قضية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه (02)

0

ظهور المنقذ إلهام فطري‏
ليس المهدي عجل الله تعالى فرجه تجسيداً لعقيدة إسلامية ذات طابع ديني فحسب، بل هو عنوان لطموح اتجهت إليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها، وهذا يكشف عن وجود ارتكاز والهام فطري في ضمير الإنسانية، أدرك الناس من خلاله على الرغم من تنوع عقائدهم ووسائلهم إلى الغيب أن للإنسانية يوماً موعوداً على الأرض، تحقّق فيه رسالات السماء بمغزاها الكبير، وهدفها النهائي، وتجد فيه المسيرة المكدودة للإنسان على مرِّ التاريخ استقرارها وطمأنينتها، بعد عناءٍ طويل.

وحينما يدعم الدِّين هذا الشعور النفسي والارتكاز الفطري لدى الإنسانية، ويؤكّد أن الأرض في نهاية المطاف ستمتلئ قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً، يعطي لذلك الشعور قيمته الموضوعية ويحوله إلى إيمان حاسم بمستقبل المسيرة الإنسانية.

 ويشير القائد دام ظله إلى هذا الميل والنزوع الفطري للبشر نحو تحقيق الصلاح والعدالة بقوله: إن أحد الدروس هو أن يذعن الجميع ويعتقد بأن حركة العالم تتجه نحو الإصلاح وصوب الآفاق اللاحبة. ودعوا مستكبري العالم يقولوا ما يشاؤون، ويتشدقوا ويتظاهروا بقدراتهم، إلا أن جيش الحق والحقيقة، والقافلة التي تقود البشر صوب تحقيق العدل، تشهد يوماً بعد آخر كرة وازدياداً. إن مضي الأعوام وانصرامها لا يمكن أن يزيل الأمل أو … بريقه من القلوب، في أن يتذوق أبناء البشر طعم العدالة بالمعنى الحقيقي للكلمة في المستقبل الذي نأمل أن يكون غير بعيد.

إن حقانية الدولة الإلهية والحكومة الربانية في الأرض تكمن في أن يجني الجميع حصتهم من معرفة الحقيقة والعمل بها، إن المقتدرين والمستكبرين والسلطويين والأثرياء والمستبدين في العالم مهما بذلوا أو يبذلون من مساع، فليس بمقدورهم أن يوقفوا هذه الحركة، وهذا الميل والنزوع الطبيعي للبشر صوب تحقيق الصلاح.

وبالتأكيد لا يمكن أن نرى طفرة وقفزة في أمر الله تعالى في أرضه، فالأمور تجري على طبيعتها المعهودة، وطبيعة وفطرة البشر هي التوجه نحو الكمال“.

الشيعة والمهدي عجل الله تعالى فرجه
و
لئن كانت قضية المهدي إسلامية إلا أن هناك خاصيّة تنفرد بها العقيدة الشيعية في هذا المجال.

يقول الإمام الخامنئي دام ظله: “… أما الخاصيّة التي تنفرد بها العقيدة الشيعية في هذا المجال فهي عدم وجود أي غموض فيها لأن الشيعة يحيطون بكل تفاصيل هذا الموضوع وعلى معرفة تامة بشخصية المهدي عجل الله تعالى فرجه، فنحن نعرف وليّنا وسيّدنا وإمامنا، وسيد العالمين ونعرف أباه وأمه وتاريخ ولادته وكل ما يتعلق بولادته المباركة، وهنالك من نقلوا هذه القضايا بأخبار صادقة وموثّقة.

وهذه الأمور كلها واضحة لدينا ولا لبس فيها. ومعنى هذا أننا على بيّنة بمن نحب وبمن نؤمن ونعتقد.

كان إمامنا المعصوم، بقية عترة الرسول وأهل البيت، قائماً طوال الأزمنة الأخيرة بين المجتمعات البشرية، وهو موجود اليوم بين ظهرانينا، إلا أن الحكمة الإلهية اقتضت أن نعيش هذا الانتظار الكبير، وأن يعيش الإمام ذاته مثل هذا الانتظار أيضاً…”.

لماذا الغياب إذن؟
كما علمنا من كلام القائد أن غياب الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه هو لحكمة اقتضتها المشيئة الإلهية، وغيابه غيب في علم الله ولسائل أن يسأل كيف يمكن أن يبقى الإمام المنتظر حيّاً هذه المدّة الطويلة من السنين، وهل هذا ممكن؟

لدينا أدلة عديدة على إمكان ذلك:
1- الدليل العقائدي
وخلاصته أن إرادة الله تعالى وقدرته، التي أعدّت الإمام ليومه الموعود، هي التي تعطيه البقاء وتمنحه طول العمر.

2- الدليل التاريخي
حيث أن التاريخ يثبت وجود نظائر للإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه في طول العمر، أمثال النبي نوح عليه السلام الذي عاش ألف سنة إلا خمسين عاماً، يدعو قومه كما ذكر القرآن الكريم، وهذا قبل الطوفان، وبعده أيضاً عاش فترة طويلة. وهناك الكثيرون عاشوا طويلاً يحدثنا التاريخ عنهم.

3 -الدليل العلمي
وموجزه أن جماعة من العلماء المحدثين أمثال الدكتور: ألكيس كاريل، والدكتور جاك لوب، والدكتور وورن لويسي وزوجته، وغيرهم. قاموا بإجراء عدّة تجارب، في معهد (روكلفر) بنيويورك في الولايات المتحدة الأميركية على أجزاء لأنواع مختلفة من النبات والحيوان والإنسان.

وكان من بين تلك التجارب، ما أُجرى على قطع من أعصاب الإنسان وعضلاته وقلبه وجلده وكليته، فرؤي أن هذه الأجزاء، تبقى حيّة نامية ما دام الغذاء اللازم موفور لها. وما دامت لم يعرض لها عارض خارجي، وإن خلاياها تنمو وتتكاثر وفق ما يقدّم لها من غذاء.

وإليك أيها القارئ، نتائج تجارب الدكتور كاريل، التي شرع فيها في كانون الثاني سنة 1912م.

أ- أن هذه الأجزاء الخلوية، تبقى حيّة ما لم يعرض لها عارض يميتها، إما من قلّة الغذاء، أو من دخول بعض الميكروبات.
ب- إنها لا تكتفي بالبقاء حيّة بل تنمو خلاياها، وتتكاثر كما لو كانت باقية في جسم الإنسان أو الحيوان.

ج- إنه يمكن قياس نموها وتكاثرها ومعرفة ارتباطها، بالغذاء الذي يقدم لها.
د- لا تتأثّر بالزمن، أي أنها لا تشيخ، ولا تضعف بمرور الزمن، بل لا يبدو عليها أقل أثر للشيخوخة، بل تنمو وتتكاثر هذه السنة، كما لو كانت تنمو وتتكاثر في السنة الماضية، وما قبلها من السنين.

وتدل الظواهر كلها على أنها ستبقى حيّة نامية، ما دام الباحثون صابرين على مراقبتها، وتقديم الغذاء الكافي 03.

4- الدليل الروائي

فإخبار رسول الله الصادق ال أمين صلى الله عليه وآله، والأئمة عليهم السلام، بروايات كثيرة، لا تحتمل الكذب، دليل على صحّة القضية.

ولعلّ‏َ الحكمة من غيابه عجل الله تعالى فرجه، أن دوره تغييري شامل للعالم كلِّه، فلأجل أن يكون له الأثر المطلوب، في الناس، جُعل غيابه وظهوره إعجازي، حيث أن الناس يتأثرون كثيراً في المعاجز، فيخضعون ويؤمنون بما يأتي به المهدي عجل الله تعالى فرجه، ولذلك ورد في تفسير الآية الكريمة: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ02.

عن الإمام أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، في تفسيره إنها بحق الحجة المنتظر عجل الله تعالى فرجه.

*الإمام المهدي (عج)، سلسلة في رحاب الولي الخامنئي، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

………………………………….

01- مجلة المقتطف، هل يخلد الإنسان في الدنيا؟ مجلد 59، ج‏3، ص‏238، وما بعدها.
02- الشعراء:4.

Leave A Reply

Your email address will not be published.