رسالتنا وواقع الأمه الإسلامیه

0

إنها لا تستمد مقومات وجودها من أکثر ما تواضع الناس على إدخاله فی معنى الأمه، واعتباره مقوماً لها، ورکنا أصیلاً فیها، وإنما تقوم على أصل واحد کبیر هو وحده العقیده ووحده الإیمان، وحده العقیده الشامله الجامعه لما عظم وهان من شؤون الإنسان فی الدنیا والآخره جمیعاً، ووحده الإیمان بهذه العقیده، الإیمان الذی یقرب بین البعید والبعید حتى لکأنهما أخوان، لأن وحده الوسائل والغایات، ووحده المطامح والآمال، ووحده السلوک هی التی آخت بین القلب والقلب، وواشجت بین الروح والروح.
وهذا ما جعلها أمه فریده فی التاریخ. فهی أمه "أخرجت للناس" بعد أن لم تکن. أخرجت إخراجاً وصنعت صنعاً. صنعت على عین الله بما رسم من حدود وما شرع من أحکام، وصیغت ملامحها وفق حدود الله وأحکامه التی أکسبتها معنى الأمه یوم لاحمت بین أفرادها، وواءمت بین عناصرها ووحدت بین وسائلها وأهدافها.
وهی أمه (أخرجت للناس) فلم تکن (فی الناس) ککثیر من الأمم همها أن تصون ذاتها من الأخطار وأن تکسب لنفسها الرخاء والدعه والأمن وإن حاق بالعالم الدمار.
ولم تکن أمه أخرجت (على الناس) بلاءً وسوط عذاب تهلک الحرث والنسل ولا تؤمن إلّا بشریعه الغاب وإنّما هی أمه (أخرجت للناس) رحمه وبشیر خلاص وعامل ازدهار للبشریه جمعاء. ومن هنا کانت خیر أمه أخرجت للناس وستکون خیر أمه أخرجت للناس ما أخذت نفسها بالسیر وفق الإسلام، العقیده التی صاغت وجودها بعد أن لم یکن لها وجود.
وإذن فکونها خیر أمه نابع من رسالتها إلى سائر الأمم، رسالتها التی هی مصدر عظمتها وشقائها.
مصدر عظمتها حین تضطلع بمهمتها الکبرى فتعمل – وفق أحکام الله – لأداء هذه الرساله. ومصدر شقائها حین تنحرف وتزیغ وتمزقها الأهواء فتقعد عن القیام بدورها وبذلک تفقد مبرر وجودها الوحید.
وفی عالمنا الیوم أمم کثیره تدَّعی أن لها رساله ولکن شتان بین رساله ورساله.
کان الإنسان الأوروبی فی عصر الاستعمار یدَّعی أنه إنسان ذو رساله هی (عبء الرجل الأبیض) وقد مارس الإنسان الأوروبی رسالته فاسترق وجوَّع وسدَّ منافذ العلم والحضاره عمن تسلط علیهم من الناس، وخلَّف عالماً یئن من الجور والطغیان والعذاب، عالماً تمزقه البغضاء والحروب وأخطار الحروب.
أما رساله الأمه المسلمه فهی نموذج آخر من الرسالات، نموذج فذ لم یقدر لأمه من أمم الأرض أن تضطلع بمثله، ذلک لأن رساله الأمه المسلمه إلى العالم هی رساله وهی فی کلمات: "رساله الحریه والعلم والحضاره والرخاء إلى کل إنسان".
وقد حمل المسلمون الأولون رساله الإسلام هذه إلى عالم الأمس الذی انحلت فیه القیم واستبدت فیه الغرائز بالناس وعملت عملها الخطیر فی تقویض الاجتماع الإنسانی فأحالته إلى معترک تناحری فظیع، فحققوا – فی حدود ما استطاعوا – رساله الإسلام وقدموا نموذجاً للإنسان جدیداً متکامل الشخصیه، مفعماً بالأمل النیر والخیر، ماضیاً فی السبیل الذی حقق له السمو والنبل! وقدموا نموذجاً للمجتمع رائعاً (مَثَلُ المُؤمِنِینَ فی تَوَادّهِم وَتَرَاحمِهِم وَتَعَاطُفِهِم کَمَثَلِ الجَسَدِ إِذا اشتَکَى مِنهُ عَضو تَدَاعِى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى) (الحدیث).
والإسلام مدعو لأن یؤدی رسالته العظمى فی عالم الیوم، فالإسلام وحده هو الکفیل بإخراج الإنسان المعاصر من أزمته التی تؤدی به إلى الدمار، وهو الکفیل بصیاغته من جدید، وإحلال التوازن فی کیانه الذی مزقته الدعوات والفلسفات بتحریره من جمیع عبودیاته: الفکریه والاجتماعیه والمادیه.
ولکن المسلمین لا یستطیعون أن یؤدوا رساله الإسلام إلى عالم الیوم کما أدوها إلى عالم الأمس فصنعوا المعجزات.
لأن القائم بأداء رساله یجب أن یحیاها، وقد حمل المسلمون الأولون رساله الإسلام وأدوها ما أسعفتهم قواهم وکانوا جدیرین بحملها وأدائها لأنّهم کانوا یحیون الإسلام أفراداً وجماعات، وکان کل فرد منهم إسلاماً حیاً یسعى.
أما مسلمو الیوم فإن الدعوات الضاله المضله قد استبعدت عقولهم وأرواحهم وصرفتهم عن الإسلام الى نهج فی الحیاه لا یلتقی مع الإسلام على صعید، وتحول الإسلام فی أنفسهم إلى شعور فردی مقطوع الصله بالحیاه، لا یبنیها، ولا یقوّم ما اعوج منها، وهم وهذا حالهم غیر جدیرین بحمل الإسلام إلى الإنسانیه الضاله المعذبه، وأن علیهم لکی یکونوا خیر أمه أخرجت للناس حقاً، أن یحققوا رساله الإسلام فی أنفسهم، فی واقع حیاتهم وسلوکهم، وحینئذ یقوون على حمل الرساله وأدائها، وحینئذ یکونون شهداء على الناس کما وعدهم الله، وحینئذ یکونون خیر أمه أخرجت للناس یأمرون بالمعروف وینهون عن المنکر ویؤمنون بالله ویحققون رساله الإسلام.
ورسالتنا:
هی أن ندعو المسلمین إلى الله مولاهم الحق، ونفتح أعینهم على واقعهم السیء وأسباب تردیه، ونرسم لهم سبیل النهوض من کبوتهم بشرح مبادئ الإسلام لهم، ورائدنا فی کل ذلک قوله تعالى:
(وَلْتَکُنْ مِنْکُمْ أُمَّهٌ یَدْعُونَ إِلَى الْخَیْرِ وَیَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَیَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ وَأُولَئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران/ ۱۰۴).

Leave A Reply

Your email address will not be published.