سر خلود رسالة الحسين عليه السلام (02)

0

إرادة الإنسان فوق كل قوة
إنني و حسب معرفتي ومعلوماتي لم أعثر على قوة ما يمكن أن تسيطر على ذات الإنسان الإرادية و تفرض وجودها عليها.
و بمعنى آخر؛ ليست هناك قوة تجبر الإنسان على تغيير سلوكه و تصرفاته من خارج ذاته، بل إن هذا التغيير لا يحصل إلا من ذات الإنسان، فالقوى الخارجية إنما تؤثر في الإنسان بصورة غير مباشرة، فهي تقصد التأثير على الذات أولاً و عندها تقرر الذات هذا التغيير، فيخرج إلى الفعل بقوتها؛ أي قوة الذات العقلية عند الإنسان.
لقد خُلق الإنسان حين خُلق من مزيج الطين والنور، و من قبضة التراب التي تغلغلت بين ذراته نفحة الروح فكان خلقاً من جنة في جانب منه، و من نار في جانب آخر، و يبقى مصيره حينئذ رهن اختياره و سلوكه، فإما أن يحوّل ذاته إلى السلب والنار؛ بأن يدس نفسه و يوغل ذاته في تراب الشهوات، و أوحال الأهواء الضالة، فيضيع في ركام التيه والخرافة فتصبح ذاته نارية بكل ما في الكلمة من معنى، فتحشر مع أهل جهنم و أصحاب السعير.
أما عندما تسلك الذات الطريق الموجب؛ طريق الارتفاع والعلوّ والتزكية والسمو نحو الكامل المطلق فإنها ستغدو حينئذ نوراً بإذن الله، فتنطلق مع أصحاب النور إلى المستقر الخالد والنعيم الأبدي في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار.

طريقان لا ثالث لهما
فلتنظر الذات الإنسانية ولتبصر، فالطريق طريقان لا ثالث لهما؛ فإما إلى الأعلى مع العلي الأعلى، و إما إلى الأسفل مع الشيطان الأدنى، ولينظر الإنسان حينئذ في حياته وكدحه وفي الطريق التي يسلكها: (يَآ أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ) (الإنشقاق:6).
إن كل ما في القرآن و آثار العترة الطاهرة، بل إن جميع الرسالات التي حملها رُسل الله و أنبياؤه و أوصياؤهم إنما تدور حول هذا المحور، فهي كلها تؤكد و تشير إشارات واضحة أن يا أيها الإنسان كن على يقظة و حذر، اصح من غفلتك، إبتعد عن مسالك الشيطان الكامنة في النفس الأمارة..
إن جميع الرسالات السماوية تصرخ بالإنسان أنْ عُدْ إلى ذاتك، فإنك وحدك القادر على أن تصنع تلك النفس و تُخرجها من حالة الأمر بالسوء إلى الأمر بالخير والكمال، فالحركة إنما تنطلق بالإرادة الكامنة في الذات الإنسانية.
و هذه الحقيقة هي التي تۆكدها المدرسة الحسينية، و تبثها من عمق الزمان منذ يوم مصرعه الدامي عليه السلام و حتى قيام الدولة الفاضلة المثلى على يد حفيده المهدي الموعود عليه السلام.

السيد محمد تقي المدرسي

Leave A Reply

Your email address will not be published.