السفير الثالث الحسين بن روح النوبختي رحمه الله دراسة في سيرته 01
لا يخفى على أحد ما لدراسة التاريخ من أهمية في حياة الفرد والمجتمع لأن التاريخ يكشف تجارب كثيرة مرت بها الأجيال، خصوصاً إذا ما ارتبطت دراسة التاريخ بأشخاص كان لهم دورٌ كبيرٌ في تلك التجارب. وجاء بحثنا الموسوم (الحسين بن روح النوبختي دراسة في سيرته ودوره الديني)، ليبحث في سيرة أحد الصالحين الذين خلّدهم التاريخ وملأ صفحاته بمواقفهم وأدوارهم المتعددة في خدمة الإسلام.
وقُسِّم البحث على مبحثين: الأول: بحث في سيرته، اسمه، ولقبه، ومكانته الاجتماعية، ووفاته ومرقده. والثاني: بحث في دوره الديني وتجلى ذلك من خلال سفارته ودوره في مواجهة مدعي السفارة، ودوره في الرواية عن المعصوم (عليه السلام)، ودوره في كسب قلوب مخالفيه في العقيدة، ليؤدي دوره الديني بشكل أوسع.
تمهيد:
أسرة النوبختي ودورها في الحضارة الإسلامية:
أسرة آل النوبختي من الأسر البغدادية العريقة والتي انتقلت بداية فترة الحكم العباسي من بلاد فارس إلى بغداد حيث مقر الخلافة العباسية، كان أفراد هذه العائلة من المقربين إلى حكام البلاط العباسي لما يمتلكونه من رصيد علمي في التنجيم والإدارة والأدب أهّلهم لأن يحظوا بهذه المكانة عند الحكام آنذاك، فقد ذكرت كتب التاريخ أن نوبخت جدّ هذه الأسرة عاش في عصر المنصور العباسي سنة (١٣٦- ١٥٨هـ) والذي كان يهتم بعلم التنجيم كثيراً فاستقطب المنجّمين وكان من بينهم نوبخت الذي كان قبل ذلك يعتنق المجوسية[1].
ولعل كلمة نوبخت في الفارسية تعني الحظ الجديد[2] وجاء بعده ابنه أبو سهل بن نوبخت ليجلس مجلس أبيه في صحبة المنصور لأنه أيضاً من المنجّمين وجاء بعده ولده وأيضاً اشتهر بالتنجيم، ولم يقتصر دور أسرة آل النوبختي على نوع واحد من العلوم، بل إن لهم دوراً في الكثير من العلوم والفنون نجمل الكلام طلباً للاختصار في أهم ما اشتهرت به هذه الأسرة وكان لها دور بارز فيه وهي كما يلي:
١- التنجيم:
وهذا العلم هو أشهر ما تميزت به الأسرة وخصوصاً في عهد نوبخت وابنه أبي سهل[3] وبعض أبناء أبي سهل كهارون بن أبي سهل، وأبي العباس الفضل بن سهل[4] ومن أهم من صنّف في هذا العلم هو أبو سهل بن نوبخت، فقد صنف النهمطان في المواليد وكتاب الفال النجومي[5] وغيرها.
٢- علم الكلام:
واشتهرت هذه الأسرة بعلم الكلام من خلال المصنفات التي كتبها بعض أفرادها في هذا العلم، ومن خلال المناظرات التي قاموا بها ضد خصومهم، فقد اهتدى الكثير من أحفاد أبي سهل إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، فأول كتاب في الملل والنحل ألّفه أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي[6] وأسماه (فِرَق الشيعة) وكتب الكثير من الكتب الكلامية غيره[7].
وكان لأبي إسماعيل بن علي الدور البارز في هذا المجال، ففضلاً عن تصانيفه الكثيرة في علم الكلام لديه مناظرات مع المعتزلة ومع مدّعي السفارة كالحسين بن منصور الحلاج[8] ولهم ردود على بعض الفرق كالواقفية[9] والغلاة[10] والمجسّمة[11] ومن أقدم الكتب الكلامية للشيعة كتاب الياقوت لأبي إسحاق إبراهيم النوبختي، وقد وصل إلينا هذا الكتاب في ضمن الشرح الذي كتبه عليه العلامة الحسن بن المطهر الحلي (ت ٧٢٦هـ) بعنوان أنوار الملكوت في شرح الياقوت، وسبقه إلى شرحه ابن أبي الحديد المعتزلي ولكن لم يصل إلينا[12].
٣- الأدب ورواية الشعر:
وبرز في هذا المجال إسماعيل بن أبي سهل وبعض إخوته ومحمد بن روح وأبو الحسين بن علي وأبو أيوب سليمان، فقد كان إسماعيل من الأدباء الذين عاشوا في بلاط المأمون وكان أبو أيوب سليمان من عداد الشعراء المقّلين، ونقل ابن النديم أن ديوانه يبلغ خمسين ورقة [13] وكانت لأبي سهل إسماعيل بن علي مراسلات في الشعر وكان من رواة الشعر[14].
٤- رواية الحديث وصحبة الأئمة (عليهم السلام):
كان الكثير من أحفاد أبي سهل النوبختي من أصحاب الأئمة (عليهم السلام) ورووا عنهم الحديث ولعل أبرزهم الحسين بن روح النوبختي الذي تُوِّجَ بمهمة النيابة الخاصة عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وسوف نفصل الكلام في خصوص سيرته ودوره الديني، ومنهم أيضاً أبو الحسن بن موسى بن كبرياء وأبو سهل إسماعيل بن علي فقد عاصر أبو سهل إسماعيل بن علي الإمام الهادي (عليه السلام) والإمام العسكري (عليه السلام) والإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وكان من أصحاب الأئمة (عليهم السلام) وعاش الحسن بن موسى بن كبرياء في زمن الغيبة الصغرى وكان إسماعيل بن إسحاق بن أبي سهل من أصحاب الإمام الهادي (عليه السلام) وروى بعض الأحاديث عن الأئمة (عليهم السلام).
هذا، ولهذه الأسرة دور كبير في الترجمة والإدارة وغيرهما تركنا الكلام عنه للاختصار. المبحث الأول: سيرته:
اسمه وكنيته ولقبه ونسبه:
هو الحسين بن روح بن أبي بحر ويكنى بـ(أبي القاسم) ويلقب بالنوبختي[15] والروحي[16] والقمي[17].
فهو ينسب إلى أسرة آل النوبختي وإن كان البعض يشك في هذا النسب كالذهبي الذي يقول في ترجمته: (أبو القاسم القيني أو القسي. وكذا صورته في (تاريخ يحيى بن أبي علي الغساني)، وخطه معلق سقيم)[18] كما ورد في رجال الكشي وقد ثبت له لقب القمي، لأن الكثير من الأشخاص يلقّبون بمحل سكناهم لا بنسبهم كما نقول الناصري والنجفي والكربلائي…. الخ.
ولعله كان من سكان قم هو أو آباؤه لذا لُقّب بالقمي، والبعض يرى أن علاقة الحسين بن روح بالنوبختيين من جهة الأم لا من جهة الأب إذ لم يلحظ اسم أبيه روح أو جده أبي بحر في فهرس أعضاء الأسرة النوبختية[19]. ولكن هناك الكثير من الأدلة تثبت انتسابه لهذه الأسرة ومن تلك الأدلة:
١- عامة الكتب الرجالية وكتب الحديث ذكرته بلقب النوبختي.
٢- مكان دفنه فهو مدفون بالمقبرة الخاصة بالنوبختيين.
٣- كانت له علاقات مع أفراد هذه الأسرة الذين عاصرهم كأبي سهل إسماعيل بن علي وأبي عبد الله الحسين بن علي، وكان عدد من بني نوبخت يعدّونه من محارمهم.
٤- وعدم ورود اسم أبيه أو جده في فهرست أعضاء الأسرة النوبختية لا يدل على عدم انتساب الحسين بن روح لهذه الأسرة[20].
حياته (رحمه الله):
لم تذكر الكتب الرجالية وكتب التراجم والطبقات تاريخ ولادة الحسين بن روح النوبختي، ولكن ما نقل إلينا أنه ولد في بغداد وسكن داراً صغيراً في محلة النوبختية ببغداد[21] وكانت حياته حافلة بالعطاء العلمي والعملي، فقد كان قبل سفارته من المقربين إلى السفير الثاني وعمل كاتباً عنده ووكيلاً عنه في إدارة أمواله وأملاكه[22] تسلّم السفارة عام (٣٠٥هـ) وبقى في السفارة مدة إحدى وعشرين سنة إلى أن توفي عام (٣٢٦هـ) ولُقّب بالباب بعد تسلّمه للسفارة في فترة ساءت الأوضاع بسبب هجوم القرامطة[23] على بغداد وحدوث حالات السلب والنهب واُتُّهم الوزير آل فرات وابنه بالتآمر مع القرامطة فأخذ الوزير الجديد يطارد أسرة آل فرات ومن له علاقة معهم، وكان الحسين بن روح قد أُتهم بأنه يكاتب القرامطة[24] فاضطر للتخفّي فترة، فأوكل الأمر فيها إلى الشلمغاني قبل أن ينحرف[25].
وذكر عباس إقبال: أن سبب سجن الحسين بن روح هو بسبب أموال الحقوق التي كان يعطيها الشيعة للحسين بن روح وطالبه الديوان بها فلم يستجب لهم[26] لأنها ليست أمواله ولا يحق للدولة أن تأخذها، فقبض على الحسين بن روح وأودع في السجن لمدة خمسة أعوام من (٣١٢-٣١٧هـ) وأُطلق سراحه بعد أن خُلع المقتدر وحاول الوشاة الإيقاع بالحسين بن روح مرة أخرى عندما أُعيد المقتدر للخلافة، فقال لهم: دعوه فبدعوته جرى علينا ما جرى[27].
وبعد أن تولى الراضي الخلافة حاول الوشاة أيضاً الإيقاع بالحسين بن روح ولكن كانت مساعيهم تذهب أدراج الرياح[28]وخصوصاً في فترة وزارة ابن مقلة الذي كان يدين للحسين بن روح بجميل صنعه معه عندما سعى له عند الوزير ابن رائق الذي صادر أموال ابن مقلة وأرجع له جميع أمواله المصادرة[29].
ولم يكن تخفّي الحسين بن روح وحبسه مانعاً عن الاتصال بشيعته، فقد كان يقوم بمهامه وإن كان ذلك صعباً عليه ويعرضه لخطر السلطة آنذاك.
ابتُلي في حياته بالكثير ممن ادّعى السفارة وأصحاب العقائد الفاسدة كالشلمغاني وابن الحلّاج وكان له دور كبير في تزييفهم وفضح أكاذيبهم وبيان حقيقتهم إلى الناس.
مكانته العلمية والاجتماعية:
كان الحسين بن روح فقيهاً، مفتياً، بليغاً، فصيحاً، وافر الحرمة كثير الجلالة، ذا عقل وكياسة[30] وكانت له مكانة اجتماعية كبيرة وكان قاضي القضاة وبعض الوزراء يزورونه في بيته وكانت علاقته بالبلاط الحاكم قوية في زمن وزارة آل فرات ووزارة ابن مقلة.
فقد روى الذهبي عن علي بن محمد الأيادي عن أبيه، قال: (شاهدته يوماً وقد دخل عليه أبو عمر القاضي، فقال له أبو القاسم: صواب الرأي عند المشغف عبرة عند المتورط، فلا يفعل القاضي ما عزم عليه.
فرأيت أبا عمر قد نظر إليه ثم قال: من أين لك هذا؟ قال له: إن كنت قلت لك ما عرفته، فمسألتي من أين لي فضول، وإن كنت لم تعرفه، فقد ظفرت بي.
فقبض أبو عمر على يديه وقال: لا، بل والله أؤخرك ليومي ولغدي.
فلما خرج أبو عمر قال أبو القاسم: ما رأيت محجوجاً قط يلقى البرهان بنفاق مثل هذا، لقد كاشفته بما لم أكاشف به أمثاله أبداً.
ولم يزل أبو القاسم على مثل هذه الحال مدة وافر الحرمة إلى أن ولي الوزارة حامد بن العباس، فجرت له معه خطوب يطول شرحها)[31].
وحادثة المقتدر التي رواها الصفدي في الوافي بالوفيات المتقدمة الذكر[32]، تدل على معرفة المقتدر بصلاح واستقامة الحسين بن روح.
وكان محل احترام عند العامة والخاصة، ولعل كياسته وأسلوبه هي من فرضت احترامه على الجميع، فكان له أسلوبه الخاص في التعامل مع المخالفين مستخدماً التقية، فكان لا يُعرّف بمذهبه عند العامة، وكان عندما يذكر الصحابة يثني عليهم، كل ذلك تقية لكسب قلوب العامة ولدفع خطر السلطة المناوئة لمذهب أهل البيت (عليهم السلام).
وكان لنفوذ عائلته في الحكومة وتسلّمهم مناصب مهمة فيها العامل المساعد الذي من خلاله سعى لقضاء الكثير من حاجات المؤمنين، فقد كان للحسين بن روح صلة قرابة مع الحسين بن علي النوبختي كاتب الوزير ابن رائق والذي طلب منه مساعدة ابن مقلة في استرجاع أمواله التي صادرها الوزير ابن رائق وكان سبباً في إرجاع أمواله كلها[33].
…………………….
[1] ينظر تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي: ١٠/ ٥٦، وينظر تاريخ دمشق، ابن عساكر: ٣٢/٣٠٤.
[2] آل نوبخت، عباس اقبال اشتياني: ٢٣.
[3] أبو سهل بن نوبخت غير أبي سهل الذي عاصر الحسين بن روح، نوّهنا لذلك لأنه سوف يكثر ذكر أبي سهل عند الحديث عن الحسين بن روح.
[4] ينظر آل نوبخت: ٢٥، ٣٠، ٣٨.
[5] الفهرست، ابن النديم البغدادي: ٣٣٣.
[6] الشيعة وفنون الإسلام، حسن الصدر، ٨٠.
[7] آل نوبخت: ١٤٥ وما بعدها.
[8] ينظر الغيبة للطوسي: ٢٥٥.
[9] ينظر رجال النجاشي: ٣٢.
[10] ينظر الفهرست، ابن النديم: ٢٢٥.
[11] ينظر رجال النجاشي: ٣٢.
[12] ينظر آل نوبخت: ١٩٩- ٢٠٠.
[13] الفهرست، ابن النديم: ١٩٢.
[14] ينظر آل نوبخت: ١٣١، ١٣٢.
[15] الغيبة للطوسي: ٢٣٦.
[16] المصدر السابق: ٢٣٥.
[17] رجال الكشي، الطوسي: ٢/ ٨٣١.
[18] تاريخ الإسلام، الذهبي: ٢٤/ ١٩٠.
[19] ينظر آل نوبخت: ٢٤٩- ٢٥٠.
[20] الإمام المنتظر: جواد علي: ١٣٢.
[21] المصدر السابق: ١٣٣.
[22] الغيبة للطوسي: ٢٣٦.
[23] القرامطة هم فرقة من الإسماعيلية تقول بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السلام).
[24] تاريخ الإسلام: ٢٤/ ١٩١.
[25] الغيبة للطوسي: ٢١٨.
[26] آل نوبخت: ٢٥٣.
[27] الوافي بالوفيات، الصفدي: ١٢ / ٢٢٧.
[28] ينظر آل نوبخت: ٢٥٦.
[29] ينظر المصدر السابق: ٢٥٥.
[30] الغيبة للطوسي: ٢٣٤.
[31] سير أعلام النبلاء، الذهبي: ١٦ / ٢٢٣.
[32] ينظر الوافي بالوفيات، الصفدي: ١٢ / ٢٢٧.
[33] ينظر آل نوبخت: ٢٥٥