البناء الاقتصادی.. وحفظ الحقوق فی سوره البقره

0

وهذا لا یعنی أن ینشغل المسلم بالمال عن دینه وربه، فیتجاوز الحدود طلباً للاستزاده من المال، أو الطغیان فی الإنفاق الذی یجعل صاحبه من إخوان الشیاطین.. ولکنه یعنی العدل، وحفظ الحقوق، والدقه فی اختیار الطرق التی یوظف المال من خلالها ویبنی الاقتصاد من أجل تحقیقها. هذا إلى جانب تکریم الإنسان، ومواجهته بما فطر علیه من حب التملک، مع الضوابط والمعاییر التی تحول دون الکسب الحرام، ودونَ الاعتداء على حقوق الآخرین، والحیوله دون التنمیه المطلوبه.

إنّ بناء القوه الذاتیه للأُمّه المسلمه، منوط بعناصر أساسیه، یأتی فی مقدمتها – بعد العقیده – العلم والمال، کما أنّ الفرد فی المجتمع المسلم، یجب أن یتوافر له الأمن والطمأنینه، فیکون أمیناً على ماله، کما یکون أمیناً على الضرورات الأخرى کلها، من الدین والنفس والعرض والعقل وما إلى ذلک.

وإذن: فلا عجب أن یعنی القرآن بهذه القضیه هذا القدر من العنایه، ویضع الضوابط والمعاییر التی تکشف عن الإطار العام للتعامل المالی والاقتصادی، بما یصون حقوق الفرد، وینمی الثروه، ویضمن مزیداً من الاستقرار الاجتماعی والاقتصادی.

وسیراً مع المنهج القرآنی فی إنشاء الوازع الإیمانی من داخل النفس، بجانب المؤیدات والسلطه، نجد آیه المداینه قد ختمت بقوله تعالى: (.. وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَایَعْتُمْ وَلا یُضَارَّ کَاتِبٌ وَلا شَهِیدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِکُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَیُعَلِّمُکُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِکُلِّ شَیْءٍ عَلِیمٌ) (البقره/ ۲۸۲).

ثمّ جاء استکمال تلک الأحکام المتعلقه بالدین وتوثیقه وحفظ الحقوق المالیه عموماً بین الأخ وأخیه سفراً وحضراً، فی الآیه التی تلت وهی قول الله جلّ ثناؤه: (وَإِنْ کُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا کَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَهٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُکُمْ بَعْضًا فَلْیُؤَدِّ الَّذِی اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْیَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَکْتُمُوا الشَّهَادَهَ وَمَنْ یَکْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِیمٌ) (البقره/ ۲۸۳).

أرأیت!! إلى جانب الدلاله على أن شریعه الإسلام تقدم المنهج الربانی المتکامل للحیاه بجمیع شؤونها، وإلى جانب التنظیم والضبط على الصوره التی لا تجارى، نجد (فَلْیُؤَدِّ الَّذِی اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْیَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ)، کما نجد (وَلا تَکْتُمُوا الشَّهَادَهَ وَمَنْ یَکْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)، ونجد أیضاً (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِیمٌ) ناهیک عن قوله سبحانه: (وَلا یُضَارَّ کَاتِبٌ وَلا شَهِیدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِکُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَیُعَلِّمُکُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِکُلِّ شَیْءٍ عَلِیمٌ) کما ذکرتُ آنفاً.

وهکذا تقیم الهدایه القرآنیه إلى جانب ما تُلزم به من الانضباط فی التعامل، إقامه حارس من داخل النفس، یحرص القیم والأحکام المطلوب العمل بها، والوقوف عند حدود الله بالتزامها، ویحول دون ارتکاب الحرام – بل ما هو من المشتبهات – وتجاوزِ المرء على إخوانه فی المجتمع، مصحوباً ذلک کلُّه: باعتقاد المسلم أنّ المال مال الله، وموکول إلیه أن یتصرف فیه وفق شریعه الله، بعد أن یکون قد جمعه من الکسب المشروع.

وبعد: فإن هاتین الآیتین من سوره البقره – وأمثالهما کثیر – أمانه فی أعناق أهل الإیمان، وبخاصه المؤتمنین منهم على تحقیق البناء الذاتی للأُمّه المطلوب إحکامه على الوجه الذی ینبغی، وتنمیه طاقاتها الفاعله، واستقرار مجتمعاتها فی مواجهه التحدیات دونما تجاهل أو غفله عن التطور العلمی، وما یتسم به الواقع إقلیمیاً کان أو عالمیاً!!

وإذا کانت الکلمه القرآنیه قد أعطت ما أعطت من العنایه بالوازن الإیمانی وسارت به جنباً إلى جنب مع ما أوجبت من الضوابط والمعاییر عند التعامل المالی؛ فإنّ الأمانه ثقیله مطلوبه الأداء فی تنمیه هذا الوازع من خلال التربیه والتعلیم والإعلام وکل وسیله مشروعه ممکنه.

ولا یخفى أن إقامه الحراسه للأحکام وتنفیذها بهذا الوازع مصحوباً ذلک بالمؤیدات التی تحمل على الالتزام بتلک الأحکام وضوابطها، توفر ما توفر من المتاعب والنفقات، وتسهم أیما إسهام فیما ینشده المخلصون الواعون من قوه واستقرار، وبُعْدٍ عن التبعیه والاضطراب.

Leave A Reply

Your email address will not be published.