بَینَ یَدَیّ الخِطاب العظیم لِسَیّدَهِ نِسَاءِ العالَمِین
إنّ خِطاب الزهراء فاطمه (علیها السلام) فی مسجد أبیها محمّد (صلّى الله علیه وآله) احتِجَاجاً على غَصْبِ ( فَدَک ) لم یَکُن مُجَرَّد صَرخه فی وجه الظُلمِ، بل کان بالدرجه الأولى تَعرِیَهً لمَنهَج ٍ خاطِئ، و إنذاراً لمُستَقْبَلٍ خَطیر تَتَرَقّبُهُ الجزیرهُ العربیّه جَزاءَ زَحْزَحَهِ الوصِیّ عن زَعَامَه الأُمّه بعد الرسول الأعظم .
لقد جَاء الخطاب فی المَسجِد النبَوَیّ، وبِجِوار قَبْرِ المُصطَفى محمّد (صلّى الله علیه وآله وسلّم) لِیُسجّل اعتراض المَسجِد النبَوَیّ، الذی کان دائِماً مِحوَر الهُدى الدینیّ ،على سَقِیفَهِ بَنِی ساعِدَه الذی جَرتْ تَحْتَ سَقْفِه أوّل مُؤامَره على خط ِّالمَسجِد وخطِّ بانِی المَساجِد رسول الله محمّد ) صلّى الله علیه وآله وسلّم).
لم تکن فاطمه من النوع الذی یُقِیم لحُطام الدنْیَا وَزْنَاً ـ وهی التی أهدَت حتّى ثِیاب عُرسِها لسائِلَهٍ مِسکِینَهٍ لَیلَه الزِّفَاف ـ وهی التی شَهِد القرآنُ لها ولآلِها فی سُورهِ (هل أتى) بالإیثار فی سبیلِ الله ولو کان بِهِم خَصَاصَه، وهی التی شَهِدَتْ لها آیه التطهیر (إِنَّمَا یُرِیدُ اللَّهُ لِیُذْهِبَ عَنکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَیُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیراً) بالصدق والعفّه، ولکنّ اغتصاب فدَک کان حُجّهً على الذین َغَصَبُوا الخِلافَه، وسَنَدَاً واضِحَاً یُدِینَ فِعْلَ المُغتصِبین .
لقد أثْبَتَتْ الزهراء (علیها السلام) للتاریخ کلّه أنّ خلافه تقوم فی أوّلِ خُطوَه لها بالاعتِدَاء على أملاک رسول الله لیست امتداداً للنبِیّ بِقَدَرِ ما هی انقلابٌ علَیه، کما هو شأن کلّ الانقلاباتِ الّتی تَتِمُّ فی الدنیا حیثُ یُصَادِر الرئیس الجدید مُمتَلَکَات الرئیس السابِق الذی انقلب علیه، بِحجّهٍ أو بأُخرى، حتّى لا یستطیع أعوانه وأقربائه من الدفاع عن أنفُسِهِم والعوده إلى مَراکِز الحُکمِ والسلطه، إنّ أیّ شخصٍ یتَجَرّد من العصَبیّه المذهبیّه ویفهَم أوّلیّات السیاسه یُدْرِک مَغزى مُصادره (فدک) وإخراج عُمّال فاطمه منها وبالقوّه
أو کما یُعبِّر صاحِب الصواعِق المُحرِقه : انتزاع فدک من فاطمه .. کما یُدرَک مَغزى إصرار فاطمه الزهراء (علیها السلام) على المطالَبَه بحَقِّها حتّى الموت … فلم تکُن (فدک) هی المطلوبه، بل الخلافه الإسلامیّه ولم یَکُن إصرار الخلیفه على مَوقِفه، إلاّ لکی یَقطَع المَدَد عن المُطالِبین بالخِلافه.
من هنا قامت فاطمه (علیها السلام) تُطالِب حقّها المُغتصب باعتباره نِحلَه من رسول الله إلیها، فطالَبها الخلیفه بالشُهود.. وشَهِدَ على ذلک علیّ وأمّ أیمَن و الحَسَنَان ، فَرُدَّتْ شهاده أُمِّ أیمَن، بِحُجّه أنَّها إمرأه ـ عِلْمَاً بأنّ الرسول قد شَهِدَ لها بأنّها من أهل الجنّه، ورُدَّت شهادَهُ علیّ ـ بحجّه أنّه یَجُرّ النار إلى قُرصِه !! ورُدّت شهاده سیّدَی شبابِ أهلِ الجنّه الحسَن والحسَین بحجّه أنّهما صغیران !! عِلماً ـ بأنّ صاحب الید على المِلک، لا یُطالَب بالشُهود فی أیّ مَذهَب ٍ من مذاهب الإسلام، ولا فی أیّ قانونٍ من قوَانین الأرض أو السماء، فلا یَحُقّ لأیٍّ کان أنْ یَنْتَزِع یدّ أحدٍ على مِلک، ثمّ یُطالِبَهُ بإثباتِ مُلکیّتهِ له .
ولمّا رُفِضَت شُهودُ فاطمه بالنِّحله.. قالت إذن : فهی مُلکی بالإرث، فَرَتّبوا على الفورِ حَدِیثاً على لِسانِ النبی الأکرم یقول : ( نحن معاشر الأنبیاء لا نُورّث ذهَباً ولا دیناراً .. ) ناسین أنّه مُخالِف لصَرِیح القُرآن الکریم فی آیاتٍ کثیرهٍ ومُتفَرِّقَه ، مذکوره فی خطاب الزهراء ،
ولم یَکُن أمَام فاطِمهَ الزهراء (علیها السلام) إلا لتُلقِی حُجّتها فی المسجِد وعلى رُؤوس الأشهاد.. فجاء خِطابُها قاصِعاً قامِعاً دامِغاً لا یدَع مَجَالاً للریبِ عند أحد..
المناوره
ولم یجد الخصم المَهزوم بمنطِق الزهراء المُؤزَّر بآیاتِ الذکرِ الحکیم، إلاّ أنْ یُناوِر باسم الجماهیر ویعتذِر عمّا فعل، بأنّه استجابهً لطلبِ الناس ! ولا أدری متى کان طلَب الاغتصاب مُبَرِّرَا للاغتصاب ، أیاً کان الطالب وأیاً کان المُغتصِب، فکَیفَ والغَصْب لأملاکِ النبیّ الأعظم التی انتَقَلَتْ إلى فاطمهَ نِحلَه أو إرثاً .. ( وذلک بنصّ الکتاب العزیز الذی یعطی الأنفال ـ وهی کلّ أرض لم یُحرّرها الجیش الإسلامی للنبیّ الأکرم( صلّى الله علیه وآله وسلّم) ـ ، وفدَک أرضٌ صالَح علیها أهلُها رسولَ الله وسُلِّمَتْ صُلحاً لا حَرباً.
وفی الأخیر .. وبعد أخذٍ وردٍّ صَرّح الخلیفه أمَام الجماهیر بعدَم شرعیّه انتزاع (فدک)من الزهراء .. ولم یجِد بُدّاً من الاعتراف، ولکنّه حاوَل الالتِفَاف على حجّتها برَمْی الکره فی مَرمَى الجماهیر الحاضره فی المسجِد .. فصار حقّ الزهراء المُسلّم رهناً بِرِضا قومٍ یَعرِفون تماماً وجهَ الحقّ ومَقصَد الخلیفه من هذه المناوره، ولکنّ سَیفَ الإرهاب الذی شُهِرَ فی السقیفه ما کان یدَع لأحدٍ مَجالاً للاعتراض ..
ولم یکن یَخفَى على أحدٍ حقُّ فاطمه فی (فدَک) .. وما بعد فدک غَیر أنّ البطش کان أقوَى .. وما فُعِلَ بالصحَابِی الجلیل ( مالک بن نویره ) أخمَدّ أصوات الجمیع !
فدک .. عبر التاریخ
غیر أنّ فدَک لَمْ تَذهَب إلى خَزِینه الدوله إلاّ لِفَتره ٍقَصِیره .. ثُمّ سَلّمَها عُمَر لأبناء فاطمه، ثمّ انتزعها عثمان لیَعطِیها لصِهرِه مَروان بن الحکم، ثمّ عادت لِعَلیّ فی خلافَتِه ، وکان له مَعها موقفٌ حکیم ! وجاء معاویه فانتَزَعَها من أصحابِها ولم یَرُدّها إلى خزینهِ الدوله بل قسَّمَها بین أقرِباءِه ثلاثَ أقسام :
فثَلث لمروان وثَلث لعُمَر بن عثمان، وثُلث لولدِه یزِید ) قاتل الحسین بن علیّ علیه السلام ( وهکذا بَقِیَت فی کفِّ الأمَوِیّین حتّى صَفَتْ لمروان وحدَه .. ثمّ ورِثها عُمَر بن عبد العزیز فَرَدّها على أولاد فاطمه، ثمّ اضطرّ تحت ضغط أعوانه إلى توزیع غلّتها علیهم فقط واستبقاء الأصل فی یده، ثمّ انتزعها یزید بن عبد الملک لنَفْسِه، وبَقِیَتْ فی ید ِ المَروانِیّین حتّى زالت دولّتُهُم ،
وعلى زمَن العبّاسِیّین .. ردّها أبو العبّاس السفّاح إلى أبناء فاطمه )عبد الله بن الحسن بن الحسن ( ثمّ انتزعها أبو جعفر المنصور ثمّ ردّها ولده المَهدِی بن المنصور إلى أبناء فاطمه، ثمّ انتزعها ولده موسى بن المهدی..
وبقیت فی ید العبّاسیّین حتّى عام ۲۱۰ فردّها المأمُون على أبناء فاطمه، وکتب بذلک کِتاباً ضمّنه أدلّه امتلاک فاطمه لفدک (۱) .. ثمّ انتزعها المُتَوَکّل ووَهَبَهَا لابن( عُمر البازیار)، وکان فیها إحدى عشرهَ نخلَه غَرَسَها النبیّ (صلّى الله علیه وآله وسلّم) بیده الکریمه فَوَجّه البازیار رجُلاً یُقال لهُ بشران فَصَرم تِلک النخیل، ثمّ عاد فَفَلِج(۲) !! ولا یَذکُر التاریخ شیئاً عن فَدَک بعد ما صارت فی ید البازیار المُعادِی للنبیّ وآلِهِ (علیهم السلام).
وهکذا کلّما کان الحُکمُ یمیل للإنصاف لأهلِ البیت، کان یُعِید فدَکاً إلى أبناء فاطمه وکُلّما جَنَحَ للظلم، اغتَصَبَها من جدید، ولکنّ حقّ فاطمه فی فدک صار أظهر من الشمس فی رابعه النهار وأصبح حدیث ( نحن معاشر الأنبیاء لا نُورِّث ) مثل قمیص عثمان فی التاریخ، یستمر من وراءه طلاّب الحُکًُم لیُقْصُوا عن الخلافهِ أهلَها الحقیقیِّین، وکفى بـ ( فدک ) شاهدهً على صِدْقِ، وطهارهِ، وحقّ مَنْهَج ٍوقَفِ على رأسهِ أهلُ البیت ، علیّ وفاطمه والحسن والحسین .. الحُماه الحقِیقِیّون للرساله.
ومن المفارقات الطریفَه، أنّ الذین استَلَبُوا الخِلافَه فی سَقِیفَهِ بَنِی ساعده من أهلِ البیت کانوا یَشْعرون بالضَّعْفِ؛ لأنّه کان یَنقُصُهُم قوّه َ الحقّ فی خلافَتِهِم، فَراحُوا یُرَمّمُون ذلک النقص بِقُوّهِ المال المُغتَصَب، والسیف المُشتَهِر .. أمّا علیّ أمیر المؤمنین (علیه السلام) ،والذی کان أزهَدَ النّاس فی الدُّنیا، وأحرَصِهِم على الرساله فما کان لِیَشعُر بشیء من الضعف فی خلافَتِهِ حتّى یُغطّیه بالمال، فلا نقص الإجماع الجماهیری وقد تَدَافَعَتْ نحوه کالسیل وکأنّها تعتذِر عن تَقصِیرِها القدیم .. ولا نقص النصّ الجَلیّ وقد صَرّح الرسول الأکرم فی غدیر خمّ وغیرِ غدیر خمّ بخلافته له من بعده، ولا نقص القرابه إلى الرسول وهو ابن عمّه وزوج سیّدَهِ نِساء أهل الجنّه فاطمه (علیها السلام) ولا الجهاد والأسبقیّه إلى الإسلام وقد کان الأوّل فی کلّ تِلکَ المَناقِب؛ لذلک فإنّه ما أنْ امتلک السُّلطه حتّى رفَضَ أنْ یستفید من فدک شَخصِیّاً، وکان یُنفِق جمیع عائِداتها على الفُقراء لیُدَلّل على أنّ مطالبَه أهلِ البیت بفدک لم تَکُن لأجلِ الدنیا، وأنّ الذین اغتَصَبُوها منهم ما فعلو ذلک للآخره !
المطالبه بفدک .. والمطالبه بالخلافه
ومِمّا یکشِف عن مَرمَى خطاب الزهراء فی مسجِد الرسول خطابها الآخر فی فِراشِ الموت، عندما جاء لزیارتها نِساء المُهاجرین والأنصار حیث لم تَتَطَرّق إلى فدک من قریب أو بعید، بل کانت الخلافه هی المِحوَر .. أوّلاً وأخیراً .. (ویْلَهُم أنّى زَحزَحُوها عن مَراسِی الرساله، ومَهبِط الوحی الأمِین، والطیّبین العالِمِین بأمر الدنیا والدّین، وما الذی نَقِمُوا من أبی الحسن ؟ نَقِمُوا منهُ ـ والله ـ نَکِیرَ سَیفِه، وشِدّه ّوقْعَتِه، وتَنَمُّرِه فی ذاتِ الله).
ولقد أشار الإمام الکاظم موسى بن جعفر (علیه السلام) ـ حفید فاطمه ـ إلى قَضِیّهِ فدک، إذ حَدّدَ تِلک الجُنَینَه المَغْروسه فی خِصْرِ الصحراء عندما طلب منه الخلیفه هارون العبّاسی تحدید فدک لیَرُدَّها علیه فقال(علیه السلام) : (الحدّ الأوّل : عَدَنْ، والحدّ الثانی : سَمَرقند، والحدُّ الثالث : افریقیه، والرابع : سَیفُ البَحر مِمّا یَلِی الجُزُر، وأرمینیه) .
والسؤال : هل استطاعَت الزهراء بخِطابِها أنْ تسترجع فدک ؟
الجواب : لم تسترجع الزهراء فدَکاً ولکنّها استَرجَعَتْ صَوتَ الحقّ الذی کادَ یَضِیع فی تَهرِیجِ السقِیفَه .
وهکذا هُزِم الخصم
لقد سَجّلَت الزهراء على خُصُومِها غَصْب الأرض ولم یستَطِع الحدیث المَکذُوب على النبیّ أنْ یُثَبّت الشرعیّه لاغتصاب فدک، وروایه ( نحن معاشِر الأنبیاء لا نورّث .. ) فِرْیَهٌ مَفضوحه ـ بلا ریب ـ فهی أوّلاً مخالِفه لنصوص القرآن الکریم فی الآیات العامّه للإرْث وفی الآیات الخاصّه بخصوص إرث الأنبیاء ـ کما تُشیر إلیه الزهراء فی خطابها .
وثانیاً : لأنّ الخصم تراجع فی نهایه المَطاف عن التمسّک بهذا الحدیث لیَتَشَبّث بموقف الحاضرین فی المسجد والذین کان اغلبُهم من حِزبِه أو ممّن جرى تسلیمَهم بالقوّه أو بالتَطمِیع .
وثالثاً : إنّ الخلیفه قد ناقَض نفسَه فی هذا الحدیث، عندما استأذن عائشه حِصّتها من الإرث فی بیت النبیّ، وأوصى بأنْ یُدفن عند رسول الله (صلّى الله علیه وآله)علماً بانّ الزوجه لا ترِث من الأرض، بل من البناء فقط ـ کیف ترث عائشه زوجه الرسول ولا ترِث فاطمه بنت الرسول ؟
وأیضاً إذا صَحّ هذا الحدیث فلِماذا لم یُصادِر الخلیفه بِیُوت النبیّ من أزواجِه ؟ ولکنّ المُشکِله أنّ الدلائل على صِدقِ الزهراء لم تکنْ تَعوز الخلیفه الجدید ، بل الدوافع والغایات، وإلاّ کانت تکفی شهاده النبیّ (صلّى الله علیه وآله) عندما قال لعلیّ (علیه السلام) :(علیّ مع الحقّ، والحقّ مع علیّ یدورُ معهُ حیثُمَا دار) وقول الله تعالى عن أهل البیت: ( إِنَّمَا یُرِیدُ اللَّهُ لِیُذْهِبَ عَنکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَیُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیراً).
کلّ ذلک کان کافِیاً للرضُوخ لِلحَقّ، والحُکم لصالِح فاطمه الزهراء، ولکنّ کلّ تلک الشهادات قد رُدّت، ومعها آیات الذکر الحکیم فی المِیراث .. وبقِیَ الحدیث ـ الفِریَه صامِداً بِوجهِ کلّ الشهود والآیات… لماذا ؟ ؛ لأنّ الخلیفه لم یَکُن حکَماً، بل کان طرَفاً .
ولذلک فإنّ الزهراء ـ وبعد الیأس من الخلیفه وحاشِیَتِه ـ نادت : (فنِعمَ الحکَمُ الله، والزعِیم محمّد، والمَوعِد القیامَه، وعِندَ الساعَه یَخسَر المُبطِلُون) .
إنّ التناقض فی مواقِف الخلیفه من إرث الرسول ربّما کان هو سَبَب شعوره بالنّدَم العمیق ممّا صَنَعه تجاه ( فدک فاطمه )، خصوصاً فی اللحظات الأخیره من حیاتِهِ ولکنْ بعد أنْ کان کلّ شیء قد انتهى ..
لقد ماتَت فاطمه فی ریْعانَه العمر مَقهوره متألّمَه وهی ساخِطه على الخلیفه أشدّ السخط .. وعلى صاحِبِهِ أیضاً .. حتّى أنّها رفَضَتْ أنْ تَتَکلّم معهما بعد خطاب المسجِد ! وکانت تَدعوا علیهما فی کلّ صلاه، وأوصَت بأنْ لا یَشهَد أحدٌ منهُما جنازتَها .. وشدّدَت فی الوصیّه، حتّى أنّها أوصت أنْ تُدفن فی مکانٍ مجهول .. حتّى لا تُتِیح لأحدٍ منهما الصلاه على قبرِها.. ولکی تُسجّل اعتراضها على ( سقِیفَه بنی ساعِده ) وجمیع إفرازاتِها والى الأبد ..
ـــــــــــــــــــ
(۱) کَتَبَ المأمُون العبّاسی الرساله التالیه إلى والیه على المدینه قَثم بن جعفر : ( أمّا بعد، فإنّ أمیرَ المؤمنین بمَکانِه من دین الله وخلافهِ رسوله ( صلّى الله علیه وسلّم ) والقَرابه بِه، أولى مِن استَنّ بسُنّتِه، وسلّم لِمَن مَنَحَهُ مِنْحَه، وتَصَدّقَ علیه بصدَقه، منحته وصدّقته، وبالله توفیق أمیر المؤمنین وعِصمَته، والیه فی العمل بما یقُرّه إلیه رغبته، وقد کان رسول الله (صلّى الله علیه وسلّم) أعطى فاطمه بنت رسول الله وتصدّق بها علیها، وکان ذلک أمراً ظاهراً معروفاً لا اختلاف فیه بین آلِ رسول الله ( صلّى الله علیه وسلّم )، ولم تدعى منه ما هو أولى به من صدق علیه، فرأى أمیرُ المؤمنین أنْ یردّها إلى ورثَتِها، ویسلّمُها إلیهم؛ تَقَرُّباً إلى الله تعالى، بإقامه حقّهِ وعدْلِه والى رسول الله ( صلّى الله علیه وسلّم ) بتَنفِیذ أمرِه وصدَقَتِه فأمَر بإثبات ذلک فی دواوینه، والکتاب إلى عمّاله، فلَئن کان یُنادِی فی کلِّ موسم بعد أنْ قُبض نبیّه ( صلّى الله علیه وسلّم ) أنْ یذکر کلّ من کانت له صدَقه أو هِبَه أو عدّه ذلک فیَقبل قوله وتنفّذ عدته إنّ فاطمه ( رضِی الله عنها ) لأوْلَى بأنْ یُصَدّق قولُها فیما جعل رسول الله ( صلّى الله علیه وسلّم ) لها، وقد کتَب أمیر المؤمنین إلى المُبارک الطبَری مولى أمیر المؤمنین بأمرِه بِرَدّ (فدک) على ورثه فاطمه بنت رسول الله ( صلّى الله علیه وسلّم ) بحدُودِها وجمیع حقوقِها المنسوبه إلیها وما فیها من الرقیق والغلاّت وغیر ذلک وتسلیمها إلى محمّد بن یَحیَى بن الحسین بن زید بن علی بن الحسین بن علی بن أبی طالب ومحمد بن عبد الله ابن الحسن بن على بن الحسین بن علی بن أبی طالب؛ لتولیَه أمیر المؤمنین إیّاها القیام بها لأهلها .
فاعلم ذلک من رأی أمیر المؤمنین وما ألهَمَه الله من طاعَتِه ووفّقه له من التقرُّب إلیه وإلى رسوله ( صلّى الله علیه وسلّم ) وأعلِمه من قِبَلِک وعامل محمّد بن یَحیى ومحمّد بن عبد الله بما کُنت تعامل به المُبارک الطبَری وأعنهُما على ما فیه عمارتَها ومصلحَتَها ووفور غلاّتها إنْ شاء الله والسلام .
( راجع ص ۲۸ کتاب فدک ).
(۲) أُصِیبَ بمَرَض الفلج وهو الشلَلَ.