حلم الإمام الحسن (علیه السلام) نهج للتسامح الاجتماعی
قال مروان: نعم کنت أفعل ذلک بمن یوازن حلمه الجبال(۱).
وهذه الصفه فی الحقیقه هی منهج للتعامل الاجتماعی، عمل الإمام على إرسائه فی حیاته، وعلى أتباعه ومحبیه أن یقتدوا به فی هذا المنهج.
إننا یجب أن نقرأ حلم الإمام الحسن (علیه السلام) کمنهج فی التسامح الاجتماعی، ونعمل على تأهیل المجتمع بهذه الصفه.
ولابد لنا أن نشیر إلى أن أهل البیت (علیهم السلام) کلهم یتصفون بالحلم، إلا أن الظروف التی عاشها الإمام الحسن (علیه السلام) اقتضت وساعدت على بروز هذه الصفه فی شخصیته بشکل أجلى وأوضح، فالإمام کان یواجه تشنجات واستفزازات من جهتین:
الجهه الأولى: خارجیه، وتتمثل فی معاویه بن أبی سفیان، وجبهه الشام، حیث سعى بکل جهده وقوته، وإمکانیات سلطته وحکمه، إلى أن یشوّه سمعه الإمام الحسن (علیه السلام)، لعزله شعبیاً، فعمل على إثاره الدعایات والإشاعات الکاذبه والمغرضه على الإمام الحسن (علیه السلام)، وعلى أبیه أمیر المؤمنین، واستطاع نتیجهً لذلک أن یوجد تیاراً فی الشام یکره أهل البیت (علیهم السلام)، حتى لقد صدق بعضهم أن علی بن أبی طالب (علیه السلام) لم یکن یصلی!!
ولقد کان معاویه یتعمد کثیراً أن یُسمع الإمام الحسن (علیه السلام) وفی حضوره بعض الاستفزازات، وکان بعض أتباعه والمقربین منه کمروان بن الحکم، وعمرو بن العاص، والمغیره بن شعبه، یقومون بمثل هذا الدور.
الجهه الثانیه: داخلیه، حیث إن قرار الإمام بالصلح مع معاویه، والذی فرضته علیه الظروف، ورعایه مصلحه الأمه، أثار مشاعر بعض المحیطین بالإمام، ونظروا إلى الصلح على أنه موقف ذل وخنوع واستسلام، فراحوا یوجهّون لومهم العنیف، وعتابهم الشدید، وبعبارات مسیئه وغیر لائقه.
فهذا حجر بن عدی الصحابی الجلیل یخاطبه قائلاً: (أما واللَّه لوددت أنک مت فی ذلک الیوم ومتنا معک). وعدی بن حاتم یقول: (أخرجتنا من العدل إلى الجور). وبشیر الهمدانی وسلیمان بن صرد الخزاعی یدخل کل منهما علیه هاتفاً: (السلام علیک یا مذل المؤمنین). وخاطبه بعض أصحابه قائلاً: (یابن رسول اللَّه أذللت رقابنا بتسلیمک الأمر إلى هذا الطاغیه)(۲).
وجاء فی (الإصابه): (کان أصحاب الحسن یقولون له: یا عار أمیر المؤمنین. فیقول: العار خیر من النار)(۳).
ومثل هذه الکلمات لا شک أنها تستفز الإنسان، وتؤجج غیضه، لکن الإمام الحسن (علیه السلام) واجهها بحلم وأناه بالغین، واستطاع بذلک امتصاص الآثار والنتائج السلبیه، التی یمکن أن تتمخض عنها… لقد کانت جبهه الإمام الحسن (علیه السلام) بحاجه إلى التماسک والتلاحم، فهناک شروط على معاویه أن ینفذّها، لکنه إذا رأى جبهه الإمام متشتته مختلفه، ومکانه الإمام مهزوزه فی وسط جماعته، فإن ذلک سیشجعه أکثر على تجاهل تلک الاتفاقات، وهو لم یکن فی الأساس عازماً على الوفاء بها.
الحلم لغه واصطلاحاً:
مصدر حَلُمَ فلان أی صار حلیماً، قال ابن فارس الحِلم: خلاف الطیش، وقال الجوهری الحِلم الأناه، ویقال: حَلَمَ الرجل فی منامه یحَلُمُ حُلْماً، إذا رأى رؤیا، وحَلُمَ یَحلُمُ حِلماً تأنى وسکن عند غضب أو مکروه مع قدره وقوه.
واصطلاحاً: هو ضبط النفس والطبع عند هیجان الغضب کما یقول الراغب(۴).
قیل للإمام الحسن (علیه السلام): ما الحلم؟ قال: (کظم الغیظ وملک النفس)(۵)، أی أن یسیطر الإنسان على نفسه، حینما یواجهه الآخر بتصرف مستفز، ذلک أن غریزه الغضب تتحرک عنده، لتحمیه من الاستفزاز الموجه إلیه.
ولکن الحلیم هو من یتحکم فی توجیه هذه الغریزه، ولا یستخدمها إلا فی ظرفها المناسب، لأن إتاحه الفرصه لهذه الغریزه أن تنفجر على شکل تصرف غاضب، قد یضر الإنسان بدلاً من أن یفیده.
وکم من مظلوم تصرف تصرفاً طائشاً، وتحول بسبب ذلک التصرف إلى ظالم مدان، فأعطى الفرصه لعدوه، یقول الإمام علی (علیه السلام): (الغضب شر إن أطلقته دمر)(۶).
إن الغضب فی الحقیقه هو نتیجه استثاره خارجیه، یستقبلها الإنسان، فتحفزّه على اتخاذ رد فعل غاضب.
وللتحکم فی هذه الغریزه، ولتوجیهها التوجیه المناسب، تنصح التوجیهات الإسلامیه بذکر اللَّه تعالى، ففی الحدیث القدسی (یا بن آدم اذکرنی حین تغضب)(۷)، وقال (صلى الله علیه وآله): (یا علی لا تغضب، فإذا غضبت فاقعد وتفکر فی قدره الرب على العباد، وحلمه عنهم، وإذا قیل لک اتق اللَّه، فانبذ غضبک، وراجع حلمک)(۸).
ولیس أروع من أن یداوی الإنسان ثوره غضبه، بلجوئه إلى العباده، فصلاه رکعتین قربه إلى اللَّه تعالى بإخلاص وخشوع لاشک أنها ستنقل الإنسان إلى الاتصال بعالم الکمال والروحانیه، حیث یستلهم الإنسان من خالقه فیوضات رحمته، وألطاف کرامته.
کما تنصح بعض الروایات بالانتقال من حال إلى حاله أخرى عند الغضب. عن أبی ذر أن رسول اللَّه (صلى الله علیه وآله) قال: (إذا غضب أحدکم وهو قائم فلیجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فلیضطجع)(۹).
والهدف من ذلک، هو تفریغ شحنات الغضب فی حرکه لا ضرر فیها. وفی حدیث عن الرسول (صلى الله علیه وآله) أنه ینصح بالوضوء قال (صلى الله علیه وآله): (إن الغضب من الشیطان، وإن الشیطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء،فإذا غضب أحدکم فلیتوضأ)(۱۰).
أضرار حاله الانفعال والتشنج:
تسود البعض من الناس حاله من التشنج والانفعال السریع، لأتفه الأسباب،کما یفسح المجال لفوره غضبه أن تأخذ مداها العنیف، وهذه الحاله سیئه ومضره، وأهم نتائجها السیئه أمران:
أولاً: الأضرار الصحیه، حیث تشیر التقاریر الطبیه، إلى أن الغضب والانفعال، یعتبر سبباً لأمراض السکری، وضغط الدم، وأمراض القلب، ولهذا فإن أهم ما یوصی به الأطباء هؤلاء المرضى، هو السیطره على النفس، وعدم الانفعال.
ثانیاً: إضعاف حاله التماسک الاجتماعی، حیث ینشغل أفراد المجتمع بمشاکلهم الجزئیه والثانویه، التی تذکیها حاله التشنج، وفی غمره کل ذلک تتلاشى الأهداف والطموحات الکبیره، التی کان ینبغی أن ینشغل الکل بها، فیتأخر تحقیق المجتمع للأهداف والمصالح العامه، بسبب الانشغال بالخلافات الهامشیه.
الحلم منهج اجتماعی:
تاره یکون الحدیث عن الحلم باعتباره صفه فردیه حمیده، وتاره یبحث الحلم کحاله اجتماعیه عامه، بین آحاد أفراد المجتمع، وبین التکتلات والتجمعات فیه.
إذ من الواضح أن فی کل مجتمع تقسیمات اجتماعیه متفاوته، مناطقیه وسکنیه، أو عشائریه وقبلیه، أو فکریه ومذهبیه، أو انتماءات سیاسیه، وما أشبه.
والسؤال کیف یجب أن تکون العلاقه بین کل مجموعه وأخرى؟
إن شیوع حاله التشنج والغضب یؤثر على علاقه هذه الانتماءات، فتقاطع کل فئه الأخرى، أو توجه بعضاً من جهودها للمناوأه و التخریب على الجهه الأخرى.
أما إذا ساد الحلم، وشاع التسامح بین التجمعات والتوجهات، تحول الحلم حینئذ إلى منهج اجتماعی عام، وآتى ثماره فی تحقیق وحده المجتمع وانسجامه، وتوجه جهوده وطاقاته نحو الأهداف الکبیره، والتحدیات الخطیره.
ومن الملاحظ أن الخلافات والصراعات بین الجماعات، عاده تحدث بسبب تصرفات فردیه متشنجه، لدى هذا الطرف أو ذاک، فیتعامل معها الطرف الآخر بنظره تعمیمیه، ویتخذ رد فعل على أساسها.
کیف نتعامل مع التشنجات الفئویه؟
أولاً: عدم تعمیم الإساءه، ومحاسبه کامل الجماعه علیها.
ثانیاً: بث روح التسامح والإغضاء عن الإساءات التی قد تصدر من هذه ضد تلک وبالعکس، حیث ینبغی أن یتصف أفراد وقاده الجماعات بالحلم، لأن تلک الإساءه قد تکون نتیجه لسوء فهم أو التباس، أو لأن جهه ما ترید أن تخلق مشکله بین الطرفین.
ثالثاً: عدم رفع وتیره الاختلاف الفکری والثقافی إلى مستوى الخلاف والنزاع. ونشر ثقافه التعددیه والقبول بالرأی الآخر.
إن تضخیم الخلاف حول بعض القضایا الجانبیه، کثبوت هلال شهر رمضان أو العید، أو اختیار مرجع تقلید، أو تبنی هذه الفکره أو تلک، واعتبار مثل هذه القضایا الجزئیه حدوداً فاصله بین الإیمان والکفر، والعداله والفسق، أمر خاطئ ناشئ من الجهل أو سوء الخلق.
نهج الإمام الحسن:
لقد کان الحلم منهجاً سلوکیاً، ومعلماً بارزاً، فی حیاه الإمام الحسن (علیه السلام)، وکان یتعامل به فی مقابل الاستفزازات الفردیه العادیه، ومع ذوی التوجهات المخالفه له، والمختلفه معه، وکشاهد على المنحى الأول: یروى أنه کانت عنده علیه السلام شاه فوجدها یوماً قد کسرت رجلها، فقال لغلامه: من فعل هذا بها؟ قال الغلام: أنا. قال الإمام: لم ذلک؟ قال الغلام: لأجلب لک الهم والغم.
فتبسم (علیه السلام)، وقال له: لأسرک، فأعتقه وأجزل له فی العطاء(۱۱).
وضمن المنحى الثانی، ینقل المؤرخون: أنه اجتاز على الإمام شخص من أهل الشام، ممن غذاّهم معاویه بالکراهیه والحقد على آل البیت، فجعل یکیل للإمام السب والشتم، والإمام ساکت لم یرد علیه شیئاً من مقالته، وبعد فراغه التفت الإمام فخاطبه بناعم القول، وقابله ببسمات فیاضه بالبشر، قائلاً:
(أیها الشیخ: أظنک غریباً؟ لو سألتنا أعطیناک، ولو استرشدتنا أرشدناک ولو استحملتنا حملناک، وإن کنت جائعاً أطعمناک وإن کنت محتاجاً أغنیناک، وإن کنت طریداً آویناک) ومازال (علیه السلام) یلاطف الشامی بهذا ومثله لیقلع روح العداء والشر من نفسه حتى ذهل ولم یطق رد الکلام، وبقی حائراً خجلاً کیف یعتذر للإمام وکیف یمحو الذنب عنه؟ وطفق یقول: (اللَّه أعلم حیث یجعل رسالته)(۱۲).
إن مما یساعد على اتخاذ الموقف الحلیم فهم الطرف المقابل ومعرفه الظرف النفسی والفکری الذی یحیط به، فإذا فهمت أنه مضلل، أو معبأ، وأنه هو الآخر ضحیه لعدو واحد، کنتَ أقدرَ على السیطره على الموقف، وتحویله لصالحک، لا لصالح عدوکما.
ولهذا فإن العاقل هو الذی یملک الحلم، یقول علی (علیه السلام): (بوفور العقل یتوفر الحلم)(۱۳) ویقول: (علیک بالحلم فإنه ثمره العلم)(۱۴) ویقول الرسول الأکرم (صلى الله علیه وآله): (والذی نفسی بیده ما جمع شیء إلى شیء أفضل من حلم إلى علم)(۱۵)، فالعالم هو الذی ینبغی أن یتحلى بالحلم، لأنه یتفهم سلبیات الجاهلین، ودوافع أخطائهم.
ویحدث أحیاناً أن یفد على المجتمع أفراد من مجتمعات أخرى، یحملون معلومات وأفکاراً مضلله حول المجتمع وأفکاره وعقائده.
فإذا کان الشخص المقابل لهم واعیاً، یعرف أنهم بسطاء ومضللون، فإنه یستوعب أولاً الصدمه التی یحدثها کلامهم، ثم یبدأ فی تغییر تلک الصوره المشوهه، ویعطی للوافد بأخلاقه وسلوکه مثالاً حیاً على خطأ تصوراته السابقه.
أما إذا کان من یقابله شخصیه متشنجه، فسوف یستفزها ذلک الکلام لترد علیه بکلام أقسى وباتهامات ونعوت مضاده، وهذا الأسلوب غالباً ما یؤدی إلى تأکید التصورات الخاطئه عن المجتمع.
ومن المثیر للدهشه والعجب أحیاناً، أن یعتبر هؤلاء الأشخاص تصرفاتهم المتشنجه تلک بطولات وإنجازات، تستحق الذکر والإشاده، فترى بعضهم یحدثک عنها وکأنه انتصر على عدو، وهو لا یعلم أنه بذلک أکدَّ هزیمته.
ففی الحدیث عن الرسول (صلى الله علیه وآله): (لیس الشدید بالصرعه، إنما الشدید الذی یملک نفسه عند الغضب)(۱۶).
ومن هذا کله ما أحوجنا إلى قراءه سیرته العطره، والتزام خطه الرسالی، والأخذ بمنهجه فی التسامح الاجتماعی، لتسود أجواءنا المحبه والوئام، ولنتوجه لمواجهه الأعداء والأخطار صفّاً کالبنیان المرصوص.
ــــــــــــــــ
۱- ابن أبی الحدید: عبد الحمید، شرح نهج البلاغه ج۱۶ ص۱۳ دار الجیل – بیروت، الطبعه الأولى ۱۹۸۷م.
۲- القرشی: باقر شریف، حیاه الإمام الحسن ج ۲ ص ۲۷۳ – 282، دار الکتب العلمیه- قم.
۳- العسقلانی: ابن حجر، الاصابه ج۲ ص۷۲ الطبعه الاولى ۱۹۹۲م دار الجیل – بیروت.
۴- مجموعه من المختصین: موسوعه نظره النعیم فی مکارم أخلاق الرسول الکریم ص ۱۷۳۵ الجزء الخامس، الطبعه الاولى ۱۹۹۸م دار الوسیله، جده.
۵- المجلسی: محمد باقر، بحار الانوار ج۷۵ ص۱۰۲٫
۶- الامدی التمیمی: عبد الواحد، غرر الحکم ودرر الکلم.
۷- الکلینی: محمد بن یعقوب، الکافی ج۲ ص۳۰۴٫
۸- ابن شعبه الحرانی: الحسن بن علی، تحف العقول ص۱۸٫
۹- السجستانی: ابو داود سلیمان بن الاشعث، سنن ابی داود ج۲ ص۶۶۴ حدیث رقم ۴۷۸۲٫
۱۰- المصدر السابق حدیث رقم ۴۷۸۴٫
۱۱- القرشی: باقر شریف، حیاه الإمام الحسن ج۱ ص۲۱۴٫
۱۲- المصدر السابق ص۳۱۴-۳۱۵٫
۱۳- الامدی التمیمی: عبد الواحد، غرر الحکم ودرر الکلم.
۱۴- المصدر السابق.
۱۵- المجلسی: محمد باقر، بحار الانوار ج۲ ص۴۶٫
۱۶- الریشهری: محمدی، میزان الحکمه ج۷ ص۲۳۴٫