تأملات وعبر من حياة نبي الله هود علیه السلام 02

0

 

نعم، هذه هي بركات الإنابة إلى الله عز وجل، {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا}.. فنحن عندما نلتزم بالشريعة، لا لأجل حيازة المقامات الأخروية فحسب!.. وإنما في الدنيا تنتظم أمورنا أيضا.. ولهذا يقال: إن الذي ابتليَ بعدم الذرية، وبعدم الإنجاب، فليستغفر ربه؛ فإن ذلك من طرق حيازة الذرية.. فالقرآن وعد بذلك عندما قال بأن ذلك من موجبات الإمداد بالبنين.. معنى ذلك أن الكوارث الطبيعية، من الجدْب وما شابه ذلك من روافد الذنوب المتتابعة.. وهذه الأيام هناك كثرة في الكوارث الطبيعية، قال الرضا (ع): كلّما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون، أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون.

{وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ}.. وكذلك إن كنتم تريدون القوة العسكرية والاقتصادية، فعليكم بالإنابة إلى الله تعالى، {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.. إنها مفاهيم راقية من التوحيد، ومن الدعوة إلى الإنابة، من وعد بالحياة السعيدة، عندما يعود الإنسان إلى ربه.

ولكن اسمعوا إلى جوابهم السخيف، كسخافة باقي الأمم والأجيال: {قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}.. إن الرجوع إلى الماضي، وإلى السلف، وإلى الموروث، وإلى ما تعارف عليه الناس.. هذا ما كان يواجه الأنبياء أثناء دعوتهم لله تعالى، {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}.

ثم انظروا إلى العزة الإلهية!.. {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم}.. أي أنا وكيلي رب العالمين، ربي وربكم، ثم يقول: {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.. لِمَ أخاف منكم؟.. فكل ما يدب على وجه الأرض بيد رب العالمين، إن أراد أن يأتيني بخير من هذه الدواب صرف إليَّ الخير، وإذا أراد أن يدفع عني الشر من هذه الدواب، صرف عني شر الدواب: إنسهم وجنّهم وبهيمتهم، لأن النواصي بيده.. انظروا إلى حالة العزة والاستقلالية والاطمئنان القلبي الذي يعيشه كل نبي، ومنهم نبي الله هود.

ثم قال: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}.. لا تهمني النتيجة، عليَّ أن أؤدي رسالة ربي، وأنتم عليكم العمل بالتكليف.. إن هذه قاعدة جميلة في الدعوة إلى الله، أي أن لا يجعل الإنسان عينه على الأهداف.. إنما عليه أن ينظر إلى تكليفه، ويؤدّي ما عليه تجاه الذرية والأسرة والمجتمع، ثم يفوّض الأمور إلى الله تعالى.

{فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}.. والختام هو الختام، ختام قوم صالح: {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ}.. وهكذا فإن يد العناية الإلهية، ترفق بالمؤمنين في أشد الأحداث، وفي أعظمها ثقلا على النفوس، حيث تأتي لتنتشل المؤمن في أشد الأزمات سواء في نفسه، أو في بدنه، أو في قومه.

Leave A Reply

Your email address will not be published.