أبعاد ثوره الإمام الحسین (علیه السّلام)

0

خطأ فی التقییم :
هناک العدید من الناس یقعون فی خطأ ـ اُصنّفه بالکبیر ـ حین یحصرون ثوره الحسین (علیه السّلام) بتاریخ معین ، أو یغضّون البصر عنها ؛ لأنها ـ حسب تصوراتهم ـ تخصّ طائفه معینه .
إنّ ثوره الحسین (علیه السّلام) واستشهاده فی کربلاء تخص کلَّ العرب ، وکلَّ المسلمین ، والإنسان المدافع عن الحق , والرافض للظلم مهما کانت عقیدته ومذهبه وقومیّته .
إنّ ثوره الحسین بن علی بن أبی طالب (علیهم السّلام) تمثّل نموذجاً فریداً سیظل حیّاً إلى أن یرث الله الأرض ومَن علیها ، أمّا فی الآخره فقد أخذ البشرى من جدّه الأعظم بأنه سید شباب أهل الجنه مع أخیه الحسن (علیهما السّلام) .
الحسین (علیه السّلام) جسّد رفض الخلافه بالغلبه ، ومبدأ توریث الحکم للأبناء بمفهوم عصرنا . لقد رأى أنّ فی الاُمّه مَن هو أصلح من یزید بن معاویه لإداره شؤون الاُمّه ، واستشعر أنه هو هذا الشخص . کیف لا وهو التقی , الزکی , العابد , المجاهد , الصالح , البعید عن الظلم والطغیان , الطاهر من المعاصی والآثام .
إنها صفات الحسین (علیه السّلام) , الرجل والإنسان ، یضاف إلیها أنه سبط النبی (صلّى الله علیه وآله) ، وابن فاطمه الزهراء (علیها السّلام) ریحانه نبی الرحمه ، ووالده علیّ (کرّم الله وجهه) الذی أسلم ولم یسجد لصنم , وتربّى فی حجر النبی(ص) , ونام فی فراشه لیله الهجره ، وشارک فی غزوات المسلمین ، وأبلى بلاءً نعرفه وقرأنا عنه منذ نعومه أظافرنا .
ولا یتّسع المقام لسرد مناقب الإمام علیّ (علیه السّلام) , ولکن الحسین (علیه السّلام) لم یقف عند حسبه ونسبه , وعند ورعه وتقواه ومحبه الناس له , بل لم یقف عند البشرى بالجنه ولو مات على فراشه ، فانطلق ثائراً لیسطّر ملحمه من ملاحم البطوله ، ویکتب بدمه الطاهر رساله تتناقلها الأجیال , ویفتخر بها التاریخ ؛ لیعطی لنا درساً عظیماً فی التضحیه والفداء , والبذل والوقوف فی وجه الظالمین والطغاه .
إنّ القول بأن واقعه الطف حدث عابر , وأمر انتهى , ولا یجوز الوقوف عنده هو خطأ فی تقییم الواقعه وقراءه تفاصیلها ودلالاتها ، والقول إن الأمر یتعلق بفئه أو ملّه دون اُخرى أو حتّى حصر الأمر بالعرب أو المسلمین لهو ظلم جدید یُرتکب بعد ۱۴ قرناً من رحیل الحسین (علیه السّلام) شهیداً .
وأمّا بعض الجهله أو المتحذلقین الذین یقولون : (سیدنا یزید) , فی تزاوج مع قول : (سیدنا الحسین) , فیجب أن یتّقوا الله فیما یصدر عنهم من کلام . یزید سید من یرضى الذل والهوان , وسید من أعماه عن حبِّ الله ورسوله حبُّه للدرهم والدینار ، ولا أعذار یمکن أن تقبل لهذا الوصف .
عالمیه الثوره
إنها ثوره عربیّه , فلقد عرف عن العرب إباؤهم وأنفتهم وعدم رضوخهم لأی ذلٍّ یحاول أن یمسهم من أی کان . لقد سمعنا وقرأنا عن عمرو بن کلثوم التغلبی وکیف أطاح برأس عمرو بن هند لمّا شعر أنّ اُمَّ الأخیر ترید المساس باُمّه لیلى بنت المهلهل ، وکان هذا فی الجاهلیّه ، فکیف ـ بعد الإسلام دین الحریه والعداله ـ یرضى عربی حرّ أن یتولّى أمره یزید وعبید الله بن زیاد ؟!
هی ثوره إسلامیّه ؛ لأنّ الإسلام لا یقبل أن یسوس العصاه وشاربی الخمور اُمّه حیه وحامله رساله للناس , والإسلام یرفض مبدأ حکم الغلبه والبیعه بالإکراه , والإسلام یکرّم الذین یُقتلون ظلماً ؛ باعتبارهم أحیاء عند ربهم یرزقون , والله سبحانه وتعالى قد حرم الظلم على نفسه , وجعله محرّماً بین عباده . فأی ظلم أکبر من أن یأتی یزید أو من هم على شاکلته کی یدیروا شؤون الرعیه والله تعالى قال : (وَتِلْکَ الْقُرَى‏ أَهْلَکْنَاهُمْ لَمّا ظَلَمُوا) ، ولم یقل لمّا کفروا ؟!
هی ثوره إنسانیّه ؛ لأنّ النفس السویه ترفض الظلم , وتکره الطغاه , وتسعى إلى العداله بین الناس , بغضّ النظر عن معتقداتهم ومذاهبهم .
وهذا الراهب النصرانی (میلانصو) یرى النور یشع من رأس الحسین (علیه السّلام) المحمول فی طریقه إلى قصر یزید فی دمشق ، فیأخذ الرأس من حاملیه ؛ لیمسح عنه التراب , ویغسله بماء الورد , معاتباً ومؤنّباً القتله على فعلتهم . میلانصو کان راهباً نصرانیاً ، وسرجون کان نصرانیاً یعمل مستشاراً لدى یزید , وهو (سرجون) من نصح بتولیه ابن زیاد .
لقد أعماه حقده فکان فی صفِّ الظالم على المظلوم . إنّ أحرار المسیحیِّین لیتشرفون بمیلانصو , ویشمئزون من سرجون , رغم أن هذا وذاک ینتمیان لذات الدین ، فطرت النفس الإنسانیّه على بغض الظلم ونبذ الطغیان , ولکنها إذا انحرفت أودت صاحبها إلى شتّى ألوان الإجرام أیّاً کان معتقده أو قومیته أو وطنه .
وفی سیاق الحدیث عن عالمیه ثوره الحسین (علیه السّلام) فقد زار الصین یوماً أحد قاده منظمه التحریر الفلسطینیّه , والتقى الزعیم (ماوتسی تونغ) , فقال الأول لماوتسی : علّمنی النضال .
فردّ ماوتسی : کیف اُعلّمک وعندکم ثوره الحسین بن علی ومعرکه کربلاء ؟!
إنّ هذه الواقعه لهی ملهمه لکلِّ الثائرین فی وجه الظلم , الساعین إلى العداله والحق والاستقامه .
رساله أکبر من کلِّ الکلام
الحسین بن علی (علیه السّلام) کریم ابنُ کریم ، طاهر ابن طاهره ، أصیلٌ من نسب أصیل ، یُقتل وتُسبى نساؤه , ویُجزّ رأسه , ویُحمل إلى الشام دون أن یجد ناصراً له ، یصرخ : (( ألا هل من ناصر ینصرنی ؟)) .
لقد عرف أنّ جیش یزید یرید رأسه , وعرف أنّ الناس یریدون ترکه لمصیره ؛ لأنّ المعده غلبت الضمیر ؛ لأن المال والعطایا طغت على المبادئ والمُثل النبیله , فکان حالهم (قلوبُهم معک وسیوفُهم مع بنی اُمیّه) ! ولکنه وجّه کلامه للأجیال القادمه کی تحمل الرایه ، وتقود حرباً لا هواده فیها ضد الطغاه أیّاً کانوا , وتحت أی رایه تخفّوا ؛ فإنّ لهم صفهً واحده هی الظلم .
باستشهاد الحسین (علیه السّلام) أصبح العرب والمسلمون والإنسانیّه الحره أمام مسؤولیه کبیره , فلا أحد منّا یستطیع الزعم أنّ له شرفاً عظیماً کشرف الحسین (علیه السّلام) , أو مقاماً کمقامه . ورغم ذلک حدث للحسین وأهله (علیهم السّلام) ما تقشعرّ له الأبدان ، فکیف یبرّر المنهزمون المتخاذلون عن نصره الحق هزیمتهم وتخاذلهم ؟!
کیف الوفاء ؟
جمیل أن نحیی ذکرى الحسین (علیه السّلام) ، بل أن نبکی علیه فی ذکراه ، ونقیم المحاضرات والندوات ، وبیوت العزاء ، ونستغل الفرصه لجعل هذه الذکرى لنا جمیعاً , وعدم التناکف وحصرها فی إطار مذهبی ضیق . ولکن ما فائده البکاء والوقوف على الأطلال ممن یتحالف مع الأعداء والطغاه , ثم یأتی مدّعیاً حبه للحسین (علیه السّلام) ؟!
ولعمری قول القائل :
یا من رأى حبَّ الحُسین تشیّعاً      إن الـتـشیّع ثـورهٌ وجـهادُ
ثـار الحسینُ على یزید لفسقِهِ      ولـقد  غـزانا الکفرُ والإلحادُ
وکیف یرضى من یدّعی نسباً بالحسین (علیه السّلام) بأن یخون المبادئ التی قضى الحسین (علیه السّلام) نحبه من أجلها ؟!
إنّ الوفاء الحقیقی للحسین (علیه السّلام) یکون بالتمسّک بالمبادئ التی اجتزّ رأسه فی سبیلها . الوفاء للحسین (علیه السّلام) بالسیر على نهجه ونهج أصحابه فی الوقوف فی وجه الطغیان , ودرء الظلم عن الناس ، بغض النظر عن (موازین القوى) . الوفاء للحسین (علیه السّلام) باستشعار بذله للغالی والنفیس من نفس ومال , وعدم القبول بالذله حین صرخ صرخهً صادقه معبره : (( هیهات منّا الذله ! )) .
والحقیقه أنّ هناک من التزم بالوفاء وسار على النهج , وأترک ذکر الأسماء ؛ لأننا نعرفها . ولکن ثوره العشرین حاضره بمفجّر فتیلها فی وجه الغزاه الإنجلیز للعراق , والمقاومه اللبنانیه التی دحرت الاحتلال عن أرض لبنان , وأصرّت على تحریر کل لبنانی مقاوم ـ بغض النظر عن انتمائه السیاسی أو الطائفی ـ من قیود الأسر ، وغیر ذلک من النماذج العظیمه التی نرجو أن نراها تتکرر , وهی بحمد الله تتکرر کلّما حلَّ الظلام ؛ لتبثّ نورها الساطع الصادق , معلنه أنّ الظلام لیس قدر الاُمّه , وأنّ دماء الحسین (علیه السّلام) لا تزال تشع لنا النور الذی نسیر علیه فی حربنا مع الظالمین .
والوفاء للحسین (علیه السّلام) یکون بعدم إغفال التربیه السلیمه الصحیحه القائمه على غرس المُثل والقیم النبیله فی المرء , بحیث لا یتخلّى عن هذه المبادئ تحت أی ظرف ؛ لأننا رأینا فی سیره وقعه الطفِّ کیف أنّ من یتخلّى عن المُثل وینبذ القیم یتحوّل إلى وحش بشع .
هؤلاء الذین یعرفون فضل الحسین (علیه السّلام) ونسبه , ورأوا على رأسه عمامه جدّه لم یتورّعوا عن قتله بلا رحمه مع طفلیه الرضیعین , وأن یمثّلوا بجثمانه الطاهر بکلِّ خسه ونذاله وحقاره ، لماذا ؟ لأنهم بلا مُثل ولا قیم أو أخلاق , فاستزلّهم الشیطان ؛ لتکون (تذکره) دخولهم جهنم دماء خیر من حوت الأرض فی وقتها , وبئس الورد المورود !
فی ذکرى استشهاد الحسین وأولاده وأخیه العباس وأصحابه (علیهم السّلام) أقول :
السلام علیک یا أبا عبد الله الحسین
السلام على أبنائک , وعلى أصحابک وأنصارک
السلام على مَن سار على نهجک إلى یوم الدین
السلام على من بقی وفیّاً لدمائک ومبادئک
الخزی والعار والشنار لکلِّ مَن خان مبادئک ممّن ادّعى أنه ینتسب إلیک !
ولیفضح الله کلَّ من ادّعى حبک وسایر أیَّ (نسخه) عن یزید فی عصرنا !

Leave A Reply

Your email address will not be published.