كيف نصدق دعوى المهدوية؟ 03
دعوى المهدوية
الذي يهمنا في زماننا هذا في مجال المعرفة الآلهية هو معرفة إمام زماننا، فقد ثبت لدى الشيعة الإمامية بالدليل القاطع المتواتر ولادة الإمام المهدي عليه السلام وغيبته وأنه سوف يظهر في آخر الزمان، فمعرفته عليه السلام على قسمين، معرفة نظرية وأخرى شخصية، فالمعرفة النظرية واضحة وقد بينها العلماء على مر عصور الغيبة، ولكن الأمر الذي سقط فيه الكثيرين هو المعرفة الشخصية، أي معرفة شخص الإمام المهدي عليه السلام، فالسؤال المهم هنا هو..
كيف يمكن أن نشخص الإمام المهدي عليه السلام إذا ظهر؟
فهل يكفي مجرد الادعاء أم لابد أن تكون هنالك ضوابط علمية عقلائية وشرعية لتصديق الدعوى؟ فالإمام المهدي عليه السلام ثابت عندنا اسم وعقيدة – أي معرفة نظرية – ولكنه لم يثبت لدينا شخصاً ظاهراً – أي لم نحدد شخصه من بين الناس أنه هذا هو الإمام المهدي المنتظر فهو مستور عنا-، فعليه كيف يمكننا تحديد شخصه وتصديق دعواه إذا ظهر؟
والجواب على ذلك: يتضح مما تقدم سابقاً ان مجرد الدعوى لا يمكن أن تثبت حقانية المدعي، وإلا إذا كانت مجرد الدعوى كافية لزم علينا تصديق دعوى كل من ادعى أنه الإمام المهدي، والشواهد التاريخية على ذلك كثيرة، فالعشرات ادعوا المهدوية قبل ولادة الإمام المهدي عليه السلام وبعد ولادته ايضاً، فلا يكاد زمان يخلو من ادعاء المهدوية منذ ولادة الإمام الحسين صلوات الله عليه وإلى زماننا هذا.
أما السابقين فواضح بطلان دعواهم؛ لأن المهدي عليه السلام حين ظهوره يملئ الأرض قسطاً بعدما ملئت ظلماً وجورا، فإذا بطل التالي فالمقدم مثله.
أما من سيدعي المهدوية لاحقاً يلزم أن ينظر في دعواه، ومن ثم ينظر في صدقها وفق ضوابط عقلائية وشرعية، ومن تلك الضوابط[01] التي يمكن أن تكون دليلاً على صدق مدعاه:
الضابطة الأولى: أن يكون مدعي المهدوية بيناً ظاهراً للجميع لا مستوراً ويعيش في الخفاء ويقول أنا الإمام المهدي وقد ظهرت، لأن دعوى ظهور المهدي واضحة من منطوقها (ظهور) أي لا خفاء فيها لا حين بدء الدعوة ولا بعدها.
الضابطة الثانية: أن يقترن ادعاء المهدوية بآية بينة تبطل كل ما أتى به المدعون، ويعجز غيره عن الاتيان بها، كما ورد في علائم الظهور الإعجازية، وقلنا يعجز غيره عن الإتيان بها، دفعاً لما يقوم به السحرة، لأن السحر يعتمد على الخيال والخديعة للنظر، والسحر خاص لا يكون مورداً عام، والسحر يبطله السحر وتبطله المعجزة، أما المعجزة لا يبطلها شيء.
الضابطة الثالثة: أن يعرض مدعي المهدوية الدعوى على العلماء والفضلاء وذوي العقول، لا على الجهال والبسطاء والسذج، الذين لا دراية لهم، فالجاهل يمكن أن ينخدع بالبراهين المزيفة والأكاذيب، فإذا عرض دعواه على العلماء وذوي العقول وصدق بها جماعة كبيرة منهم، حينها يمكن القول بصدق مدعاه، كما هو الحال في ادعاء الأنبياء عليهم السلام، فحين إرسالهم عليهم السلام أول ما عرضوا رسالتهم على العلماء، فقد كان السحر في زمان موسى عليه السلام هو العلم الرائج حينها فجاء وعرض رسالته عليهم وحاجهم فيما هم فيه يعلمون، وكذلك النبي عيسى عليه السلام عندما كان علم الطب هو السائد في زمانه، وأيضاً نبينا الخاتم صلى الله عليه وآله عرض رسالته على أئمة اللغة والبلاغة الذين كان علمهم هو المهيمن في زمانه، فحاجهم فيه فعجزوا عن الإتيان بمثله، وأذعنوا لرسالته الخالدة.
الضابطة الرابعة: أن ينظر في ملكاته وعلمه وتدينه وسلوكه الواردة في صفات الأنبياء والأئمة عليهم السلام الثابتة والمسلم بها.
فإذا توفرت تلك الأمور في شخص من أدعى أنه الإمام المهدي يمكن التصديق به؛ لأن القضية المهدوية هي مشروع رباني يلخص جميع الرسالات السماوية ويحقق أهدافها وغايتها.
وأهم ما يتلخص مما تقدم:
أن الادعاء لا يكون دليلاً على صدق دعوى؛ بل لا بد من دليل يؤيدها. أن معرفة الإمام المهدي عليه السلام على نحوين، نظرية وشخصية. أن معرفة الإمام المهدي عليه السلام الشخصية لا يمكن قبول الدعوى فيها مطلقاً إلا وفق ضوابط عقلائية وشرعية.
إبراهيم السنجري
مؤسسة الإمام الحسين ع للإعلام الرقمي
……………………..
01- هذه الضوابط مستوحاة من بحث أستاذنا الدكتور الشيخ فاضل الصفار في شعبان 1440 هـ.