثیره من طرقنا
منها : ما عن علی بن إبراهیم فی تفسیره عن عبد الله بن مسکان عن أبی عبد الله (علیه السلام) قال : " إذا کان لیله القدر نزلت الملائکه والروح والکتبه إلى سماء الدنیا فیکتبون ما یکون من قضاء الله تعالى فی تلک السنه ، فإذا أراد الله أن یُقدِّم شیئاً أو یؤخره أو ینقص شیئاً أمر الملک أن یمحو ما یشاء ثم أثبت الذی أراده ، قلت : وکل شیء هو عند الله مثبت فی کتاب الله ، قال : نعم ، قلت : فأی شیء یکون بعده  ، قال : سبحان الله ثم یحدث الله أیضاً ما یشاء تبارک وتعالى "(14). ومنها : ما عن علی بن إبراهیم أیضاً فی تفسیره عن عبد الله بن مسکان عن أبی جعفر وأبی عبد الله وأبی الحسن  (علیهم السلام) عند تفسیر قوله تعالى : (  فیها یفرق کل أمر حکیم ) "أی یُقدِّر الله کل أمر من الحق ومن الباطل وما یکون فی تلک السنه وله فیه البداء والمشیئه ، یقدِّم ما یشاء ویؤخر ما یشاء من الآجال والأرزاق والبلایا والأعراض والأمراض ویزید فیها ما یشاء وینقص ما یشاء "(15). فالمراد من البداء هو انَّ لله تعالى المشیئه فیما یقضیه ویُقدِّره ، إلاّ إنَّ ذلک لا یعنی ان مشیته التی قد تقتضی التقدیم أو التأخیر أو عدم وقوع المعلَّق عند عدم وقوع المعلَّق علیه نشأت عن عدم علمه بمجاری الأمور حیث یظهر له بعد ذلک انَّ الأوفق هو تقدیم ما قدَّر تأخیره أو تأخیر ما قدَّر تقدیمه ، وإنما مشیئته اقتضت تدبیر خلقه بهذا النحو من التدبیر .
 ولهذا أکدت الروایات على هذا المعنى : منها : ما رواه الصدوق فی إکمال الدین بإسناده عن أبی بصیر وسماعه عن أبی عبد الله (علیه السلام) : " من زعم انَّ الله عز وجل یبدو له فی شیء لم یعلمه أمسِ فابرأوا منه "(16). ومنها: ما رواه العیاشی عن ابن سنان عن ابی عبد الله (علیه السلام) یقول: " انَّ الله یقدم ما یشاء ویؤخر ما یشاء ویمحو ما یشاء ویثبت ما یشاء وعنده ام الکتاب ، وقال فکلُّ أمر یریده الله فهو فی علمه قبل ان یصنعه لیس شیء یبدو له إلاّ وقد کان فی علمه ، انَّ الله لا یبدو له من جهل "(17).
هذا هو مراد الإمامیه من البداء ، والطعن علیهم إنما جاء من عدم فهم مرادهم ومع انفهمامه لا معنى لعرض أدلتهم ومن أراد فلیراجع .
ــــــــــــــــ
۱٫ سوره آل عمران: ۹۴
۲٫ سوره الأنفال: ۲۷
۳٫ صحیح البخاری : کتاب الأنبیاء باب ما ذکره عن بنی إسرائیل، الحدیث ۳۲۷۷
۴٫ سوره الجن: ۱۶
۵٫ سوره الأعراف: ۹۶
۶٫ سوره الرعد: ۱۱
۷٫ سوره محمد (ص) ۷
۸٫ سوره الزخرف: ۵۵
۹٫ سوره الحدید ۲۸
۱۰٫ سوره الإسراء ۱۸
۱۱٫ سوره هود ۸
۱۲٫ سوره فاطر ۱۱
۱۳٫ سوره الرعد ۳۹
۱۴٫ البحار : ۴/۱۲ الحدیث ۱۸
۱۵٫ البحار : ۴/۱۱ الحدیث ۱۲
۱۶٫ البحار : ۴/۱۱۱ الحدیث ۳۰
۱۷٫ البحار: ۴/ ۱۰۲ الحدیث ۱۴
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.