تربیه المسلم الإقتصادیه فی المجال المعرفی

0

ومن هنا فإنّ الإمام یعتمد فی منهجه التربوی الإقتصادی على تصحیح نظره أفراد المجتمع إلى المال وکل ما یتعلق به، على أساس معطیات الکتاب والسُّنه.
ویبدو أن معظم النشاطات الإقتصادیه والمعیشیه للفرد تنشأ من نظرته إلى الثروه. وتقویم هذا التصور سوف یؤدی بلا شک إلى محاوله إنشاء السلوک السلیم، أو بمعنى آخر، فإنّ تنظیم الحیاه الإقتصادیه للفرد یرتبط إرتباطاً وثیقاً بنظرته الشامله والمتکامله إلى المال.
فالمال هو عصب الحیاه الإقتصادیه، إذ إنّ الإنسان یستطیع من خلاله تحقیق الخیر والرفاهیه له ولأسرته ولأفراد المجتمع الذی یعیش فیه. "وهو بالنسبه للفرد وسیله لإشباع الحاجیات وبالنسبه للمجتمع وسیله التنمیه ومصدر القوه".
إنطلاقاً من هذا المفهوم، فقد عنیت مدرسه الإمام الصادق بهذا الأمر فی المجتمع، وأولته إهتماماً بالغاً، وذلک من خلال الترکیز على نواحٍ عده تبین کل منها بعداً خاصّاً لهذا التصور، ومنها:
أ‌) تعمیق مفهوم المال والملکیه:
* حقیقه المال:
إنّ المال فی الأصل: "ما یملک من الذهب والفضه ثمّ أطلق على کل ما یقتنى ویملک من الأعیان" وسمّی المال مالاً لمیل النفس إلیه.
أمّا المفهوم الإقتصادی للمال فإنّه یعدّ کل ما ینتفع به على أی وجه من وجوه النفع مالاً، کما أنّه یعد "کل ما یقوّم بثمن مالاً، أیّاً کان نوعه، وأیّاً کانت قیمته".
وقد بیّن الإسلام أنّ الله جلّ ثناؤه هو المالک الحقیقی لکلّ ما فی السماوات والأرض، کما یتضح من قوله عزّوجلّ: (وَلِلَّهِ مُلْکُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى کُلِّ شَیْءٍ قَدِیرٌ) (آل عمران/ ۱۸۹).
لذا، فإنّ کل ما یسمى المال هو مال الله وما یؤتاه الإنسان فی حیاته إنّما هو جزء من مال الله، کما قال تعالى: (.. وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِی آتَاکُمْ…) (النور/ ۳۳).
ومن ثمّ فإنّ ملکیه الإنسان للمال لیست ملکیه أصلیه وحقیقیه، بل هو مستخلف من الله فی تملک المال کما ورد فی الکتاب العزیز: (.. وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَکُمْ مُسْتَخْلَفِینَ فِیهِ…) (الحدید/ ۷)، فقد اقترنت الدعوه القرآنیه إلى الإنفاق بالتذکیر بمعنى الإستخلاف على المال لئلا یظنّ المالک أن حقه فی المال حق ثابت دائم مطلق.
وعلى هذا الأساس فقد رکّز الإمام الصادق على هذا المبدأ الأساس فی منهجه التربوی لکی تستقیم نظره تلامیذه إلى المال، فهو یعبّر عنها تاره بالودیعه فی قوله: "إنّ المال مال الله جعله ودائع عند خلقه".
وتاره بالعاریه کقوله: "إجعل مالک کعاریه تردّها".
ویظهر لنا مدى ترکیز الإمام على ترسیخ هذا التصور فی نفوس الناس، عندما اعتبره جزءاً من حقیقه العبودیه، فی قوله: "حقیقه العبودیه ثلاثه أشیاء، الأوّل أن لا یرى العبد لنفسه فیما خوّله الله ملکاً لأنّ العبید لا یکون لهم ملک یرون المال مال الله، یضعونه حیث أمرهم الله به…".
من خلال هذا المفهوم الرائع یربّی الإمام الفرد المسلم على أصل هام، وهو أنّ الإنسان لیس مستقلاً فی إمتلاکه ولا حرّاً بتصرفه فی المال بغیر إذن صاحبه الحقیقی، أو بخلاف مراده ومقصوده ومشیئته ومطلوبه، لأنّه عبد لله ومستخلف فی مال الله.
و"هذا التصور الإسلامی الخاص لجوهر الملکیّه متى ترکز وسیطر على ذهنیه المالک المسلم، أصبح قوه موجهه فی مجال السلوک وقیداً صارماً یفرض على المالک إلتزام التعلیمات والحدود المرسومه من قبل الله عزّوجلّ، کما یلتزم الوکیل والخلیفه دائماً بإراده الموکل والمستخلف".
ویؤکد الإمام هذه النظره الإستخلافیه فی طریقه إمتلاک الأموال وکیفیه إنفاقها بقوله:
"لو أنّ الناس أخذوا ما أمرهم الله عزّوجلّ به فأنفقوه فی ما نهاهم الله عنه ما قبله منهم، ولو أخذوا ما نهاهم الله عنه فأنفقوه فی ما أمرهم الله به ما قبله منهم حتى یأخذوه من حقّ وینفقوه فی حقّ".
ویقصد الصادق من هذا التوجیه أن تصرّف الإنسان الإقتصادی کسباً وإنتاجاً وإنفاقاً – محکوم بإراده المالک الحقیقی، وهو الله، أی أنّه مقید بأوامره ونواهیه، وأن حسابه على هذا التصرف واقع لا محاله، کما أنّ الإیمان بهذا الأمر "یقلل من تکالب الإنسان المسلم على المال ویهذب نفسه ویجعله یراقب الله أثناء کسب المال وحین إنفاقه له، فیصبح المال بذلک نعمه ووسیله لإسعاد الإنسان". ولیس نقمه ووسیله إلى شقائه فی دنیاه وأخراه وهذا ما یهدف إلیه الدین الحقّ.
* حقیقه الملکیه:
إنّ ملکیه الله لکل شیء، لا تعنی حرمان الإنسان من جهده أو منعه من التصرف فی ما یحصل علیه نتیجه جهده وعمله، بل إنّ الملکیه الفردیه حق أساس ثابت وواضح فی الإسلام، کما أنّ الإستخلاف یجیز التملک والإنتفاع، منعاً من الإعتداء والظلم وبغی الناس بعضهم على بعض.
ورغم أنّ المال لله تعالى والناس خلفاؤه فیه، إلا أنّ الشارع الکریم یسمی الإنسان مالکاً ویعدّه صاحباً له باعتبار أنّه المتسبب فی تحصیل المال وجمعه، ولم یغفل الحق – تبارک وتعالى – مجهود الفرد وحق الإنتفاع به فی هذا الصدد، فنسب القرآن الأموال إلى الناس فقال جلّ من قائل: (.. لَیَأْکُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَیَصُدُّونَ عَنْ سَبِیلِ اللَّهِ…) (التوبه/ ۳۴)، وأقر بملکیه الإنسان إستجابه لغریزه حب المال فی فطرته: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) (الفجر/ ۲۰).
ثمّ إنّ حمایه الملکیه تنمی فی المسلم شعوراً داخلیّاً بالأمان وهو یرى الجمیع یتجافى عن الظلم والغصب والعدوان".
ولقد أعطى الإسلام الفرد حقوقاً کامله من ملکیته تقابل بها المسؤولیه عن کل تصرف فیه؛ "لأنّ المال فی نظر الإسلام له وظیفه إجتماعیه والتصرف به، کسباً وإنفاقاً، مرهون بتحقیق تلک الوظیفه للفرد والأُمّه على حد سواء".
فلا یجوز للمالک أن یحول دون أداء الأموال لدورها الإجتماعی عن طریق الإکتناز أو الإشراف أو منع المجتمع من حقه فیها، وعلى هذا فکلما ازدادت دائره الإمتلاک ازدادت حدود المسؤولیه، وقد سعى الإمام الصادق إلى لفت أنظار تلامیذه إلى هذه الصله الوثیقه حتى یبین لهم حقیقه الملکیه ومفهومها فی الإسلام، فقال: "ما کثر مال الرجل قطّ إلاّ عظمت الحجه لله تعالى علیه، فإن قدرتم أن تدفعوها عن أنفسکم فافعلوا"، وعندما سئل بماذا؟ قال: "قضاء حوائج إخوانکم من أموالکم".
وهکذا یرکز أبو عبدالله فی نفوس أبناء المجتمع أنّ المالک یجب أن یصرف جزءاً من ماله على المجتمع ومرافقه؛ لأنّ سعه المال تفضی بالمالک إلى مزید من التبعات والمسؤولیات، وقد لا یتم أداء هذه التکالیف إلا باتباع أوامر الله فیها، ومن أهمها: قضاء حوائج الناس.
* دور المال فی حیاه الإنسان:
ورد ذکر المال فی القرآن الکریم ستاً وثمانین مرّه، مفرداً وجمعاً، ومعرفاً ومنکراً، ومضافاً وغیر مضاف… ولا ریب أن تکرار لفظ المال على هذا النحو فی القرآن دلیل على إهتمام القرآن به، وتقدیراً لآثاره فی الحیاه.
ومن البدیهی أنّ الإنسان لن یتمکن من تحقیق العیش الهادئ المطمئن فی الحیاه والتوصل إلى الأهداف المنشوده من خلق العالم وأداء رسالته وتعمیره الکون وإرتقائه فی سلم الرقی والتحضّر إلا بالمال.
وعندما یدرک الفرد وظیفه المال والغرض المنشود منه فی الحیاه، ینظم نشاطاته الإقتصادیه وفقاً له.
ولذا فقد أکد الإمام الصادق فی تربیته الإقتصادیه بوجه عام، وفی مجال تصحیح النظره المعرفیه بوجه خاص على دور المال فی حیاه الإنسان. وقد تناولت التعابیر التی أوردها الإمام الجانبین السلبی والإیجابی للمال، لیتمکن الإنسان من الإطلاع على مضاره وفوائده، فیمکنه أن یحترز من شرّه ویستدرّ من خیره… فقد عرّف المال بما یلی:
– أوّلاً:المال قوام الدین والعون على الآخره:
لقد عبر الإمام الصادق عن المال بقوام الدین، ونهى عن تضییعه وإهماله، کما أوصى واحداً من تلامیذه: "احتفظ بمالک فإنّه قوام دینک" ثمّ یستدل بالآیه الشریفه: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَکُمُ الَّتِی جَعَلَ اللَّهُ لَکُمْ قِیَامًا…) (النساء/ ۵).
– ثانیاً: المال قوام الدنیا وتحقیق السعاده فیه:
یرى الإمام أنّ المال قوام الدنیا، وبه یحقق الخیر والعدل، ولذا فسّر قوله تعالى: (.. رَبَّنَا آتِنَا فِی الدُّنْیَا حَسَنَهً وَفِی الآخِرَهِ حَسَنَهً…) (البقره/ ۲۰۱)، ویظفر برضوان الله والجنه فی الآخره، والسعه فی الرزق والمعاش وحسن الخلق فی الدنیا.
– ثالثاً: فی المال اطمئنان النفس وراحتها:
یرى الإمام "أنّ النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم یکن لها من العیش ما یعتمد علیه، فإذا هی أحرزت معیشتها اطمأنت".
وقد عبّر الإمام عن المال بما یُعتمد علیه، لأنّ الناس یعتمدون علیه فی قضاء حوائجهم فی الحضر والسفر، فلذا یؤکد على ضروره صیانته.
– رابعاً: المنافع الإجتماعیه للمال:
المال فی رأی الإمام سبب للشرف والعلو فی المجتمع، یستغنی به صاحبه عن الآخرین، فقال: "علیک بإصلاح المال، فإنّه فیه منبهه للکریم وإستغناء عن اللئیم".
ویؤکد الإمام على طلب المال والسعی إلى زیادته لما فیه من الخیر للفرد والمجتمع، فیقول: "لا خیر فیمن لا یحب جمع المال من حلال، یکفّ به وجهه ویقضی به دینه ویصل به رحمه".
ب‌) تصحیح المفاهیم الخاطئه فی طلب المعاش:
* الرزق بین التقدیر والطلب:
من أهمّ ما أولاه الصادق إهتمامه فی المجال المعرفی هو ترسیخ النظره الصحیحه فی طلب الرزق وکسب المعیشه؛ لأنّه یشکل نسبه کبیره من النشاطات الإقتصادیه للفرد.
ونظراً للأهمیه المادیه لهذا الأمر، توهّم بعض المسلمین من بدء الرساله بأنّ السعی فی طلب الرزق یتعارض مع الإهتمام بالعبادات والحیاه المعنویه للمسلم، وتبعاً لهذه النظره الخاطئه، أهملوا السعی فی طلب الرزق وأقبلوا على العباده والعزله.
وکذلک جرى هذا الأمر فی عصر الإمام الصادق أیضاً، فقام الإمام بإزاله هذا التصور الخاطئ وبیّن أنّه لا یجوز ترک العمل بحجه الإنقطاع إلى العباده مثل الصلاه والصوم، فلمّا أخبروه عن رجل قال: "لأقعدنّ ولأصلینّ، ولأصومنّ ولأعبدنّ الله، فأما رزقی فیأتینی". قال الإمام: "هذا أحد الثلاثه الذین لا یستجاب لهم".
فلا یجوز الإعراض عن العمل بدعوى التوکل على الله، وإنتظار الفرج والرزق منه سبحانه، بل لابدّ من السعی إلیه، وإلا اعتبر هذا تواکلاً، لا توکلاً، فشتّان بینهما، والتوکل لا ینافی العمل والأخذ بالأسباب؛ لأنّ "الإسلام لا یرید من المسلم العزوف عن الحیاه الدنیا وطیباتها فهو یأمر بعماره الأرض وإستخراج خیراتها لیکون المسلمون أهل العزّه والسیاده والقیاده".
وفی نصوص أخرى نجد الإمام یعمل على تغییر وجهه نظر الناس الخاطئه فی هذا الصدد، لیدرکوا أنّ العمل عباده یثاب علیها المرء وعندما سأل عن رجل، فقیل له: أصابته الحاجه. قال: "فما یصنعُ الیوم؟" قیل: فی البیت یعبد ربّه. قال: "فمن أین قوته؟". من عند بعض إخوانه. فقال أبو عبدالله: "والله للذی یقوته أشد عبادهً منه".
ومما ینبغی أن ننظر فیه بإمعان، أنّ الصادق رغم ترغیبه الشدید بالسعی فی طلب الرزق، یتحدث عن تکفّل الله بالرزق للناس کقوله: "لو کان العبد فی حجر لأتاه الله برزقه فأجملوا فی الطلب" حیث یشیر إلى الرزق المقسوم عند الله قائلاً:
"إنّ کان الله تبارک وتعالى قد تکفل بالرزق فاهتمامک لماذا؟… وإن کان الرزق مقسوماً فالحرص لماذا؟. وإن کان الحساب حقاً فالجمع لماذا؟…".
غیر أنّ الملاحظ لهذا المفهوم فی ضوء نصوص الإمام، – للوهله الأولى – یجد تناقضاً بین معطیاته الفکریه المتعلقه بطلب المال وبین الرزق المقدّر من الله تبارک وتعالى، ولکنّ الإمام نفسه یبیّن هذا التفاوت ویجمع بین الأمرین فیقول ما نصه لیزیل هذا الإشکال:
"الرزق مقسوم، على ضربین: أحدهما واصل إلى صاحبه وإن لم یطلبه، والآخر معلّق بطلبه، فالذی قُسِمَ للعبد على کل حالٍ آتیه وإن لم یسع له، والذی قُسمَ له بالسعی فینبغی أن یلتمسه من وجوهه، وهو ما أحلّه الله له دون غیره، فإن طلبه من جهه الحرام فوجده حُسِبَ علیه برزقه وحوسب به".
إذاً فالنوع الأوّل من أنواع الرزق المقسوم هو ما قدّر من جانب الله تبارک وتعالى، وهو ما یأتی الفرد دون سعیه وطلبه، ورغم وجود الموانع یصل إلى صاحبه.
فقد تجد امرءا کیّساً فطناً من أکثر الناس فهماً یفنی عمره فی طلب قلیل من الرزق ولا یتیسّر له ذلک، کما قد نرى أقلّ الخلق عقلاً تنفتح علیه أبواب الرزق، "ولو کان السبب جهد الإنسان وعقله لوجب أن یکون الأعقل أفضل فی هذه الأحوال، فلما رأینا أنّ الأعقل أقل نصیباً وأنّ الأجهل أوفر نصیباً، علمنا أن ذلک بسبب قسمه القسام کما قال تعالى: (أَهُمْ یَقْسِمُونَ رَحْمَهَ رَبِّکَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَیْنَهُمْ مَعِیشَتَهُمْ فِی الْحَیَاهِ الدُّنْیَا…) (الزخرف/ ۳۲).
أمّا النوع الثانی من أنواع الرزق فمرهون بالسعی والطلب، وهو مضمون لطالبه والذی یجب أن یسعى للحصول علیه عبر مختلف الوسائل المشروعه، وهذا ما بدا واضحاً حینما قال رجل لأبی عبدالله: "ادعُ الله أن یرزقنی فی دعهٍ فقال: لا أدعو لک، أطلب کما أمرک الله عزّوجلّ".
لقد طلب هذا الرجل من الإمام الدعاء بالرزق مع العافیه عن طلبه، والراحه فی حصوله، فأجابه لا یدعو له بذلک، بل علیه أن یأخذ بالأسباب، فیکدّ ویسعى لکسب لقمه العیش، ولا یکفی الإعتماد على الدعاء.
من هنا نفهم بأنّ الإیمان یرغّب تلامیذه فی طلب الرزق، ویشجعهم على السعی لتأمین معیشتهم، توجه بکلامه من خلال الأسباب الطبیعیه لکسب الرزق فی حین أنّه لما نهى عن الحرص والطمع فیه توجه بکلامه إلى الوجه المقدر من الرزق، أی ما قد یحصل علیه الإنسان دون سعی منه إلیه.
وهکذا، ومن خلال هذه النظره الشامله، یربّی الإمام تلامیذه على إعتماد التوازن بأن لا یفرطوا فی الطلب بالحرص والطمع، مقابل عدم ترک السعی والطلب بحجه التقدیر الإلهی فی الرزق.
* ضروره الوعی بمؤثرات الرزق:
کما ذکرنا سابقاً، فقد قام الإمام الصادق بتوضیح نظره الإسلام الشامله فی طلب الرزق، وبذل جهداً کبیراً فی تربیه الأُمّه وتنشئتها على الإعتدال والتوازن فی هذا الصدد. ولم یقتصر الإمام فی نشاطه على هذا الأمر فحسب، بل إنّه اهتم بتعلیمهم وتذکیرهم بعض السنن الکونیه المؤثره فی زیاده الرزق وتقلیصه، منطلقاً دوماً من کتاب الله والسُّنه النبویه الشریفه.
ولو تأملنا فی النصوص الوارده عن أبی عبدالله نجد بأنّه یؤمن بعلاقه وثیقه بین سلوک الإنسان ومُستوى معیشته، فأطلق فی خطاباته الکثیر مما یشیر إلى هذا التأثیر للمبادئ الأخلاقیه والعبادیه والإجتماعیه على سعه الرزق أو الحرمان منه. وفیما یلی نشیر إلى نماذج مما ورد عنه فی هذا المجال:
– فی المبادئ الأخلاقیه:
ترسم تعالیم الإمام شبکه مترابطه من العلاقه بین السلوک الأخلاقی والرزق المقدر للإنسان، ومنها تأثیر الشکر والقناعه وحسن النیه على بسط الرزق کقوله: "من حسنت نیّته زید فی رزقه"، وقوله: "الشکر زیاده فی النعم وأمان من الفقر".
کما أشار کذلک إلى تأثیر القناعه فی سعه الرزق حینما قال مخاطباً أحد تلامیذه: "یا حمران انظر من هو دونک فی المقدره، ولا تنظر إلى مَن هو فوقک فی المقدره، فإن ذلک أقنع لک بما قسم لک، وأحرى أن تستوجب الزیاده من ربّک".
وعلى صید آخر فقد اعتبر الإمام إرتکاب الذنوب وإستقلال الرزق من موانع الرزق، فقال: "إنّ المؤمن لینوی الذنب فیحرم رزقه". کما قال: "مَن استقلّ قلیل الرزق حرم الکثیر".
کذلک یبین الإمام العلاقه بین ذل السؤال والفقر العاجل فیقول: "إیاکم وسؤال الناس فإنّه ذل فی الدنیا وفقر تعجّلونه".
– فی المبادئ الإجتماعیه:
لم یغفل الإمام عن تأثیر المبادئ الإجتماعیه المتمثله فی أداء حقوق الآخرین فی المجتمع، من أداء الأمانه، وحسن الجوار، وإقراء الضیف والصدقه… إلى ما هنالک من قیم ومُثُل جعلها الله تبارک وتعالى مفتاح الرزق.
وممّا ورد على لسانه فی ذلک، عندما قال له تلمیذه: إنی لا أتغدى أو أتعشى إلا ومعی اثنان أو ثلاثه، أو أکثر. قال: "فضلهم علیک أکثر من فضلک علیهم. إذا دخلوا علیک دخلوا بالرزق الکثیر".
ومن المؤکد أنّ الصادق لم ینسَ إلزام نفسه وأهل بیته تأدیه الحقوق الإجتماعیه ویرى فی هذا الأمر تأثیراً بارزاً على سعه الرزق کما قال لإبنه: "أمّا علمت أنّ لکلّ شیء مفتاحاً ومفتاح الرزق الصدقه".
وهو نفسه یستفید من هذا المفتاح فی حال الضیق ویعبّر عنها بالتجاره المریحه مع الله، کما قال: "إنی لأملق أحیاناً فأنا أتاجر مع الله بالصدقه فیربحنی وأتّسع".
فهو ینفق إنفاق من لا یخشى الفقر لأنّه یرى العلاج أن یتعامل مع الله بعطائه للفقراء.
– فی المبادئ العبادیه:
إنّ الله تبارک وتعالى جعل العلاقه بین العبادات وسعه الرزق من سننه الکونیه، وإنطلاقاً من هذا المفهوم فقد لفت الصادق أنظار تلامیذه إلى هذه الإرتباط، کی لا یغفلوه لحظه فی سعیهم وجهدهم لطلب المعیشه.
ومما قاله: "لا تترکوا رکعتین بعد العشاء الآخره، فإنّها مجلبه للرزق".
وقد یعلّم الإمام تلامیذه بعض الأذکار التی تؤثر فی صیانه المال، کقوله: "من أعجب بشیء من أمواله وأرد بقاءه، فلیقل: ما شاء الله، لا حول ولا قوه إلا بالله".
وقد أظهر الإمام تأثیر الحج فی سعه الرزق عندما قال له أحد تلامذته: إنی وطّنت نفسی على لزوم الحج کل عام بنفسی أو برجل من أهل بیتی بمالی، قال: "إنّ عزمت علیه وفعلت ذلک فأبشر بکثره المال".
نستخلص مما تقدّم أنّ الإنسان حین یشکل إطاره الفکری على هذا الأساس، فإنّه ینظر إلى مفاتیح الرزق بنظره واسعه، شامله، فلا یکتفی بأخذ الأسباب المادیه فی حیاته الإقتصادیه فقط، بل یأخذ بالأسباب المادیه والمعنویه معاً، وفی کل نشاطاته، فیجتنب بذلک وقوعه فی دائره الحاجه والحرمان.
ج) تقویم النظره إلى الربح والکسب:
* التوازن بین الربح المادی والمعنوی:
تهدف کافه الإقتصادیات الوضعیه – من رأسمالیه وإشتراکیه – إلى تحقیق النفع المادی وحده لأتباعها، "فغایه النشاط الإقتصادی الرأسمالی هو أن یحقق کل فرد أکبر قدر من الربح والکسب المادی، وغایه النشاط الإقتصادی الإشتراکی هو أن یحقق کل مجتمع أکبر قدر من الرفاهیه والرخاء المادی، فالماده هی الأساس والغایه لذاتها من کافه المذاهب الإقتصادیه والوضعیه".
أمّا النشاط الإقتصادی فی الإسلام لا یهدف إلى تحقیق النفع المادی فحسب، بل لتحقیق المنافع المعنویه والروحیه التی تحقّق السعاده الدائمه للإنسان فی الدنیا والآخره.
من هنا یختلف مفهوم الربح فی الإقتصاد الإسلامی مع الإقتصاد الوضعی "فقد اتسع مفهومه فی الإسلام فیشمل المفهوم الروحی والمادی معاً، ولا ینفصل کل منهما عن الآخر".
فإنّ الإمام الصادق یعترف بأهمیه الربح بالنسبه للعمل الإقتصادی ویشجع تلامیذه علیه بما أنّه هو الدافع الحقیقی وراء المعاملات التی أقرّتها الشریعه الإسلامیه على إختلاف أنواع هذه المعاملات وأغراضها على نحو ما ذکره أتباعه فقال: قلت لأبی عبدالله: إنّ الناس یزعمون أنّ الربح على المضطر حرام وهو من الرّبا فقال: "وهل رأیت أحداً اشترى – غنیّاً أو فقیراً – إلا من ضروره؟! قد أحلّ الله البیع وحرّم الرّبا واربح لا ترب".
هکذا یقوّم الإمام نظره بعض أفراد المجتمع إلى الربح ویذکّرهم بالآیه القرآنیه التی تفصل بین البیع والربا ویصرّح بأنّ الربح والسعی وراء حصوله، مشروع، بید أنّه یجب ألا یخرج عن قواعد الشرع الحنیف بما یحقّق مصالح الفرد والجماعه معاً.
ولا نرى جهود الإمام فی التشجیع على الربح فحسب، بل نرى إهتمام هذا المفکر التربوی یخلق التوازن القویم بین الإتجاه المادی والروحی من النشاط الإقتصادی والربح الحاصل عنه.
* العلاقه بین الکسب والعمل:
إنّ النشاط الإقتصادی للفرد المسلم یرمی إلى الخروج من الفقر وتأمین المعاش على حد الکفایه، ولم یتحقّق هذا الهدف إلا عن طریق الإهتمام بالکسب وهو "ما یتحرّاه الإنسان مما فیه إجتلاب نفع وتحصیل حظٍ ککسب المال" ولکنّ الإقتصاد الإسلامی جعل فی طرق الکسب بعض الضوابط التی تکفل سلامه الفرد والمجتمع وعدم إنحرافهما.
فالکسب و"التملک مباح من حیث المبدأ ولکنّه مقیّد بأن یکون حلالاً من مأخذه، حلالاً فی إستخدامه، وحلالاً فی إنفاقه، فلا یکون من غصب أو سرقه أو غش أو إحتکار أو ربا…".
کما أنّ النبی (ص) حذّر من أقوام لا یهتمون بکسب الحلال فقال: "یأتی على الناس زمان لا یبالی المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام؟".
ومن أهم الضوابط التی عیّنها الإسلام فی هذا الصدد مبدأ تنظیم الکسب من خلال جهد الإنسان وعمله، ولم یسمح بتحصیل المال بدون عمل، فالجهد البشری هو سبب الملکیه والإنتاج سواء فی حالات التفاعل المباشر مع الطبیعه، أم بالتفاعل مع الأشیاء فی مرحلتها الثانیه مرحله التکییف والتصنیع.
وبالتأمل فی النصوص الوارده عن الإمام المربّی، نجد بأنّه یرید أن یرسّخ فی ذهنیه تلامیذه هذا الترابط وذلک من خلال تأکیده على عدم جواز إحاله العامل للعمل إلى عامل آخر، دون أن یکون قد عمل فیه شیئاً. فعندما سئل عن الرجل یتقبل العمل فلا یعمل فیه ویدفعه إلى آخر فیربح فیه، قال الإمام: "لا، إلاّ أن یکون قد عمل فیه شیئاً".
وقد یعمّق الإمام فی بعض الأحیان المفهوم ذاته بأسلوب آخر فیقول: "إنی لأکره أن أستأجر الرحى وحدها، ثمّ أؤجرها بأکثر ممّا استأجرتها، إلاّ أن أحدث فیها حدثاً".
فالصادق یربّی ضمائر الناس ویجعل تفکیرهم یتّجه إلى أنّ الکسب لابدّ أن یکون بمقدار ما یبذله الإنسان من سعی وکدح فی الحیاه، فلن یحصل المال الطیب إلا بجهدٍ وعناءٍ ومخاطره، ولذلک عندما قیل له:
ما بال المؤمن قد یکون أشحّ شیء؟ قال: "لأنّه یکسب الرزق من حلّه، ومطلب الحلال عزیز، فلا یحبّ أن یفارقه شیئه لما یعلم من عزّ مطلبه".
فـ"الربا یجعل المحتاج عبداً للغنی ویجعل الغنی عبداً للمال، وذلک إنحطاطاً بالمستوى البشری یتردى فیه الفقیر والغنی على السواء".
وهذا ما أکّده الصادق بالإشاره إلى سلبیات الربا الخلقیّه والإجتماعیه والإقتصادیه لیردّ الناس إلى الرشد والصواب فقال: "إنّما حرّم الله عزّوجلّ الربا لکی لا یمتنع الناس من إصطناع المعروف"، ولو کان الربا حلالاً لترک الناس التجارات وما یحتاجون إلیه، فحرّم الله الربا لتفرّ الناس عن الحرام إلى التجارات وإلى البیع والشراء فیفصل ذلک بینهم فی القرض".

Leave A Reply

Your email address will not be published.