المسيح عيسى بن مريم (علی نبینا و آله و علیهما السلام) جزء الثانی2

0 369
بإمكانك تقراء الجزء السابق: https://b2n.ir/z27993

الجزء الثاني

مكان الولادة:

وكما لم يتعرض القرآن الكريم لتحديد زمان الولادة، كذلك لم يتضمن تحديد مكانها، نعم أشار القرآن إلى خروج السيدة مريم(ع) إلى مكان بعيد، قال تعالى:- (فانتبذت به مكاناً قصياً)[1] ، والقصي هو المكان البعيد. وقد تضمنت النصوص تحديداً لمكان الولادة، فاشتملت على ذكر أماكن:


أحدها:

 أنها قد وقعت في بغداد، وبالتحديد في مسجد براثا، فقد جاء في أمالي الشيخ الطوسي(ره) عن حميد بن قيس، عن علي بن الحسين(ع) قال: إن أمير المؤمنين(ع) لما رجع من وقعة الخوارج اجتاز بالزوراء، فقال للناس: إنها الزوراء، فسيروا وجنبوا عنها، فإن الخسف أسرع إليها من الوتد في النخالة، فلما أتى يمنة السواد إذا هو براهب في صومعة له فقال له الراهب: لا تنـزل هذه الأرض بجيشك. قال: ولم؟ قال: لأنها لا ينـزلها إلا نبي أو وصي نبي يقاتل في سبيل الله عز وجل، هكذا نجد في كتبنا، فقال له أمير المؤمنين(ع): أنا وصي سيد الأنبياء، وسيد الأوصياء. فقال له الراهب: فأنت إذن أصلع قريش، ووصي محمد. فقال له أمير المؤمنين(ع): أنا ذلك، فنـزل الراهب إليه، فقال: خذ عليّ شرائع الإسلام، إني وجدت في الإنجيل نعتك وأنك تنـزل أرض براثا بيت مريم وأرض عيسى(ع)، فأتى أمير المؤمنين(ع) موضعاً فلكزه برجله فانبجست عين خرارة، فقال: هذه عين مريم التي اُنبعت لها، ثم قال: اكشفوا ههنا على سبعة عشر ذراعاً، فكشف فإذا بصخرة بيضاء، فقال(ع): على هذه وضعت مريم عيسى(ع) من عاتقها وصلت ههنا، ثم قال: أرض براثا هذه بيت مريم(ع)[2]

 

ثانيها:

أن مكان ولادتها كان في الكوفة، وقد خصها بعضهم بنجف الكوفة، ففي معتبرة حفص بن غياث، قال: رأيت أبا عبد الله(ع) يتخلل بساتين الكوفة فانتهى إلى نخلة فتوضأ عندها ثم ركع وسجد، فأحصيت في سجوده خمسمائة تسبيحة، ثم استند إلى النخلة فدعا بدعوات، ثم قال: يا حفص إنها والله النخلة التي قال الله جل ذكره لمريم:- (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً)[3]. ومع أن النص قد تضمن التعبير ببساتين الكوفة، إلا أنه يمكن حمل ذلك على ربوة النجف الأشرف، فيكون المعتبر صالحاً للدلالة على تحديد مكان الولادة بذلك. وإن أبي فإن هناك نصاً صريحاً في كون النجف هي محل الولادة، فعن يحيى بن عبد الله قال: كنا بالحيرة، فركبت مع أبي عبد الله(ع) فلما صرنا حيال قرية فوق الماصر، قال: هي هي، حين قرب من الشط وصار على شفير الفرات، ثم نزل فصلى ركعتين، ثم قال: أتدري أين ولد عيسى(ع)؟ قلت: لا، قال: في هذا الموضع الذي أنا فيه جالس، ثم قال: أتدري أين كانت النخلة؟ قلت: لا، فمد يده خلفه فقال: في هذا المكان، ثم قال: أتدري ما القرار وما الماء المعين؟ قلت: لا، قال: هذا هو الفرات، ثم قال: أتدري ما الربوة؟ قلت: لا، فأشار بيده عن يمينه. فقال: هذا هو الجبل إلى النجف، وقال: إن مريم ظهر حملها وكانت في واد فيه خمسمائة بكر يتعبدن، وقال: حملته تسع ساعات، فلما ضربها الطلق خرجت من المحراب إلى بيت دير لهم، فأجاءها المخاض إلى جزع النخلة فوضعته فحملته فذهبت به إلى قومها، فلما رأوها فزعوا فاختلف فيه بنو إسرائيل، فقال بعضهم: هو ابن الله، وقال بعضهم: هو عبد الله ونبيه، وقالت اليهود: بل هو ابن الهنة، وبقال للنخلة التي أنزلت على مريم العجوة.
وعن أبي عبد الله(ع) في قول الله عز وجل:- (وآويناههما إلى ربوة ذات قرار ومعين) قال: الربوة: نجف الكوفة، المعين الفرات.

 

ثالثها:

 أنه واقع في أرض كربلاء المقدسة، ففي خبر أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين(ع) في قوله تعالى:- (فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً)، قال: خرجت من دمشق حتى أتت كربلاء فوضعته في موضع قبر الحسين(ع)، ثم رجعت من ليلتها[4]

 

رابعها:

أن الولادة قد وقعت في بيت لحم في بيت المقدس بأرض فلسطين. ويدل عليه ما ورد في التفسير المنسوب لعلي بن إبراهيم، بسند معتبر عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله(ع)-في حديث طويل في صفة المعراج-: ثم قال لي جبرئيل: انزل فصل، فنـزلت وصليت، فقال لي: تدري أين صليت؟ فقلت: لا، فقال: صليت بطور سيناء، حيث كلم الله موسى تكليماً، ثم ركبت فمضينا ما شاء الله، ثم قال لي: انزل فصل، فنـزلت وصليت، فقال لي: أتدري أين صليت؟ فقلت: لا، فقال: صليت في بيت لحم وبيت لحم بناحية بيت المقدس حيث ولد عيسى بن مريم(ع)[5]
وقد يمنع القبول بشيء من الأقوال الثلاثة كون مريم(ع) كانت مقيمة في أرض فلسطين، وقد عرفت أنه لم يكن بين وقت ولادتها ووقت عودتها لقومها زمناً طويلاً، فكيف يتصور أن تقطع مريم كل هذه المسافات، وتعود في نفس الوقت، ولم تكن وسائل التنقل بالأمس كما هي عليه اليوم؟
ويجاب عنه، بأن موضوع ولادة السيد المسيح عيسى(ع) كله قد تدخلت فيه العناية الإلهية الخاصة بدءاً من أصل التكوين كما عرفت، وأن وجوده خاضع لقانون كن، إلى مدة الحمل، وما سيظهر عليه من معجزات وهو بعدُ في المهد، وعليه فلا يوجد ما يمنع أن تصل السيدة مريم(ع) لواحد من هذه الأماكن الثلاثة لشرافة فيها، وليضاف لشرفها شرف ولادتها أيضاً فيها، وهذا يكون من باب الإعجاز والولاية التكوينية.
وقد أشار لهذا الإشكال الشيخ المجلسي(ره)، في تعقيبه على النص الذي تضمن أن ولادته(ع) كانت على نهر الفرات، فقال(قده): وربما يستبعد ذلك بأنه تواتر عند أهل الكتاب بل عندنا أيضاً أن مريم كانت في بيت المقدس، وكانت محرراً لخدمته، وخرجت إلى بيت خالتها أو أختها زوجة زكريا، فكيف انتقلت إلى الكوفة وإلى الفرات مع هذه المسافة البعيدة في هذه المدة القليلة.

والجواب:

 أن تلك الأمور إنما تستبعد بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إليها وأمثالها فلا استبعاد، فيمكن أن يكون الله تعالى سيرها في ساعة واحدة آلاف فراسخ بطي الأرض، ويؤيده قوله تعالى:- (فانتبذت به مكاناً قصياً)، أي تنحت بالحمل إلى مكان بعيد، وقال بعضهم: أن يوسف النجار ابن عم مريم لما علمت بحملها احتملها على حمار له فانطلق بها حتى إذا كان متاخماً لأرض مصر في منقطع بلاد قومها أدرك مريم النفاس فألجأها إلى أصل نخلة يابسة فوضعت عندها عيسى.
وأقول: هذا مبنى على أن مدة حملها لم تكن ساعات قليلة، بل تسعة أشهر أو ثمانية، أو ستة كما مر، وقد مر أن الوارد في أكثر أخبارنا تسع ساعات، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة، فعلى الأقوال الأوّلة يمكن أن يكون ذهابها إلى الكوفة بغير طي الأرض أيضاً، والمشهور بينهم أن ولادته(ع) كانت في بيت لحم بقرب بيت المقدس.[6]
وقد يقرر وجود معارضة بين الطوائف الأربعة التي استند إليها القائلون بالأقوال الأربعة، وعليه لما لم يكن الجمع العرفي بينها متصوراً، فلا مناص من البناء على الترجيح لأحدها.
وعندها قد يدعى سقوط القول الرابع عن البحث، لأن مستنده نص قد ورد في كتاب التفسير المنسوب لعلي بن إبراهيم، وقد عرفت في محله عدم صحة النسبة، وهذا يجعل المصدر غير معروف، مما يجعل الاستناد لمروياته من الصعوبة بمكان.
وعندها سوف تدور المعارضة بين الأقوال الثلاثة والنصوص المستدل بها عليها، وقد يقرر أن الترجيح للقول الثاني، وهو كون الولادة في النجف الأشرف، أو لا أقل في الكوفة، لتقديم كتاب الكافي على غيره من المصادر الحديثية لما له من امتياز.
وهو ممنوع، لما ذكرناه غير مرة، من أن الكافي وإن كان كتاباً جليلاً، إلا أن ترجيحه على بقية الكتب الحديثية الأخرى بنحو الموجبة الجزئية، وليس بنحو الموجبة الكلية، كما يلحظ ذلك أهل الخبرة والدراية بكتب الحديث. وعليه، فمجرد كون الرواية في كتاب الكافي، لن يكون موجباً لتقدمه على غيرها. نعم يمكن البناء على أن ما جاء في كتاب التهذيب معرض عنه من قبل الأصحاب، وذلك لأن المفروض أنها من النصوص التي ظفر بها الكليني(ره)، إلا أنه لم ينقلها في كتابه، وهذا يوجب سقوطها عن الحجية.
ولا يخفى ما فيه، ضرورة أن الإعراض المذكور لو تم، فإنه لن يخرج عن كونه إعراضاً صناعياً، نجم من خلال تقديم الخبر الآخر عليه، لموجبات لو اطلعنا عليها قد لا نقبلها.
والإنصاف، عدم وجود معارضة في المقام، وذلك لأننا لو تأملنا في نصوص الأقوال الثلاثة الأول، لا نجدها تضمنت التعبير بكلمة الولادة، وإنما تضمنت التعبير بكلمة الوضع، ومن المعلوم أن الوضع أعم من الولادة، وغيره، ودلالة اللفظة على الولادة إنما هي بالظهور، وليست بالنص، فإذا وجد ما يساعد على التصرف في ظهور اللفظ ولو بحمله على غير معناه، كان ذلك متعيناً، وهذا بخلاف النص الدال على القول الرابع، فقد تضمن التعبير بولدت، وهو نص في كون محل الولادة في بيت لحم، وعليه لو سلمنا بظهور لفظة الوضع في النصوص الثلاثة الأول، ظاهرة في تحديد مكان الولادة، لزم أن تحمل على خلاف ظاهرها ليكون المقصود به الوضع بعد الولادة، على الشيء، من باب الجمع العرفي حملاً للنص على الظاهر.
وعليه، سوف يلتـزم أن محل ولادته(ع) في بيت لحم كما هو المشهور والمعروف.
والعجب من بعضهم عدم القبول بمثل هذا القول، والإصرار على كون محل الولادة في مسجد براثا، مدعياً أنه المستفاد من نصوص أهل البيت(ع)، وكأن القول بأن ولادته في بيت لحم لم ترد عنهم(ع).
وإن أبيت عن البناء على ما ذكرنا، فلا مناص من استقرار المعارضة، وليس في البين ما يوجب المرجحية، ما دام ليس هناك شهرة لأحد الأقوال الأربعة على البقية، فسوف تسقط جميعها، فلا يكون محل ولادته(ع) معروفاً.
وقد يتمسك لكون محل الولادة في منطقة براثا، بكثرة النصوص الواردة في ذلك، وهذا يوجب شهرة روائية له على بقية الأماكن الأخرى.
ويدفعه، عدم وجود كثرة في النصوص، بل الموجود كثرة في نقل القضية التي ذكرناها، ومع البناء على تعدد النصوص، إلا أن كثرتها لم تبلغ حدّ الاستفاضة، وهذا لا يكفي لتحقق شهرة روائية توجب ترجيح أحد الأقوال على البقية.


رابعها: ما بعد الولادة:

بعدما ولدت السيدة مريم(ع) رجعت تحمل وليدها على يديها إلى قومها، فلما رأوها تحمل طفلاً حديث الولادة ولم تكن امرأة متـزوجة سارعوا إلى اتهامها بالفحشاء، قال تعالى:- (فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً* يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً)[7] ، وللمفسرين كلام في تحديد المقصود من هارون الذي ورد ذكره في الآية المباركة، بعد اتفاقهم على أنه ليس شقيقاً للسيدة مريم(ع)، والذي ورد به النص عن النبي(ص) أنه رجل صالح، وقد كانت مريم تشبّه به، قال(ص): كان رجلاً صالحاً من بني إسرائيل ينسب إليه كل من عرف الصلاح.[8]
وقد أظهر الله تعالى براءتها من خلال حصول المعجزة بكلام الطفل حديث الولادة في المهد على خلاف المتعارف، وقد تضمن كلامه(ع) أموراً ثلاثة:

انتهی الجزء الثاني

من موقع سماحة الشيخ محمد العبيدان القطیفی

بإمكانك تقراء الجزء الثاني عبر هذا الرابط :https://b2n.ir/d24904

___________________________________

[1] سورة مريم الآية رقم 22.

[2] بحار الأنوار ج 14 ب ولادة عيسى(ع) ح 7 ص 210-121.

[3]  بحار الأنوار ج 14 ب ولادة عيسى(ع)، ح 5 ص 208.

[4] بحار الأنوار ج 14 ب ولادة عيسى(ع)، ح 8 ص 212.

[5] بحار الأنوار ج 14 ب ولادة عيسى(ع)،ح 4 ص 208.

[6] مرآة العقول ج 6 ص 50-51.

[7] سورة مريم الآيتان رقم 27-28.

[8] نور الثقلين ج 4 ص 364.

Leave A Reply

Your email address will not be published.