بناء الأسرة النموذجية في مدرسة السيدة زينب الكبرى (عليها السلام)
بناء الأسرة المتكاملة في مدرسة السيدة زينب الكبرى (عليها السلام)
تُعدّ تربية الأسرة المتكاملة، ولا سيما تربية البنات، في ضوء سيرة السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) وأقوالها، من الموضوعات التي تبرز الحاجة إلى طرحها ودراستها في عصرنا الحاضر، ولا سيما لدى المجتمع المتديّن والمهتمّ بثقافة أهل البيت (عليهم السلام).
ونسعى في هذه المقالة إلى بيان أسس تربية البنات وتوجيه المرأة في ضوء التعاليم والإرشادات التربوية للسيدة زينب الكبرى (عليها السلام)، لتتمكن الأسر من الإفادة من هذه الثروة التربوية في مدرسة تلك السيدة النورانية من أهل البيت (عليهم السلام)، وتسهم في بناء جيل جديد يتّسم بالنمو والرقيّ والتكامل. ومن أبرز هذه التوجيهات التربوية ما يأتي:
1- ترسيخ الهوية الرفيعة للمرأة المسلمة
إن تربية البنات تقتضي، في المقام الأول، ترسيخ الهوية الرفيعة للمرأة المسلمة في نفوس الفتيات المسلمات، ثم التعريف بالهوية الحقيقية للمرأة لدى فتيات العالم أجمع. فإذا استطعنا نقل هذه الهوية المستقلة إلى الجيل الجديد، فسنكون قد أدّينا دوراً بالغ الأهمية في تنشئته تنشئة إسلامية سليمة.
وقد جسّدت السيدة زينب (عليها السلام) هذا النموذج عملياً، وأظهرت للعالم حقيقة هوية المرأة المسلمة، ولا يزال أثرها التربوي العميق ممتداً عبر التاريخ، وقادراً على الإسهام في تنشئة الأجيال تنشئة راقية.
لقد سعت هذه المربّية الفريدة، منذ نعومة أظفارها، إلى أداء هذا الدور، وإعادة إبراز الهوية الحقيقية للمرأة المسلمة. وفي هذا السياق، قدّمت للفتيات والنساء، من خلال سيرتها العملية، نموذجاً لأبرز صفات المرأة الفاضلة والمتحضّرة في المجتمعات الإنسانية كافة.
ومن أسمى الصفات التي تجلّت في شخصيتها: الصبر والتحمّل، والزهد والتقوى، والفصاحة والبلاغة، والعلم والبصيرة، والحلم والحزم، وحسن التدبير والسياسة، والسيادة والكرامة، وسموّ الشخصية وعظمة الروح، والثبات والاستقامة في طريق الهدف، وقوة القلب والإرادة الصلبة، والصدق والأمانة، والدفاع المخلص عن الحق والحقيقة، ورعاية الأيتام والضعفاء، وصيانة شرف الأسرة وفضيلتها، والعبادة والانقطاع إلى الله، والإخلاص والتمحور حول رضاه، والرحمة والعطف في أسمى مراتبهما، وتعليم الناس وتربيتهم، وتنشئة الأبناء الصالحين، وحسن المعاشرة الزوجية وتدبير شؤون المنزل، وعزّة النفس، والوفاء بالعهد والميثاق، والقدرة الفائقة على إدارة الأزمات، والشجاعة والإقدام. وهذه الصفات من أبرز ما ورثته تلك اللبؤة العاشورائية عن بيت الوحي، ثم نقلته إلى الأجيال اللاحقة. وإن إلقاء نظرة إجمالية على تاريخ حياتها العظيمة يكشف عن هذه الحقائق بوضوح. [1]
وقد عدّ قائد الثورة الإسلامية، سماحة آية الله الخامنئي، من الواجبات الأساسية للفتيات والنساء الشابات إيجاد نموذج عالمي يُحتذى به للمرأة، فقال:
«ينبغي للمرأة الإيرانية في إيران الإسلامية أن تسعى إلى إحياء الهوية الرفيعة للمرأة المسلمة، على نحو يجذب أنظار العالم إليها. وهذه مسؤولية تقع اليوم على عاتق النساء المسلمات، ولا سيما الشابات منهنّ، والفتيات الطالبات في المدارس والجامعات». [2]
2- إقامة علاقة عاطفية مع المتربّين
إن التربية السليمة للأسرة وبناء مجتمع صالح يحتاجان إلى علاقات إنسانية مشبعة بالعواطف والمشاعر النبيلة، بما يسهم في تعزيز الخصال الإنسانية الجميلة، كحبّ الآخرين، والتسامح، والإيثار، وحبّ الخير، ويُحكم الروابط بين أفراد المجتمع.
ويشير العلّامة الطباطبائي (رحمه الله)، مستنداً إلى إحدى الآيات القرآنية، إلى العلاقة المتبادلة القائمة على المحبة الحقيقية، مع ملاحظة أن المبادرة بإظهار المحبة تكون من جانب الله تعالى، لا من جانب العبد؛ إذ يرى أن الله تعالى جعل المحبة محوراً أساسياً في تربية الإنسان، فقال سبحانه:
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (المائدة: 54).
فقد قدّم الله تعالى محبته لعباده على محبتهم له، وهذا يدلّ على أنه سبحانه يبادر إلى إظهار المحبة لعبده، فيجذبه إليه ويجعله شديد التعلّق به. وهذا التعلّق يهيّئ الإنسان لتحمّل التكاليف الشاقة، بل يجعله راغباً في أدائها. [3][4]
وفي مجال التعليم والتربية أيضاً، تُعدّ القدرة على إقامة علاقة عاطفية سليمة وحسنة مع المتربّي من أهم الأساليب التربوية وأكثرها تأثيراً.
وبصرف النظر عن مراحل حياة السيدة زينب (عليها السلام) قبل واقعة عاشوراء، فإن علاقتها العاطفية العميقة بالأطفال والناشئة الذين وقعوا في الأسر، وتعرّضوا لضغوط العدو القاسية، كان لها أثر بالغ في توجيههم وتربيتهم وتقوية قلوبهم، ومساعدتهم على اجتياز ملحمة عاشوراء بأفضل صورة ممكنة.
لقد أقامت السيدة زينب (عليها السلام) أرقى صور التفاعل العاطفي مع الأسرى، لتخفيف معاناتهم النفسية والجسدية، وصيانة صحتهم النفسية وكرامتهم الإنسانية. ومن خلال تواصلها الوجداني والكلامي العميق معهم، كانت تتحمّل المخاطر، بل والسياط، من أجل حمايتهم، وتقدّم سلامتهم على راحتها في مختلف المواقف.
وقد بلغت عاطفتها تجاههم مبلغاً عظيماً، حتى إنها كانت، في بعض الأوقات، تقسم طعامها بينهم، مع أنها كانت تعاني الجوع بنفسها.
ورُوي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنه قال:
«إِنَّهَا كَانَتْ تُقَسِّمُ مَا يُصِيبُهَا مِنَ الطَّعَامِ عَلَى الْأَطْفَالِ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا يَدْفَعُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا رَغِيفاً مِنَ الْخُبْزِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ».
أي إن عمّتي زينب (عليها السلام) كانت تقسّم حصتها من الطعام بين الأطفال؛ لأن القوم كانوا يعطون كل واحد منا رغيفاً واحداً من الخبز في اليوم والليلة. [5]
3- تنمية صفة الأُنس والمؤانسة لدى البنات
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بيان فضائل البنات وخصائصهنّ:
«نِعْمَ الْوَلَدُ الْبَنَاتُ… مُؤْنِسَاتٌ مُبَارَكَاتٌ». [6]
فالبنات من أفضل الأبناء، وهنّ مصدر أُنس وبركة للأب والأم وسائر أفراد الأسرة. وإذا جرى تنمية هذه الخصلة في نفوسهنّ، أصبحن مصدر بهجة وسرور وطمأنينة لأسرهنّ.
ونجد هذه الصفة متجلّية بوضوح في حياة السيدة زينب (عليها السلام). ومن أفضل الأساليب في تربية البنات تنمية هذه الخصلة في شخصياتهنّ؛ لما لها من أثر بالغ في نموّهنّ التربوي.
فقد كانت السيدة زينب (عليها السلام)، منذ أيام طفولتها الأولى، أنيسة جدّها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومحلّ العطف والحنان في قلب أمها السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وأبيها أمير المؤمنين (عليه السلام). كما نشأت في أحضان محبتهم ورعايتهم، ثم أصبحت، بعد استشهاد أحبّائها في واقعة عاشوراء الأليمة، سنداً للأيتام ومواسيةً للناجين من أهل كربلاء، بصبر وثبات.
وقد بلغت قوة قلب السيدة زينب (عليها السلام)، وشجاعتها وصبرها وعمق مؤانستها لأهلها، مبلغاً عظيماً، حتى إنها واسَت الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وخفّفت عنه مصابه، قائلةً:
«لَا يَجْزَعَنَّكَ مَا تَرَى، فَوَاللهِ إِنَّ ذَلِكَ لَعَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ إِلَى جَدِّكَ وَأَبِيكَ وَعَمِّكَ».
أي: يا ابن أخي، لا تدع ما تراه من المصائب والمحن يسيطر على صبرك واحتمالك؛ فوالله إن الشهادة وهذه المصائب عهدٌ أخذه رسول الله (صلى الله عليه وآله) من جدّك وأبيك وعمّك العباس (عليهم السلام). [7]
ومعنى ذلك أننا، بتحمّل الشدائد والصمود أمام المحن والمصائب، نحافظ على الدين الإلهي وسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فإذا نشأت فتيات جيلنا على غرار السيدة زينب (عليها السلام)، فلن يكنّ مصدر قوة وطمأنينة لوالديهنّ فحسب، بل سيصبحن أيضاً مصدر أُنس وسكينة للمجتمع بأسره. وكما لا تزال السيدة زينب (عليها السلام)، منذ أربعة عشر قرناً، تبعث الأمل والطمأنينة في نفوس المبتلين والمصابين في مختلف أنحاء العالم.
فهي ليست زينة أبيها فحسب، بل زينة الدنيا بأسرها، وفي شهود عليٍّ تتجلّى زينب الكبرى.
4- تقوية قلوب المتربّين
كان لسلوك السيدة زينب (عليها السلام) الهادي والشجاع أثر بالغ في دورها التربوي؛ إذ لم تكن تقتصر على بثّ الطمأنينة في نفوس النساء والأطفال والناشئة من قافلة الأسرى، ومساعدتهم على مواصلة طريق المقاومة، بل امتدّ أثرها عبر التاريخ ليشمل كل من يتعرّف إلى شخصيتها، فيسير على طريق التربية الإلهية والإسلامية.
وتكشف مراجعة أسلوب تعاملها وكلامها مع حاكم متجبّر مثل عبيد الله بن زياد عن ذلك بوضوح.
فعندما أُدخلت النساء والأطفال الأسرى إلى مجلس ابن زياد، دخلت السيدة زينب (عليها السلام) وهي مستترة تماماً، دون أن يعرفها أحد، وبكل اقتدار وشجاعة، ثم جلست في ناحية من المجلس، وأحاطت بها النساء والفتيات.
فقال ابن زياد: «مَنْ هَذِهِ الْمُتَكَبِّرَةُ؟» أي: من هذه المرأة المتعالية؟
فسكتت السيدة زينب (عليها السلام) ولم تجبه. وكرّر سؤاله مرتين وثلاثاً، فلم يتلقَّ منها جواباً. فقال أحد الحاضرين: هذه زينب بنت فاطمة الزهراء (عليها السلام).
ثم أراد ابن زياد أن يجرح مشاعرها بكلماته ويشمت بمصابها، فقال:
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَحَكُمْ وَقَتَلَكُمْ وَأَكَذَبَ أُحْدُوثَتَكُمْ».
أي: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأظهر كذب ما كنتم تدّعونه.
فأجابته السيدة زينب (عليها السلام) بكل شجاعة وثبات:
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمَنَا بِمُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) وَطَهَّرَنَا تَطْهِيراً… لَا كَمَا تَقُولُ، وَإِنَّمَا يَفْتَضِحُ الْفَاسِقُ وَيَكْذِبُ الْفَاجِرُ، وَهُوَ غَيْرُنَا».
أي: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد (صلى الله عليه وآله) وطهّرنا تطهيراً كاملاً. وليس الأمر كما تقول؛ إنما يُفتضح الفاسق ويُكذَّب الفاجر، وليس نحن من تقصد.
فقال ابن زياد: كيف رأيتِ صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟
فأجابته: «مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً».
أي: ما رأيتُ من الله إلا خيراً وجمالاً.
فلم يكن يومٌ أشدّ مرارةً من يوم عاشوراء، ومع ذلك لم ترَ السيدة زينب (عليها السلام) في قضاء الله وقدره إلا الجمال والحكمة.
ثم قالت:
«هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ».
أي: هؤلاء قوم كتب الله لهم الشهادة، فمضوا إلى مضاجعهم ومواطن خلودهم.
وأضافت:
«وَسَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ».
أي: سيجمع الله بينك وبينهم، فتقوم المحاكمة ويحتدم الخصام بينكما.
ثم قالت:
«فَانْظُرْ لِمَنِ الْفَلَجُ يَوْمَئِذٍ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ».
أي: انظر يومئذٍ من يكون له النصر والغلبة، ومن يكون خاسراً ومغلوباً، يا ابن مرجانة!
فغضب ابن زياد من كلام السيدة زينب (عليها السلام)، حتى إنه همّ بقتلها، لكن عمرو بن حريث، الذي كان حاضراً في المجلس، قال له: إنها امرأة، ولا ينبغي أن تُعاقب المرأة على كلامها.
عندئذٍ قال ابن زياد: لقد أشفى الله غليلي بقتل أهل بيتك من الطغاة المذنبين الخارجين عن الحق.
فأجابته السيدة زينب (عليها السلام)، وقلبها يعتصر ألماً لفقد أحبّائها:
«لَعَمْرِي لَقَدْ قَتَلْتَ كَهْلِي، وَقَطَعْتَ فَرْعِي، وَاجْتَثَثْتَ أَصْلِي».
أي: لعمري، لقد قتلتَ رجالي، وقطعتَ أغصاني، واقتلعتَ جذوري.
ثم قالت، والدموع تنهمر على وجهها:
«فَإِنْ تَشَفَّيْتَ بِهَذَا فَقَدِ اشْتَفَيْتَ».
أي: إن كنتَ تجد في ذلك شفاءً لغليلك، فقد نلتَ ما أردت.
فقال ابن زياد: إنها امرأة فصيحة بليغة تتكلّم بالسجع، وأقسم بحياتي إن أباها كان شاعراً صاحب قوافٍ.
فأجابته:
«يَا ابْنَ زِيَادٍ! مَا لِلْمَرْأَةِ وَالسَّجَاعَةِ؟ وَإِنِّي لَأَعْجَبُ مِمَّنْ يَشْتَفِي بِقَتْلِ أَئِمَّتِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُمْ مُنْتَقِمُونَ مِنْهُ فِي آخِرَتِهِ».
أي: يا ابن زياد، ما شأن المرأة بصناعة السجع؟ وإنني لأعجب ممن يجد راحته في قتل أئمته، وهو يعلم أنهم سيخاصمونه وينتقمون منه في الآخرة. [8][9]
وهكذا كانت السيدة زينب (عليها السلام) تعلّم الأجيال الجديدة، بصورة غير مباشرة، قوة القلب والشجاعة والجرأة، وتسهم في بناء الأسر المتكاملة عبر التاريخ.
كما أنها، في مجلس يزيد الظالم، وعلى الرغم من كونها أسيرة في الظاهر، استطاعت أن تحطّ من شأنه وتكشف زيف انتصاره، وأن تمنح الأجيال القادمة والباحثين عن الحقيقة قوة القلب والثبات.
وقد خاطبته قائلة:
«أَظَنَنْتَ يَا يَزِيدُ، حَيْثُ أَخَذْتَ عَلَيْنَا أَقْطَارَ الْأَرْضِ وَآفَاقَ السَّمَاءِ، فَأَصْبَحْنَا نُسَاقُ كَمَا تُسَاقُ الْأُسَارَى…».
أي: أظننتَ يا يزيد أنك، حين أحكمت قبضتك على أطراف الأرض وآفاق السماء، حتى أصبحنا نساق من بلد إلى بلد كما يساق الأسرى، قد حققت النصر النهائي وأنهيت كل شيء؟!
لقد أفهمت ابنة أمير المؤمنين (عليه السلام) يزيد أن تسلّطه الظالم لا يعني انتهاء القضية، وأن سيطرته الجائرة لن تكون أبدية؛ بل إن سنن الله تقتضي زوال الظلم، وبقاء سجلّ المظالم مفتوحاً، ومحاسبة الظالمين أمام التاريخ والضمير الإنساني، فضلاً عن حساب الآخرة. [10][11]
وصدق حافظ الشيرازي إذ يقول:
إن عجلة الأفلاك تسير على نهج العدل في نهاية المطاف،
فاطمئنّ، فإن الظالم لن يبلغ غايته.
5- تعليم الأسر تحمّل المسؤولية
من الأساليب التربوية التي انتهجتها السيدة زينب (عليها السلام) تعليم المرأة المسلمة الشعور بالمسؤولية تجاه القضايا السياسية والاجتماعية للمسلمين.
فإن مسؤوليتها التربوية والتوجيهية، بوصفها من سلالة النبوّة وثمرة الإمامة، كانت تقتضي منها أن تعلّم النساء تحمّل المسؤولية من خلال الممارسة العملية.
وقد أصبحت تلك السيدة النبيلة العفيفة، التي عُرفت بالعفاف والاحتشام، نموذجاً ومربّيةً للأشخاص المسؤولين والملتزمين.
وقد أفضى هذا المنهج التربوي إلى أن تقف أمام طاغية متجبّر كانت سلطته تمتدّ على مختلف البلاد الإسلامية، وتتحدث إليه بشجاعة وثبات، حتى زلزلت أركان سلطته وهزّت كيانه، قائلة:
«وَلَئِنْ جَرَّتْ عَلَيَّ الدَّوَاهِي مُخَاطَبَتَكَ، إِنِّي لَأَسْتَصْغِرُ قَدْرَكَ، وَأَسْتَعْظِمُ تَقْرِيعَكَ، وَأَسْتَكْثِرُ تَوْبِيخَكَ، لَكِنَّ الْعُيُونَ عَبْرَى، وَالصُّدُورَ حَرَّى».
أي: وإن كانت المصائب قد دفعتني إلى مخاطبتك، فإنني أرى قدرك ضئيلاً، وأرى توبيخك عظيماً، وأستكثر من لومك وتقريعك؛ غير أن العيون دامعة، والصدور ملتهبة من شدة الألم. [12]
إن تنشئة الجيل الجديد وفق هذا المنهج تُبقي أفراده في حالة استعداد دائم لتحمّل مسؤولياتهم، حتى يكونوا مؤهّلين للمشاركة في نصرة الحق عند ظهور الإمام الحجّة (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
6- غرس الصبر والمقاومة في مواجهة الشدائد
إن تربية الأبناء والأسر على الصبر واحتمال المشكلات تسهم في حلّ كثير من تعقيدات الحياة وصعوباتها، ويُعدّ الصبر من أبرز سمات الأسر المتكاملة.
فبالصبر تُداوى الآلام، وبالصبر تهون المشكلات.
وفي المدرسة التربوية للسيدة زينب (عليها السلام)، تتجلّى جملة من المبادئ المهمة:
أولاً: إن تحمّل الشدائد يصبح يسيراً عندما يكون ابتغاءً لرضا الله تعالى، فلا ينبغي للإنسان أن يستسلم للجزع والشكوى أمام الحوادث المؤلمة.
ثانياً: إن الجزع وفقدان الصبر من مظاهر الضعف، التي ينبغي لأتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أن ينأوا بأنفسهم عنها.
ثالثاً: إن الصبر والثبات في طريق الهداية يثمران نتائج قيّمة، ومن خلالها تتحقق التربية السليمة للأجيال الجديدة، ويصبح الإنسان أكثر قدرة على استيعاب الرسائل الإلهية.
رابعاً: إن الصبر والثبات في مدرسة السيدة زينب الكبرى (عليها السلام)، في مواجهة مختلف مصائب الحياة، من المدينة إلى كربلاء، ومن كربلاء إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى الشام، كانا نابعين من رؤيتها التوحيدية الجميلة للحياة، التي لخّصتها في عبارة واحدة:
«مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا».
وقد بيّن الله تعالى جزاء الصابرين في قوله:
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ (الرعد: 24).
أي: سلام عليكم جزاءً لصبركم وثباتكم.
ويمكن اعتماد هذا النموذج التربوي في الصبر بوصفه منهجاً مؤثراً في التعامل مع المشكلات والاضطرابات النفسية والروحية التي يعاني منها الفرد والمجتمع في مختلف الأجيال.
ففي الحقيقة، تبشّر هذه الآية بالسلام والطمأنينة اللذين يثمرهما الصبر، وتبيّن أن الصبر يسهم في تحقيق السلامة النفسية والروحية للإنسان.
7- الصمت في موضعه المناسب
يُعدّ الصمت في الوقت المناسب من أهم الأساليب التربوية في الدين الإسلامي الحنيف، وله دور أساسي في بناء الأسرة المتكاملة.
فإذا تربّى أبناؤنا، ولا سيما البنات، على إدراك أن الكلام ليس مطلوباً في كل موقف، وأن الإنسان يستطيع أحياناً إيصال رسالته إلى الطرف الآخر بالصمت، بل قد يكون الصمت أبلغ من الكلام، أمكن حلّ كثير من المشكلات.
قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام):
«رُبَّ سُكُوتٍ أَبْلَغُ مِنْ كَلَامٍ».
أي: كم من سكوت يكون أبلغ وأفصح من الكلام. [13]
إن الصمت في موضعه المناسب من الوسائل التي تساعد على معالجة القلق والغضب والأزمات النفسية، فإذا استُخدم في الوقت الملائم، أصبح من أقوى الوسائل للحدّ من التوتر، دون الحاجة إلى الكلام.
وقد كان الصمت من الأساليب التربوية التي اعتمدها كبار العارفين، إذ قيل:
«إِنْ كَانَ كَلَامُكَ مِنْ فِضَّةٍ، فَسُكُوتُكَ مِنْ ذَهَبٍ».
أي: إذا كان كلامك من فضة، فإن صمتك من ذهب.
وعندما أُدخل الأسرى إلى دار الإمارة في الكوفة، جلست السيدة زينب (عليها السلام) دون أن تلتفت إلى عبيد الله بن زياد أو تستأذنه. فسألها ابن زياد ثلاث مرات عن هويتها، لكنها لم تجبه، حتى قال أحد مرافقيها: هذه السيدة زينب الكبرى بنت فاطمة الزهراء (عليها السلام). [14]
ومن الواضح أن كثيراً من أساليب الهداية والتوجيه التي اتبعتها السيدة زينب (عليها السلام) كانت تتم بصورة غير مباشرة، من خلال العمل والسلوك، دون الحاجة إلى التوجيه الكلامي المباشر.
ولهذا أوصى الإمام الصادق (عليه السلام) المربين والدعاة إلى معارف الدين بقوله:
«أُوصِيكُمْ… أَنْ تَكُونُوا لَنَا دُعَاةً صَامِتِينَ». [15]
أي: أوصيكم بأن تكونوا دعاةً لنا بصمتكم وسلوككم.
وعندما سُئل الإمام عن معنى ذلك، أوضح أن المراد هو أن يكون الإنسان من أفضل أهل زمانه، حتى ينجذب الناس إلى أهل البيت (عليهم السلام) بمحبة وإقبال قلبي عندما يرون سلوكه وأخلاقه.
8- التوحيد العبادي: سرّ التوفيق في التربية
كلما ازدادت صلة المربّي بخالق الوجود، ازداد تأثيره في توجيه المتربّين وتربيتهم، وتعزّزت ثقة الآخرين بشخصيته واهتمامهم بتعاليمه.
ومن الأساليب التربوية التي عزّزت قدرة السيدة زينب (عليها السلام) على الهداية والتوجيه، وأثمرت نجاحات مؤثرة في مختلف مراحل التعليم والتربية، بلوغها مقاماً رفيعاً في التوحيد العبادي.
لقد كانت صلة السيدة زينب (عليها السلام) بالله تعالى، وعبوديتها له، في غاية القوة والسموّ، حتى إن الإمام الحسين (عليه السلام)، الذي كان واسطة الفيض الإلهي ومن أصحاب أعلى مراتب العبودية، طلب من أخته الكريمة العابدة أن تذكره في صلاة الليل. [16]
كما رُوي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنه قال:
«إِنَّ عَمَّتِي زَيْنَبَ كَانَتْ تُؤَدِّي صَلَوَاتِهَا مِنْ قِيَامِ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ عِنْدَ مَسِيرِنَا مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الشَّامِ، وَفِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ كَانَتْ تُصَلِّي مِنْ جُلُوسٍ… لِشِدَّةِ الْجُوعِ وَالضَّعْفِ».
أي إن عمّتي زينب (عليها السلام) كانت تؤدي صلواتها الواجبة والمستحبة قائمةً أثناء مسيرنا من الكوفة إلى الشام، غير أنها كانت تصلي جالسةً في بعض المنازل بسبب شدة الجوع والضعف. [17]
وهذا يعني أن السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) لم تتخلَّ عن صلتها بالله تعالى، ولم تسمح للشدائد أن تضعف علاقتها بربّها؛ لأن الارتباط بالله هو العامل الأساسي للقوة والثبات على الطريق الصحيح.
ورُوي عن السيدة فاطمة بنت الإمام الحسين (عليه السلام) أن عمّتها زينب (عليها السلام) قامت في محراب عبادتها ليلة العاشر من محرّم، تستغيث بربّها وتطلب عونه، حتى إن أعين أهل البيت لم تهدأ تلك الليلة، ولم تنقطع أنّاتهم. [18]
ولهذا لم تمنعها مشقّات عاشوراء وما أعقبها من مصائب، ولا الجوع والضعف الجسدي، من أداء عباداتها المستحبة، ومنها صلاة الليل.
فالدعاء في الصباح، والأنين في جوف الليل، مفتاح بلوغ المقصود، وبهما يتصل القلب بالمحبوب.
إن التفكّر والمناجاة وإحياء الليل والاختلاء بالله تعالى من شأنها أن تهيّئ الإنسان لتحمّل مسؤولية تربية المجتمع وإصلاحه، وتمنحه الاستعداد والثبات في هذا الطريق.
وقد سعت السيدة زينب (عليها السلام) بكل وجودها إلى إقامة صلة قوية بالله تعالى، ولذلك لم تدّخر جهداً في أداء مسؤولياتها التربوية والتوجيهية؛ إذ كانت تعلّم وتربّي بدافع المحبة الإلهية، وتواجه العقبات بقوة، وتتغلّب عليها، وتبذل أقصى ما تستطيع في سبيل تعليم الناس وتربيتهم.
9- تطوير المهارات والاستفادة من الخبرات العلمية
كانت السيدة زينب (عليها السلام) تعمل على تطوير معارفها والاستزادة من علوم أهل بيت الوحي، من خلال طرح الأسئلة المتعددة على الشخصيات المعصومة (عليهم السلام).
ومن الجدير بالفتيات المؤمنات والأسر المتكاملة أن يقتدين بهذا المنهج في مختلف مراحل حياتهنّ، فيحرصن على اكتساب مهارات الحياة من كبار السن وأصحاب الخبرة والتجربة.
ومن الشواهد على ذلك سؤالها عن حديث أم أيمن لأبيها أمير المؤمنين (عليه السلام).
فقد روى الإمام زين العابدين (عليه السلام)، نقلاً عن عمّته السيدة زينب (عليها السلام)، أنها عندما حضرت عند أبيها أمير المؤمنين (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته، سألته قائلة:
يا أبتاه، لقد سمعت من أم أيمن أن مصائب كثيرة ستقع علينا بعد رحيلك، فهل هذا صحيح؟
فأجابها الإمام:
«يَا بُنَيَّةُ! الْحَدِيثُ كَمَا حَدَّثَتْكِ أُمُّ أَيْمَنَ».
أي: يا ابنتي، إن الأمر كما أخبرتك به أم أيمن. [19]
وقد اكتسبت السيدة زينب (عليها السلام)، من خلال الاستفادة من الأساليب التعليمية والتربوية، ومتابعة القرارات السياسية والاجتماعية التي اتخذها أبوها الكريم وإخوتها العظام (عليهم السلام)، تجارب ثمينة، وظّفتها في سبيل الارتقاء بالمجتمع وتربية الأجيال اللاحقة، وطوّرت قدراتها العلمية والتوجيهية لخدمة الناس وهدايتهم.
كما أنها عاصرت كبار العلماء والمربين في بيت النبوة، واطّلعت عن قرب على التدابير والسياسات والحروب والأحداث المريرة والمفرحة التي شهدها عصر أبيها وإخوتها، واكتسبت منها فهماً عميقاً وقدرة على التحليل. وقد أسهمت هذه الخبرات والمعارف في بلوغ قدراتها العلمية والتربوية مستويات رفيعة.
ويكتب الملا فاضل الدربندي (رحمه الله) أن السيدة زينب (عليها السلام) كانت من خواصّ أهل العلم والمعرفة، وأنها تلقت عن أبيها الكريم العلم ببعض الوقائع والحوادث المستقبلية، كما كان بعض أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كسلمان وأبي ذر، وبعض أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، كرشيد الهجري وميثم التمّار، مطّلعين على مثل هذه الأسرار. [20]
ومن الأساليب والمبادئ الأخرى في المدرسة التربوية للسيدة زينب (عليها السلام) ما يأتي:
- الاقتداء بالقدرات والمواهب المعنوية وتنميتها.
- الإفادة من مختلف مجالات التعليم والتربية.
- توظيف المصادر الإسلامية والآيات القرآنية في مواضعها المناسبة لتوجيه الأفراد وتربيتهم.
- تعلّم المعارف الدينية والمسائل الإسلامية من أفضل المعلمين، مثل أصحاب الكساء (عليهم السلام).
- اعتماد الفهم العميق والتفكير السليم في إدارة شؤون الحياة، وهي من الخصائص التي أسهمت في اشتهار السيدة زينب بلقب «عقيلة بني هاشم».
المصادر والمراجع
-
نظرة إلى خطب السيدة زينب (عليها السلام)، تدوين ونشر: ثقافة أهل البيت (عليهم السلام)، قم، 1389هـ ش، ص 18.
-
كلمات قائد الثورة الإسلامية في لقائه جمعاً غفيراً من النساء، الموقع الرسمي لمكتب قائد الثورة الإسلامية، 30/6/1379هـ ش.
-
القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 54.
-
العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، تفسير الميزان، ترجمة محمد باقر الموسوي الهمداني، منشورات إسلامي، قم، ج 5، ص 530.
-
ذبيح الله المحلاتي، رياحين الشريعة، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1364هـ ش، ج 3، ص 64.
-
محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1388هـ ق، ج 6، ص 5، باب فضل البنات.
-
محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، بيروت، 1403هـ ق، ج 28، ص 57.
-
بحار الأنوار، ج 45، ص 116.
-
المصدر نفسه.
-
الشيخ عباس القمي، نَفَس المهموم في مصيبة سيدنا الحسين المظلوم، المكتبة الحيدرية، قم، 1379هـ ش، ص 405.
-
نظرة إلى خطب السيدة زينب (عليها السلام)، ص 95.
-
المصدر نفسه، ص 111.
-
علي بن محمد الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، دار الحديث، قم، 1376هـ ش، ج 1، ص 267.
-
علي بن أبي الفتح الإربلي، كشف الغمة، مكتبة بني هاشمي، تبريز، 1381هـ ق، ج 1، ص 604.
-
النعمان بن محمد التميمي، دعائم الإسلام، دار المعارف، مصر، 1383هـ ق، ج 1، ص 56.
-
ذبيح الله المحلاتي، رياحين الشريعة، ج 3، ص 61.
-
الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني، مستدرك عوالم العلوم والمعارف، مؤسسة الإمام المهدي (عليه السلام)، قم، 1413هـ ق، ج 11، ص 954.
-
المصدر نفسه.
-
بحار الأنوار، ج 28، ص 60-61.
-
رياحين الشريعة، ج 3، ص 56.
ملاحظة تحريرية: حُوفظ على مضمون النص الأصلي وتسلسل محاوره وإحالاته المرجعية، وصيغت الترجمة بأسلوب عربي أدبي مناسب للنشر في المواقع العربية.