الدور العلمائی للمسلمین فی ظل الثورات الإسلامیه
ولیس من المبالغه إن قلنا: إن أهم انجازات الثوره الإسلامیه على هذا الصعید أنّها ربّت جیلاً من العلماء کانوا على أتم الاستعداد لنکران الذات والانصیاع للأوامر الإلهیه, قدّموا أنفسهم وحیاتهم کلها فی سبیل الأهداف الإلهیه المقدسه، وصهروا أنفسهم وعلومهم ومقاماتهم فی مشروع الأمه، ولیس فی مشاریع شخصیه وأهوائیه.
هذا من جهه، ومن جهه أخرى فقد واجهت الثوره فئهً من وعاظ السلاطین والمتحجرین الذین شکلوا عائقاً وسداً فی وجه مشروع الأمه نتیجه عدم الالتفاف إلى جانب التزکیه, الأمر الذی یدلنا ـ وبکل وضوح ـ على أنّ قیادییها لم ینسوا فی کل خطواتهم المشروع الأساسی الذی یجب أن یکرس العلم والعلماء فی سبیله.
ویمکن القول: إنّ الثوره قد أسست شرطین جوهریین، وأوجبت على العلماء التحلی بهما إضافه إلى الشروط العامه الأخرى من العلم والتقوى وتزکیه النفس ونحو ذلک:
الأول: الاطلاع على مقتضیات الواقع:
من خلال معرفه العلماء بالواقع المعاش والعلوم الرائجه والنافعه فی کل عصر. حیث کانت وظیفه العالم ـ ونتیجه ظروف متعدده وملتبسه ـ تقتصر على بیان الأحکام والوعظ، دون الغوص والتبحر فی إدراک المشاکل التی تواجهها الأمه، ومعالجه الأفکار المنحرفه التی ترمی بثقلها على واقعها.
وقد ساهم هذا الفهم الخاطئ للدور العلمائی فی تقدیم الفکر الدینی مبعثراً وخالیاً من روح التفاعل، فولّد بعداً عن الإسلام وهجراناً للأحکام الإلهیه, لتحصد الأمه والمستضعفون فیما بعد آثار هذا الفهم المنقوص.
ولم یخفَ هذا الواقعی المأساوی على الثوره وقیادییها، فتعاملوا معه بدقه وحساسیه، واعتبروا منذ البدایه أن وظیفه العالم لا تنحصر بتبلیغ بعض الأحکام العادیه الفردیه من نجاسه أو طهاره, ورأوا أنّ الوظیفه الأهم والأبلغ هی تمثیل الإسلام على سعته وشمولیته، فالإسلام الذی هو دین الحیاه, یفترض أن یکون قابلاً للتطبیق فی مختلف الظروف وعلى سائر الأوضاع, وأن یکون حاملاً للقدره والحیویه الکافیتین اللتین تجعلان منه حلاً لمشاکل الإنسانیه، بل حاجه لبناء الفرد والمجتمع والدوله, وهذا المعنى لیس قابلاً للتحقق ما لم یکن هناک نوع من الانفتاح النظری والعملی على شؤون الحیاه المعاصره ومعالجه قضایاها وتقدیم الرؤیه الإسلامیه الکامله, اعتماداً على أصاله الفکر وشمولیه الدور.
ومن المؤسف جداً أنّ الامه الإسلامیه فیما مضى وإلى الیوم، قد ابتلیت بنمطین تم تقدیمهما على أنّهما متخالفان أو متنافران أحیاناً, أحدهما: الجمود والتقوقع والانزواء, والثانی: هو الإفراط فی قبول الأفکار المعاصره؛ حیث ولّد النمط الأول غربه وتغریباً عن الدین، فسلمت الأمه بأبنائها وخیراتها إلى الأعداء، فیما أنتج النمط الثانی انحرافاً وتشویهاً وخلطاً فی المفاهیم.
أمّا الثوره المبارکه فقد أوجدت زواجاً واقتراناً بین الأمرین من دون تکلّف, فکانت الأصاله هی نفس عیش الواقع ومقتضیاته, وصار الانفتاح على العلوم والمعارف الإنسانیه انعکاساً طبیعیاً وعفویاً للأصاله التی یختزنها الدین.
الثانی: التصدی لشؤون الأمه:
لم یکن الإسلامی یوماً طقساً عبادیاً, ولم یکن العالِم شکلاً خارجیاً ومظهراً لحاجه روحیه یلجأ إلیه أصحاب العقد النفسیه, ویتمسک ببفتواه السلطان الجائر لیقهر بها الناس وإراداتهم. وإنما العالِم مظهر من مظاهر الإسلام فی التصدی لمختلف شؤون الحیاه من المعرفه والهدایه والحکم، والتصدی على المستوى الفکری والتبلیغی والمعنوی والسیاسی والقضائی، وهو الرائد فی حمل قضایا الناس وهمومهم وإخراجهم من ظلمات القهر إلى نور الحریه, ومن ظلمات الجور إلى نور العدل وهکذا..
وما یمکن أن نقطع به هو أن أحد أهم أسباب تراجع أمتنا یکمن فی انکفاء العلماء عن القیام بهذا الدور والواجب، فکیف الحال إذا کان دور البعض هو التغطیه لبعض الأعمال الباطله والظالمه, ومن خلال هذه النظره الواقعیه ومن خلال الرجوع إلى أصاله الإسلام أسّس لنظریه ولایه الفقیه، والتی لا تعدو أن تکون أکثر من تشخیص لدور العالم المجتهد فی قیاده الأمه، لرفع شأنها وإعزازها والوقوف بوجه کل الطامعین.
إن فکره أن العالم یجب أن یکون سیاسیاً بالدرجه الأولى لا تلغی الآخرین، ولا تقلّل من شأنهم کما ربما یتوهم البعض، ولا تجعل شؤون الأمه حکراً على فئه من الناس دون غیرهم, وکأن فی الأمر تعصباً لفئه خاصه ترید أن تستأثر لنفسها وتدعی المعرفه الکامله فی کل شیء!! فهذا أیضاً مرفوض بمنطق الإسلام, فالعالم الذی یتصدى للشأن السیاسی أو الاقتصادی أو القضائی أو الاجتماعی من موقع العلم, هو أحد هؤلاء الناس الذین یعیش معهم ویحمل همومهم, ویجوع حینما یجوعون, ویجاهد حین یجاهدون, ویستشهد حینما یستشهدون.
ولهذا لم یکن من الغریب أن نجد جبهات القتال فی إیران الإسلام مملتئهً بالعلماء والروحانیین, فمنهم الجرحى، ومنهم الأسرى, ومنهم الشهداء، ومنهم من ینتظر.. وما بدّلوا تبدیلاً.
إنّ تتبع أحداث الثوره الإسلامیه، ودور العلماء فیها، یرشدنا إلى أنّ هذه الثوره أرادت لهذا الصنف من الناس أن یکونوا الجزء الوفی والصادق فی مشروع الأمه, لیکونوا فی خدمه الأمه دوماً, ولیواجهوا العدو الطامع الذی فتک بها، فإنّه بذلک، وبذلک فقط یتحقق الخلاص ویسود العدل.