معنى التوحید فی کلام أمیر المؤمنین

0

فقال أمیر المؤمنین (علیه السلام) : ( دَعُوْه ، فإنّ الذی یریده الإعرابی هو الذی نریده من القوم) ! ثمّ قال : یا إعرابی ، إنّ القول فی إنّ الله واحد على أربعه أقسام : فوجهان منها لا یجوزان على الله عزّ وجلّ ، ووجهان یَثبتان فیه ، فأمّا اللذان لا یجوزان علیه فقول القائل : ( واحد ) ، یَقصد به باب الأعداد ، فهذا ما لا یجوز ؛ لأنّ ما لا ثانی له لا یدخل فی باب الأعداد ، أَمَا ترى أنّه کُفْر مَن قال : إنّه ثالث ثلاثه ؟ وقول القائل : ( هو واحد من الناس ) ، یرید به النوع من الجنس ، فهذا ما لا یجوز ؛ لأنّه تشبیه ، وجلّ ربّنا وتعالى عن ذلک .
وأمّا الوجهان اللذان یَثبتان فیه فقول القائل : ( هو واحد لیس له فی الأشیاء شبه ) ، کذلک ربّنا ، وقول القائل : ( إنّه عزّ وجل أحدیّ المعنى ، یعنی به أنّه لا ینقسم فی وجود ولا عقل ولا وَهْم ، کذلک ربّنا عزّ وجل ) .

أقول: ورواه أیضاً فی المعانی بسند آخر عن أبى المقدام بن شریح بن هانی عن أبیه عنه (علیه السلام).

وفی النهج :

( أَوَّلُ الدِّینِ مَعْرِفَتُهُ ، وَکَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِیقُ بِهِ ، وَکَمَالُ التَّصْدِیقِ بِهِ تَوْحِیدُهُ ، وَکَمَالُ تَوْحِیدِهِ الإِخْلاَصُ لَهُ ، وَکَمَالُ الإِخْلاَصِ لَهُ نَفْیُ الصِّفَاتِ عَنْهُ ؛ لِشَهَادَهِ کُلِّ صِفَهٍ أَنَّهَا غَیْرُ الْمَوْصُوفِ ، وَشَهَادَهِ کُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَیْرُ الصِّفَهِ ، فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ فَقَدْ قَرَنَهُ ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَیْهِ ، وَمَنْ أَشَارَ إِلَیْهِ فَقَدْ حَدَّهُ ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ ) ( الخطبه ) .

أقول :
وهو من أبدع البیان ، ومحصّل الشطر الأوّل من الکلام أنّ معرفته تنتهی فی استکمالها إلى نفی الصفات عنه ، ومحصّل الشطر الثانی المتفرّع على الشطر الأوّل ـ أعنی قوله (علیه السلام) : ( فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ فَقَدْ قَرَنَهُ … إلخ ) ـ أنّ إثبات الصفات یستلزم إثبات الوحده العددیه المتوقّفه على التحدید غیر الجائز علیه تعالى ، وتنتج المقدّمتان أنّ کمال معرفته تعالى یستوجب نفی الوحده العددیه منه ، وإثبات الوحده بمعنى آخر ، وهو مراده (علیه السلام) من سرد الکلام .

أمّا مسأله نفی الصفات عنه ، فقد بیّنه (علیه السلام) بقوله : ( أَوَّلُ الدِّینِ مَعْرِفَتُهُ ) ؛ لظهور أنّ مَن لم یعرف الله سبحانه ـ ولو بوجهٍ ـ لم یحلّ بعد فی ساحه الدین والمعرفه ، ربّما کانت مع عمل بما یرتبط به من الأفعال وترتّب آثار المعروف ، وربّما کانت من غیر عمل ، ومِن المعلوم أنّ العلم فیما یتعلّق نوع تعلّق بالأعمال إنّما یثبت ویستقرّ فی النفس إذا ترتّب علیه آثاره العملیه ، وإلاّ فلا یزال العلم یضعف بإتیان الأعمال المخالِفه حتى یبطل أو یصیر سُدىً لا أثر له ، ومِن کلامه (علیه السلام) فی هذا الباب ـ وقد رواه فی النهج ـ : ( الْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ ، فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ ، وَالْعِلْمُ یَهْتِفُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلاَّ ارْتَحَلَ عَنْهُ ) .

فالعلم والمعرفه بالشیء إنّما یکمل إذا أخذ العارف معروفه صِدْقاً ، وأظهر ذلک فی باطنه وظاهره ، وجِنانه وأرکانه بأنْ یخضع له روحاً وجسماً ، وهو الإیمان المنبسط على سِرّه وعلانیته ، وهو قوله : ( وَکَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِیقُ بِهِ ) .

ثمّ هذا الخضوع المسمّى بالتصدیق به وإنْ جاز تحقّقه مع إثبات الشریک للربّ المخضوع له کما یخضع عبده الأصنام لله ولسائر آلهتهم جمیعاً ، لکنّ الخضوع بشیء لا یتمّ من غیر انصراف عن غیره بالبداهه ، فالخضوع لواحد من الآلهه فی معنى الإعراض عن غیره والاستکبار فی الجمله عنه ، فلا یکمل التصدیق بالله والخضوع لمقامه إلاّ بالإعراض عن عباده الشرکاء ، والانصراف عن دعوه الآلهه الکثیره ، وهو قوله : ( وَکَمَالُ التَّصْدِیقِ بِهِ تَوْحِیدُهُ ) .

ثمّ إنّ للتوحید مراتب مختلفه بعضها فوق بعض ، ولا یکمل حتى یُعطَى الإله الواحد حقّه من الإلوهیه المنحصره ، ولا یقتصر على مجرّد تسمیته إلهاً واحداً ، بل یَنسب إلیه کلّ ما له نصیب من الوجود والکمال کالخلق والرزق والإحیاء والإماته والإعطاء والمنع ، وأنْ یخصّ الخضوع والعباده به ، فلا یُتذلّل لغیره بوجهٍ من الوجوه ، بل لا یُرجَى إلاّ رحمته ، ولا یُخاف إلاّ سخطه ، ولا یُطمع إلاّ فیما عنده ، ولا یُعکَف إلاّ على بابه .

وبعباره أُخرى : أنْ یخلص له عِلْماً وعملاً ، وهو قوله (علیه السلام) : ( وَکَمَالُ تَوْحِیدِهِ الإِخْلاَصُ لَهُ ) .

وإذا استوى الإنسان على أریکه الإخلاص ، وضمّتْه العنایه الإلهیّه إلى أولیاء الله المقرّبین ، لاحتْ على بصیرته لوائح العجز عن القیام بحقّ المعرفه ، وتوصیفه بما یلیق بساحه کبریائه وعظمته ، فإنّه ربّما شاهد أنّ الذی یصفه تعالى به معانٍ مدرکه ممّا بین یدیه من الأشیاء المصنوعه ، وأُمور ألِفَهَا من مشهوداته الممکنه ، وهى صور محدوده مقیّده یدفع بعضها بعضاً ، ولا تقبل الائتلاف والامتزاج ، انظر إلى مفاهیم الوجود والعلم والقدره والحیاه والرزق والعزه والغنى وغیره .

والمعانی المحدوده یدفع بعضها بعضاً ؛ لظهور کون کل مفهوم خلوّاً عن المفهوم الآخر کمعنى العلم عن معنى القدره ، فإنّا حینما نتصوّر العلم نصرف عن القدره فلا نجد معناها فی معنى العلم ، وإذا تصوّرنا معنى العلم ـ وهو وصف من الأوصاف ـ ننعزل عن معنى الذات وهو الموصوف .

فهذه المفاهیم والعلوم والإدراکات تقصر عن الانطباق علیه جلّ شأنه حقّ الانطباق ، وعن حکایه ما هو علیه حقّ الحکایه ، فتمسّ حاجه المخلص فی وصفه ربّه إلى أنْ یعترف بنقصٍ لا علاج له ، وعجزٍ لا جابر دونه ، فیعود فینفی ما أثبته ، ویَتِیْه فی حیره لا مخلص منها ، وهو قوله (علیه السلام): (وَکَمَالُ الإِخْلاَصِ لَهُ نَفْیُ الصِّفَاتِ عَنْهُ؛ لِشَهَادَهِ کُلِّ صِفَهٍ أَنَّهَا غَیْرُ الْمَوْصُوفِ، وَشَهَادَهِ کُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَیْرُ الصِّفَهِ).

وهذا الذی فسّرنا به هذا العقد من کلامه (علیه السلام) هو الذی یؤیّده أوّل الخطبه حیث یقول : ( الَّذِی لاَ یُدْرِکُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ ، وَلاَ یَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ ، الَّذِی لَیْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ ، وَلاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ ، وَلاَ وَقْتٌ مَعْدُودٌ ، وَلاَ أَجَلٌ مَمْدُودٌ ) على ما یظهر للمتأمّل الفطن .

وأمّا قوله (علیه السلام) : ( فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ فَقَدْ قَرَنَهُ … الخ ) ، فهو توصّل منه إلى المطلوب ـ وهو أنّ الله سبحانه لا حدّ له ولا عدّ ـ من طریق تحلیل إثبات الوصف ، کما کان البیان الأوّل توصّلاً منه من طریق تحلیل المعرفه إلى نفی الوصف .

فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ فَقَدْ قَرَنَهُ ؛ لِمَا عرفتَ من المغایره بین الموصوف والصفه ، والجمع بین المتغایرین قَرْنٌ ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ ؛ لأخْذه إیّاه موصوفاً وصفه وهما اثنان ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ إلى جزأین ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ بالإشاره إلیه إشاره عقلیه ، وَمَنْ أَشَارَ إِلَیْهِ فَقَدْ حَدَّهُ ؛ لکون الإشاره مستلزمه لانفصال المُشار إلیه عن المُشِیْر حتّى تتوسّط بینهما الإشاره التی هی إیجاد بعد ما بین المُشِیْر والمُشَار إلیه ـ یبتدئ من الأوّل وینتهی إلى الثانی ـ وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ وجعله واحداً عددیّاً ، لأنّ العدد لازم الانقسام والانعزال الوجودی ، تعالى الله عن ذلک .

وفی النهج : من خطبه له (علیه السلام) :

( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی لَمْ تَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حَالاً فَیَکُونَ أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ یَکُونَ آخِراً ، وَیَکُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ یَکُونَ بَاطِناً ، کُلُّ مُسَمًّى بِالْوَحْدَهِ غَیْرَهُ قَلِیلٌ ، وَکُلُّ عَزِیزٍ غَیْرَهُ ذَلِیلٌ ، وَکُلُّ قَوِیٍّ غَیْرَهُ ضَعِیفٌ ، وَکُلُّ مَالِکٍ غَیْرَهُ مَمْلُوکٌ ، وَکُلُّ عَالِمٍ غَیْرَهُ مُتَعَلِّمٌ ، وَکُلُّ قَادِرٍ غَیْرَهُ یَقْدِرُ وَیَعْجَزُ ، وَکُلُّ سَمِیعٍ غَیْرَهُ یَصَمُّ عَنْ لَطِیفِ الأَصْوَاتِ وَیُصِمُّهُ کَبِیرُهَا وَیَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا ، وَکُلُّ بَصِیرٍ غَیْرَهُ یَعْمَى عَنْ خَفِیِّ الأَلْوَانِ وَلَطِیفِ الأَجْسَامِ ، وَکُلُّ ظَاهِرٍ غَیْرَهُ بَاطِنٌ ، وَکُلُّ بَاطِنٍ غَیْرَهُ غَیْرُ ظَاهِرٍ ) .

أقول : بناء البیان على کونه تعالى غیر محدود وکون غیره محدوداً ، فإنّ هذه المعانی والنعوت وکل ما کان من قبیلها إذا طرا علیها الحدّ کانت لها إضافه ما إلى غیرها ، ویستوجب التحدّد حینئذ أنْ تنقطع وتزول عمّا أضیفتْ إلیه ، وتتبدّل إلى ما یقابلها من المعنى .

فالظهور إذا فُرض محدوداً کان بالنسبه إلى جهه أو إلى شیء دون جهه أخرى وشیء آخر ، وصار الأمر الظاهر باطناً خفیّاً بالنسبه إلى تلک الجهه الأخرى والشیء الأخر ، والعزّه إذا أخذتْ بحدٍّ بطلتْ فیما وراء حدّها فکانت ذلّه بالنسبه إلیه ، والقوّه إذا کانت مقیّده تبدّلتْ بالنسبه إلى ما وراء قیدها ضعفاً ، والظهور بطون فی غیر محلّه ، والبطون ظهور فی الخارج عن مستواه .

والملک إذا کان محدوداً کان مَن یحدّه مُهیمِناً على هذا المالک ، فهو وملْکه تحت ملک غیره ، والعلم إذا کان محدوداً لم یکن من صاحبه ؛ لأنّ الشیء لا یحدّ نفسه ، فکان بإفاضه الغیر وتعلیمه ، وهکذا .

والدلیل على أنّه (علیه السلام) بنى بیانه على معنى الحدّ قولُهُ : ( وَکُلُّ سَمِیعٍ غَیْرَهُ یَصَمُّ عَنْ لَطِیفِ الأَصْوَاتِ … الخ ) ، فإنّه وما بعده ظاهر فی الإشاره إلى محدودیّه المخلوقات ، والسیاق واحد .

وأمّا قوله (علیه السلام) : ( کُلُّ مُسَمًّى بِالْوَحْدَهِ غَیْرَهُ قَلِیلٌ ) ـ والجمله هی المقصوده من نقل الخطبه ـ فبناؤه على معنى الحدّ ظاهر ، فإنّ الوحده العددیه المتفرّعه على محدودیه المسمّى بالواحد لازمه تقسّم المعنى وتکثّره ، وکلّما زاد التقسّم والتکثّر أمعن الواحد فی القلّه والضعف بالنسبه إلى الکثره الحادثه ، فکلّ واحد عددی فهو قلیل بالنسبه إلى الکثیر الذی بإزائه ولو بالفرض .

وأمّا الواحد الذی لا حدّ لمعناه ولا نهایه له فلا یحتمل فرض الکثره ؛ لعدم احتماله طروّ الحدّ وعروض التمیّز ولا یشذّ عن وجوده شیء من معناه حتى یکثّره ویَقوى بضمّه ، ویقلّ ویضعف بعزله ، بل کلّما فُرض له ثان فی معناه فإذا هو هو .

وفی النهج : ومن خطبهٍ له (علیه السلام) :

( الْحَمْدُ لِلَّهِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ ، وَبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِیَّتِهِ ، وَبِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لاَ شَبَهَ لَهُ ، لاَ تَسْتَلِمُهُ الْمَشَاعِرُ ، وَلاَ تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ ؛ لافْتِرَاقِ الصَّانِعِ وَالْمَصْنُوعِ ، وَالْحَادِّ وَالْمَحْدُودِ ، وَالرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ ، الأَحَدِ بِلا تَأْوِیلِ عَدَدٍ ، وَالْخَالِقِ لاَ بِمَعْنَى حَرَکَهٍ وَنَصَبٍ ، وَالسَّمِیعِ لاَ بِأَدَاهٍ ، وَالْبَصِیرِ لاَ بِتَفْرِیقِ آلَهٍ ، وَالشَّاهِدِ لاَ بِمُمَاسَّهٍ ، وَالْبَائِنِ لاَ بِتَرَاخِی مَسَافَهٍ ، وَالظَّاهِرِ لا بِرُؤْیَهٍ ، وَالْبَاطِنِ لاَ بِلَطَافَهٍ ، بَانَ مِنَ الأَشْیَاءِ بِالْقَهْرِ لَهَا وَالْقُدْرَهِ عَلَیْهَا ، وَبَانَتِ الأَشْیَاءُ مِنْهُ بِالْخُضُوعِ لَهُ وَالرُّجُوعِ إِلَیْهِ ، مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ ) .

أقول : أوّل کلامه (علیه السلام) مبنی على أنّ جمیع المعانی والصفات المشهوده فی الممکنات أمور محدوده لا تتمّ إلاّ بحادٍّ یحدّها وصانع یصنعها ، وربّ یربّها ، وهو الله سبحانه ، وإذ کان الحدّ مِن صُنْعِهِ فهو متأخّر عنه غیر لازم له ، فقد تنزّهتْ ساحه کبریائه عن هذه الحدود .

وإذا کان کذلک کان ما یوصف به من الصفات غیر محدود بحدّ ـ وإنْ کان لفظنا قاصراً عنه ، والمعنى غیر وافٍ به ـ فهو تعالى أحد لا بتأویل عدد یقضى بالمحدودیه ، وعلى هذا النهج خلْقه وسمْعه وبصره وشهوده وغیر ذلک .

ومن فروع ذلک أنّ بینونته من خَلْقه لیس بمعنى الانفصال والانعزال ، تعالى عن الاتصال والانفصال والحلول والانعزال ، بل بمعنى قَهْره لها وقدرته علیها ، وخضوعهم له ورجوعهم إلیه .

وقوله (علیه السلام) : ( مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ ) فرع على إثبات الوحده العددیه إبطال الأزل ؛ لأنّ حقیقه الأزل کونه تعالى غیر متناهٍ فی ذاته وصفاته ، ولا محدود ، فإذا اعتبر من حیث إنّه غیر مسبوق بشیء یتقدّم علیه کان هو أزله ، وإذا اعتبر من حیث إنّه غیر ملحوق بشیء یتأخّر عنه کان هو أَبَده ، وربّما اعتبر من الجانبَین فکان دوام .

وأمّا ما یظهر من عدّه من الباحثین أنّ معنى کونه تعالى أزلیّاً أنّه سابق متقدّم على خَلْقه المحدِث تقدّماً فی أزمنه غیر متناهیه لا خبر فیها عن الخلق ولا أثر منهم ، فهو من أشنع الخطأ ، وأین الزمان الذی هو مقدار حرکه المتحرّکات والمشارکه معه تعالى فی أزله ؟!

وفی النهج : ومِن خطبهٍ له (علیه السلام) :

 ( الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ الْعِبَادِ ، وَسَاطِحِ الْمِهَادِ ، وَمُسِیلِ الْوِهَادِ ، وَمُخْصِبِ النِّجَادِ ، لَیْسَ لأَوَّلِیَّتِهِ ابْتِدَاءٌ ، وَلا لأَزَلِیَّتِهِ انْقِضَاءٌ ، هُوَ الأَوَّلُ وَلَمْ یَزَلْ ، وَالْبَاقِی بِلا أَجَلٍ ، خَرَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ ، وَوَحَّدَتْهُ الشِّفَاهُ ، حَدَّ الأَشْیَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَهً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا ، لاَ تُقَدِّرُهُ الأَوْهَامُ بِالْحُدُودِ وَالْحَرَکَاتِ ، وَلاَ بِالْجَوَارِحِ وَالأَدَوَاتِ ، لاَ یُقَالُ لَهُ مَتَى ، وَلاَ یُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ بِحَتَّى ، الظَّاهِرُ لاَ یُقَالُ : مِمَّ ؟ وَالْبَاطِنُ لاَ یُقَالُ : فِیمَ ؟ لاَ شَبَحٌ فَیُتَقَصَّى ، وَلاَ مَحْجُوبٌ فَیُحْوَى ، لَمْ یَقْرُبْ مِنَ الأَشْیَاءِ بِالْتِصَاقٍ ، وَلَمْ یَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقٍ ، وَلاَ یَخْفَى عَلَیْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَهٍ ، وَلاَ کُرُورُ لَفْظَهٍ ، وَلاَ ازْدِلاَفُ رَبْوَهٍ ، وَلا انْبِسَاطُ خُطْوَهٍ ، فِی لَیْلٍ دَاجٍ ، وَلاَ غَسَقٍ سَاجٍ ، یَتَفَیَّأُ عَلَیْهِ الْقَمَرُ الْمُنِیرُ ، وَتَعْقُبُهُ الشَّمْسُ ذَاتُ النُّورِ فِی الأُفُولِ وَالْکُرُورِ ، وَتَقَلُّبِ الأَزْمِنَهِ وَالدُّهُورِ ، مِنْ إِقْبَالِ لَیْلٍ مُقْبِلٍ ، وَإِدْبَارِ نَهَارٍ مُدْبِرٍ ، قَبْلَ کُلِّ غَایَهٍ وَمُدَّهِ ، وَکُلِّ إِحْصَاءٍ وَعِدَّهٍ ، تَعَالَى عَمَّا یَنْحَلُهُ الْمُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الأَقْدَارِ ، وَنِهَایَاتِ الأَقْطَارِ ، وَتَأَثُّلِ الْمَسَاکِنِ ، وَتَمَکُّنِ الأَمَاکِنِ ، فَالْحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ وَإِلَى غَیْرِهِ مَنْسُوبٌ ، لَمْ یَخْلُقِ الأَشْیَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِیَّهٍ ، وَلاَ مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِیَّهٍ ، بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ ، وَصَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُوْرَتَهُ ) .

وفی النهج : من خطبه له (علیه السلام) :

( مَا وَحَّدَهُ مَنْ کَیَّفَهُ ، وَلاَ حَقِیقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ ، وَلا إِیَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ ، وَلاَ صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَیْهِ ، وَتَوَهَّمَهُ کُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ ، وَکُلُّ قَائِمٍ فِی سِوَاهُ مَعْلُولٌ ، فَاعِلٌ لاَ بِاضْطِرَابِ آلَهٍ ، مُقَدِّرٌ لاَ بِجَوْلِ فِکْرَهٍ ، غَنِیٌّ لاَ بِاسْتِفَادَهٍ ، لاَ تَصْحَبُهُ الأَوْقَاتُ ، وَلاَ تَرْفِدُهُ الأَدَوَاتُ ، سَبَقَ الأَوْقَاتَ کَوْنُهُ ، وَالْعَدَمَ وُجُودُهُ ، وَالابْتِدَاءَ أَزَلُهُ ، بِتَشْعِیرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لاَ مَشْعَرَ لَهُ ، وَبِمُضَادَّتِهِ بَیْنَ الأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لاَ ضِدَّ لَهُ ، وَبِمُقَارَنَتِهِ بَیْنَ الأَشْیَاءِ عُرِفَ أَنْ لاَ قَرِینَ لَهُ ، ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَهِ ، وَالْوُضُوحَ بِالْبُهْمَهِ ، وَالْجُمُودَ بِالْبَلَلِ ، وَالْحَرُورَ بِالصَّرَدِ ، مُؤَلِّفٌ بَیْنَ مُتَعَادِیَاتِهَا ، مُقَارِنٌ بَیْنَ مُتَبَایِنَاتِهَا ، مُقَرِّبٌ بَیْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا ، مُفَرِّقٌ بَیْنَ مُتَدَانِیَاتِهَا ، لاَ یُشْمَلُ بِحَدٍّ ، وَلاَ یُحْسَبُ بِعَدٍّ ، وَإِنَّمَا تَحُدُّ الأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا ، وَتُشِیرُ الآلاَتُ إِلَى نَظَائِرِهَا ، مَنَعَتْهَا (مُنْذُ) الْقِدْمَهَ ، وَحَمَتْهَا (قَدُ) الأَزَلِیَّهَ ، وَجَنَّبَتْهَا (لَوْلاَ) التَّکْمِلَهَ ، بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ ، وَبِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُیُونِ ، ولاَ یَجْرِی عَلَیْهِ السُّکُونُ وَالْحَرَکَهُ ، وَکَیْفَ یَجْرِی عَلَیْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ ؟ وَیَعُودُ فِیهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ ؟ وَیَحْدُثُ فِیهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ ؟ إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ ، وَلَتَجَزَّأَ کُنْهُهُ ، وَلاَمْتَنَعَ مِنَ الأَزَلِ مَعْنَاهُ ، وَلَکَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ ، وَلالْتَمَسَ التَّمَامَ إِذْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ ، وَإِذاً لَقَامَتْ آیَهُ الْمَصْنُوعِ فِیهِ ، وَلَتَحَوَّلَ دَلِیلاً بَعْدَ أَنْ کَانَ مَدْلُولاً عَلَیْهِ ) .

أقول :

أوّل کلامه (علیه السلام) مسوق لبیان امتناع ذاته المقدّسه عن الحد ، ولزمه فی جمیع ما عداه ، وقد تقدّم توضیحه الإجمالی فیما تقدّم .

وقوله : ( لاَ یُشْمَلُ بِحَدٍّ ، وَلاَ یُحْسَبُ بِعَدٍّ ) کالنتیجه لما تقدّمه من البیان ، وقوله : ( وَإِنَّمَا تَحُدُّ الأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا ، وَتُشِیرُ الآلاَتُ إِلَى نَظَائِرِهَا ) بمنزله بیان آخر لقوله : ( لاَ یُشْمَلُ بِحَدٍّ … إلخ ) ، فإنّ البیان السابق إنّما سِیْق من مسلک أنّ هذه الحدود المستقرّه فی المصنوعات ، مجعوله للذات المتعالیه ، متأخّره عنها تأخّر الفعل عن فاعله ، فلا یمکن أنْ تتقیّد بها الذات إذ کان ذات ولا فعل .

وأمّا ما فی قوله : ( وَإِنَّمَا تَحُدُّ … إلخ ) من البیان ، فهو مسوق من طریق آخر ، وهو أنّ التقدیر والتحدید الذی هو شأن هذه الأدوات والحدود إنّما هو بالمسانخه النوعیه ، کما أنّ المثقال الذی هو واحد الوزن مثلاً توزن به الأثقال دون الألوان والأصوات مثلاً ، والزمان الذی هو مقدار الحرکه إنّما تُحدّ به الحرکات ، والإنسان مثلاً إنّما یقدّر بما له من الوزن الاجتماعی المتوسّط مثلاً مَن یماثله فی الإنسانیّه ، وبالجمله کل حدّ مِن هذه الحدود یُعطی لمحدوده شبیه معناه ، وکلّ صفه إمکانیه ـ کائنه ما کانت ـ مبنیه على قدر وحدّ ، وملزومه لأمدٍ ونهایه ، وکیف یمکن أنْ یُحمل معناها المحدود على ذات أزلیّه أبدیّه غیر متناهیه ؟

فهذا هو مراده (علیه السلام) ؛ ولذلک أردفه بقوله : ( مَنَعَتْهَا (مُنْذُ) الْقِدْمَهَ … إلخ ) ، أی صدق کلمه (مُنْذُ) وکلمه (قَدُ) الدالّتین على الحدوث الزمانی ، على الأشیاء منعتْها وحمتْها أنْ تتّصف بالقِدْمَه ، وکذلک صدق کلمه (لَوْلاَ) فی الأشیاء ، وهى تدلّ على النقص ، واقتران المانع جنّبتها وبعّدتها أنْ تکون کامله مِن کل وجه .

وقوله : ( بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ ، وَبِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُیُونِ ) الضمیران للأشیاء ، أی إنّ الأشیاء بما هی آیات له تعالى والآیه لا ترى إلاّ ذا الآیه فهی کالمرائی لا تجلی إلاّ إیّاه تعالى ، فهو بها تجلّى للعقول وبها أیضاً امتنع عن نظر العیون ؛ إذ لا طریق إلى النظر إلیه تعالى إلاّ هذه الآیات وهى محدوده لا تَنال إلاّ مثلها ، لا ربّها المحیط بکل شیء .

وهذا المعنى بعینه هو الموجب لامتناعه عن نظر العیون فإنها آلات مرکبه مبنیه على الحدود لا تعمل إلا فی المحدود ، وجلت ساحه رب العزه عن الحد .

وقوله (علیه السلام) : ( لاَ یَجْرِی عَلَیْهِ السُّکُونُ وَالْحَرَکَهُ … إلخ ) ، بمنزله العَوْد إلى أوّل الکلام ببیان آخر یبیّن به أنّ هذه الأفعال والحوادث التی هی تنتهی إلى الحرکه والسکون لا تجرى علیه ، ولا تعود فیه ولا تحدث ، فإنّها آثاره التی تترتّب على تأثیره فی غیره ، ومعنى تأثیر المؤثّر توجیهه أثره المتفرّع على نفسه إلى غیره ، ولا معنى لتأثیر الشیء فی نفسه إلاّ بنوعٍ من التجزّی والترکیب العارِض لذاته ، کالإنسان مثلاً یدبر بنفسه بَدَنَه ، ویضرب بیده على رأسه ، والطبیب یداوى بطبّه مرضه ، فکلّ ذلک إنّما یصحّ لاختلاف فی الأجزاء أو الحیثیّات ، ولولا ذلک لامتنع وقوع التأثیر .

فالقوّه الباصره مثلاً لا تُبْصِر نفسَها ، والنار لا تحرق ذاتها ، وهکذا جمیع الفواعل لا تفعل إلاّ فی غیرها ، إلاّ مع الترکیب والتجزئه کما عرفتَ ، وهذا معنى قوله : ( إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ ، وَلَتَجَزَّأَ کُنْهُهُ ، وَلاَمْتَنَعَ مِنَ الأَزَلِ مَعْنَاهُ … إلخ ) .

وقوله (علیه السلام) : ( وَإِذاً لَقَامَتْ آیَهُ الْمَصْنُوعِ فِیهِ ، وَلَتَحَوَّلَ دَلِیلاً بَعْدَ أَنْ کَانَ مَدْلُولاً عَلَیْهِ ) ، أی إذا لَزمه النقص من تطرّق هذه الحدود والأقدار علیه ، والنقص من علائم المصنوعیه وأمارات الإمکان کان ـ تعالى وتقدس ـ مقارِناً لِمَا یدلّ على کونه مصنوعاً وکان نفسه کسائر المصنوعات دلیلاً على موجود آخر أزلی کامل الوجود غیر محدود الذات ، هو الإله المنزّه عن کلّ نقص مفروض ، المتعالی عن أنْ تناله أیدی الحدود والأقدار .

واعلم أنّ ما یدلّ علیه قوله ـ من کون الدلاله هی من شؤون المصنوع الممکن ـ لا ینافى ما یُستفاد من سائر کلامه وکلام سائر أئمّه أهل البیت علیهم السلام : أنّه تعالى معلوم بنفس ذاته ، وغیره معلوم به ، وأنّه دالّ على ذاته ، وهو الدلیل على مخلوقاته ، فإنّ العلم غیر العلم والدلاله غیر الدلاله ، وأرجو أنْ یوفّقنی الله تعالى لإیضاحه وبَسْط الکلام فیه فی بعض ما یرتبط به من الأبحاث الآتیه، إنْ شاء الله العزیز.

وفی التوحید بإسناده عن أبى عبد الله (علیه السلام) قال : بینا أمیر المؤمنین (علیه السلام) یخطب على منبر الکوفه إذ قام إلیه رجل یُقال له ( ذعلب ) ذَرِب اللسان ، بلیغ فی الخطاب ، شجاع القلب فقال : یا أمیر المؤمنین ، هل رأیتَ رَبّک ؟

فقال : ( ویلک یا ذعلب ، لم أکن لأعْبُدَ رَبّاً لم أَرَه !

فقال : یا أمیر المؤمنین کیف رأیتَه ؟

قال : یا ذعلب ، لم تَرَه العیون بمشاهده الأبصار ، ولکنْ رأتْهُ القلوبُ بحقائق الإیمان ، ویلک یا ذعلب ، إنّ ربّی لطیفُ اللطافه فلا یُوصَفُ باللطفِ ، عظیمُ العظمهِ لا یُوصَف بالعظم ، کبیرُ الکبریاءِ لا یُوصَف بالکبر ، جلیلُ الجلالهِ لا یُوصَف بالغلظ ، قَبْل کل شیء لا یُقال شیء قَبْله ، وبعد کل شیء لا یُقال له بعد ، شاء الأشیاء لا بهمّه ، درّاک لا بخدیعه ، هو فی الأشیاء غیر متمازج بها ولا بائن عنها ، ظاهر لا بتأویل المباشره ، متجلّ لا باستهلال رؤیه ، بائن لا بمسافه ، قریب لا بمداناه ، لطیف لا بتجسّم ، موجود لا بَعْدَ عَدَم ، فاعل لا باضطرار ، مقدّر لا بحرکه ، مرید لا بهمامه ، سمیع لا بآله ، بصیر لا بأداه ، لا تحویه الأماکنُ ، ولا تَصحبه الأوقات ، ولا تحدّهُ الصفاتُ ، ولا تأخذُهُ السِنَات ، سبق الأوقات کونُه ، والعدمَ وجودُه ، والابتداءَ أزلُه ، بتشعیره المشاعر عُرف أنْ لا مشعرَ له ، وبتجهیره الجواهرَ عُرف أنْ لا جوهرَ له ، وبمضادّته بین الأشیاء عُرف أنْ لا ضِدّ له ، وبمقارنتِهِ بین الأشیاء عُرفَ أنْ لا قرینَ له ، ضادُّ النور بالظلمه ، والجسوء بالبَلَل ، والصَّرَدِ بالْحَرُورَ ، مؤلّف بین متعادیاتها ، مفرّق بین متدانیاتها ، دالّه بتفریقها على مُفرّقها ، وبتألیفها على مؤلّفها ، وذلک قوله عزّ وجلّ : ( وَمِنْ کُلِّ شَیْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَیْنِ لَعَلَّکُمْ تَذَکَّرُونَ ) ، ففرّقَ بها بین قبل وبعد ؛ لیُعلَم أنْ لا قبل له ولا بعد ، شاهدهٌ بغرائزها أنْ لا غریزه لمغرِزها ، مخبرهٌ بتوقیتها أنْ لا وقت لموقّتها ، حَجَبَ بعضَها عن بعض ؛ لیُعلمَ أنْ لا حِجَابَ بینه وبین خَلْقهِ غیر خلقه ، کان رَبّاً ولا مربوب ، وإلهاً إذ لا مَأْلُوه ، وعالِمَاً إذ لا معلوم ، وسمیعاً إذ لا مسموع .

ثمّ أنشأ یقول :

ولَمْ یزلْ سیدی بالحمْدِ iiمعروفاً      ولَمْ  یَزَلْ سیدی بِالجُوْدِ iiمَوْصُوفَاً

وَکَـانَ إِذْ لَیْسَ نُوْرٌ یُسْتَضَاءُ iiبِهِ      وَلاَ ظَـلاَمٌ عَـلَى الآفاقِ iiمَعْکُوفَاً

فَـرَبُّنَا بِـخَلاَفِ الـخَلْقِ کُـلِّهِم      وکُلُّ مَا کَانَ فِی الأوْهَامِ مَوْصُوْفَاً

الأبیات .

أقول :

وکلامه (علیه السلام) ـ کما ترى ـ مسوق لبیان معنى أَحَدِیّه الذات فی جمیع ما یصدُق علیه ویرجع إلیه ، وأنّه تعالى غیر متناهی الذات ولا محدودها ، فلا یقابل ذاته وإلاّ لهدّده بالتحدید وقَهَرَه بالتقدیر ، فهو المحیط بکل شیء ، المهیمن على کلّ أمر ، ولا یلحقه صفه تمتاز ذاته ، فإنّ فی ذلک بطلان أزلیّته وعدم محدودیّهٍ .

وأنّ صفته تعالى الکمالیه غیر محدوده بحدّ یدفع الغَیْر أو یدفعه الغیر ، کما أنّ العلم فینا غیر القدره ؛ لِمَا بینهما من المدافعه مفهوماً ومصداقاً ، ولا تَدَافُعَ بینهما فیه تعالى ، بل الصفه عین الصفه وعین کل صفه من صفاته العلیا ، والاسم عین کل اسم من أسمائه الحسنى .

بل إنّ هنا لک ما هو ألطف معنى وأبعد غَوراً من ذلک ، وهو أنّ هذه المعانی والمفاهیم للعقل بمنزله الموازین والمکائیل یُوزَن ویُکتال بها الوجود الخارجی والکون الواقعی ، فهی حدود محدوده لا تنعزل عن هذا الشأن وإنْ ضممنا بعضها إلى بعض ، واستمددنا من أحدها للآخر ، لا یُغترَف بأوعیتها إلاّ ما یقاربها فی الحدّ ، فإذا فرضنا أمراً غیر محدود ثمّ قصدناه بهذه المقاییس المحدوده لم نَنَلْ منه إلاّ المحدود وهو غیره ، وکلّما زدنا فی الإمعان فی نَیْلِهِ زاد تعالیاً وابتعاداً .

فمفهوم العلم مثلاً هو معنىً أخذناه مِن وصْف محدود فی الخارج نعدّه کمالاً لِمَا یوجد له ، وفى هذا المفهوم من التحدید ما یمنعه أنْ یشمل القدره والحیاه مثلاً ، فإذا أطلقناه علیه تعالى ثمّ عدلنا محدودیّته بالتقیید فی نحو قولنا : عِلْم لا کالعلوم ، فهب أنّه یخلص من بعض التحدید ، لکنّه بعد مفهوم لا ینعزل عن شأنه وهو عدم شموله ما وراءه ( ولکل مفهوم وراء یقصر عن شموله ) وإضافه مفهوم إلى مفهوم آخر لا یؤدّی إلى بطلان خاصّه المفهومیّه ، وهو ظاهر .

وهذا هو الذی یحیّر الإنسان اللبیب فی توصیفه تعالى بما یثبته له لبّه وعقله ، وهو المستفاد من قوله (علیه السلام) : ( لا تحدّه الصفات ) ، ومن قوله فیما تقدّم من خطبته المنقوله : ( وکمالُ الإخلاصِ لَه نَفْی الصِفَات عَنْه ) ، وقوله أیضاً فی تلک الخطبه : ( الذی لیس لصفته حدّ ٌمحدود ، ولا نَعْتٌ موجود ) ، وأنت ترى أنّه (علیه السلام) یثبت الصفه فی عین أنّه ینفیها ، أو ینفی حدّها ، ومن المعلوم أنّ إثباتها هی لا تنفکّ عن الحدّ ، فنفی الحدّ عنها إسقاط لها بعد إقامتها ، ویؤول إلى أنّ إثبات شیء من صفات الکمال فیه لا ینفى ما وراءها فَتَتَّحِد الصفات بعضها مع بعض ثمّ تَتَّحِد مع الذات ولا حَدّ ، ثمّ لا ینفى ما وراءها ممّا لا مفهوم لنا نحکی عنه ، ولا إدراک لنا یتعلّق به ، فافهم ذلک .

ولولا أنّ المفاهیم تسقط عند الإشراف على ساحه عظمته وکبریائه بالمعنى الذی تقدّم ، لأمکن للعقل أنْ یحیط به بما عنده من المفاهیم العامّه المبهمه کوصفه بأنّه ذات لا کالذوات ، وله علم لا کالعلوم ، وقدره لا کقدره غیره ، وحیاه لا کسائر أقسام الحیاه ، فإنّ هذا النحو من الوصف لا یدع شیئاً إلاّ أحصاه وأحاطه به إجمالاً ، فهل یمکن أنْ یحیط به سبحانه شیءٌ ؟ أو أنّ الممنوع هو الإحاطه به تفصیلاً ، وأمّا الإحاطه الإجمالیه فلا بأس بها ؟ وقد قال تعالى: ( … وَلاَ یُحِیطُونَ بِهِ عِلْماً ) . ( سوره طه : الآیه : ۱۱۰ )

وقال : ( … أَلاَ إِنَّهُ بِکُلِّ شَیْءٍ مُحِیطٌ ) . ( سوره حم السجده : الآیه : ۵۴ )

والله سبحانه لا یحیط به شیء من جهه من الجهات بنحو من أنحاء الإحاطه ، ولا یقبل ذاته المقدّسه إجمالاً وتفصیلاً حتى یتبعّض فیکون لإجماله حکم ولتفصیله حکم آخر ، فافهم ذلک .

وفی الاحتجاج عنه (علیه السلام) فی خطبهٍ :

( دلیلُهُ آیاتُه ، ووجودُهُ إثباتُهُ ، ومعرفتُهُ توحیدُهُ ، وتوحیدُهُ تمییزُهُ مِن خَلْقه ، وحکم التمییز بینونهُ صفهٍ لا بینونه عزْلهٍ ، إنّه ربّ خالق غیر مربوب مخلوق ، ما تُصوِّر فهو بخلافه ـ ثمّ قال (علیه السلام) : ـ لیس بإله من عرّف بنفسه ، هو الدّال بالدلیل علیه ، والمؤدّى بالمعرفه إلیه ) .

أقول :

التأمّل فیما تقدّم یوضّح أنّ الخطبه مسوقه لبیان کون وحدته تعالى وحده غیر عددیّه لصراحته فی أنّ معرفتَه تعالى عَیْنُ توحیده ، أی إثبات وجوده عین إثبات وحْدته ، ولو کانت هذه الوحده عددیه لکانت غیر الذات ، فکانت الذات فی نفسها لا تفی بالوحده إلاّ بموجب من خارج عن جهه ثبوت الذات .

وهذا من عجیب المنطق وأبلغ البیان فی باب التوحید الذی یحتاج شرحه إلى مجال وسیع لا یسعه طراز البحث هنا ، ومن ألطف المقاصد الموضوعه فیه قوله (علیه السلام) : ( وجوده إثباته ) ، یرید به أنّ البرهان علیه نفس وجوده الخارجی ، أی إنّه لا یدخل الذهن ، ولا یسعه العقل .

قوله : ( ما تُصوِّر فهو بخلافه ) لیس المراد به أنّه غیر الصوره الذهنیه ، فإنّ جمیع الأشیاء الخارجیه على هذا النعت ، بل المراد أنّه تعالى بخلاف ما یکشف عنه التصوّر الذهنی أیّاً ما کان ، فلا یحیط به صوره ذهنیه ، ولا ینبغی لک أنْ تغفل عن أنّه أَنْزَه ساحهٍ حتى مِن هذا التصوّر أعنى تصوّر أنّه بخلاف کلّ تصوّر .

وقوله : ( لیس بإله مَن عرّف بنفسه ) ، مسوق لبیان جلالته تعالى عن أنْ یتعلّق به معرفه ، وقهره کل فَهْم وإدراک ، فإنّ کل مَن یتعلّق بنفسه معرفتنا ، هو فی نفسه غیر نفسنا ومعرفتنا ، ثمّ یتعلّق به معرفتُنا ، لکنّه تعالى محیط بنا وبمعرفتنا ، قیّم على ذلک ، فلا معصم تعتصم به أنفسنا ولا معرفتنا عن إحاطه ذاته وشمول سلطانه حتى یتعلّق به تعلّق منعزل بمنعزل .

وبین (علیه السلام) ذلک بقوله : ( هو الدّال بالدلیل علیه ، والمؤدّى بالمعرفه إلیه ) ، أی إنّه تعالى هو الدلیل یدلّ الدلیل على أنْ یدلّ علیه ، ویؤدّی المعرفه إلى أنْ یتعلّق به تعالى نوع تعلّق لمکان إحاطته تعالى وسلطانه على کل شیء ، فکیف یمکن لشیء أنْ یهتدی إلى ذاته لیحیط به وهو محیط به وباهتدائه .

وفی المعانی بإسناده عن عمر بن على عن على (علیه السلام) قال : قال رسول الله (صلّى الله علیه وآله) : ( التوحیدُ ظاهرُهُ فِی باطِنِهِ ، وباطنُهُ فِی ظاهِرِهِ ، ظاهرُهُ موصوفٌ لا یُرَى ، وباطِنُهُ موجودٌ لا یَخفى ، یُطْلَبُ بکلّ مکان ، ولم یَخْلُ عنه مکان طرفه عین ، حاضر غیر محدود ، وغائبٌ غیر مفقود ) .

أقول :

کلامه  (صلّى الله علیه وآله) مسوق لبیان وحدته تعالى غیر العددیّه المبنیّه على کونه تعالى غیر محدود بحدٍّ ، فإنّ عدم المحدودیه هو الموجِب لعدم انعزال ظاهر توحیده وتوصیفه تعالى عن باطنه ، وباطنه عن ظاهره ، فإنّ الظاهر والباطن إنّما یتفاوتان وینعزل کل منهما عن الآخر بالحدّ ، فإذا ارتفع الحدّ اختلطا واتّحدا .

وکذلک الظاهر الموصوف إنّما یُحاط به ، والباطن الموجود إنّما یخفى ویتحجّب إذا تحدّدا فلم یتجاوز کلٌ منهما حدَّه المضروب له ، وکذلک الحاضر إنّما یکون محدوداً مجموعاً وجوده عند مَن حضر عنده ، والغائب یکون مفقوداً لمکان المحدودیه ، ولولا ذلک لم یجتمع الحاضر بتمام وجوده عند مَن حضر عنده ، ولم یستر الغائب حجاب الغیبه ولا ساتر دونه عمّن غاب عنه ، وهو ظاهر .

Leave A Reply

Your email address will not be published.