إِشکال على برهان النَّظم

0

 
إِعترض الفیلسوف الإِنکلیزی دیفید هیوم(۱) على برهان النَّظم بما حاصله أنَّ أساس برهان النَّظم کما توهمه هیوم وفلاسفه الغرب قائم على أنَّنا شاهدنا أنَّ جمیع المصنوعات البشریه المنظَّمه لا تخلو من صانع ماهر، فالبیت لا ینشأ بلا بنّاء، والسفینه لا توجد بلا عمال، فلا بدَّ للکون المنظّم من صانع خالق أیضاً لشباهته بتلک المصنوعات البشریه.
ثم انتقد هذا الإِستدلال بأَنَّه مبنی على التَّشابه بین الکائنات الطبیعیه، والمصنوعات البشریه. ولکن هذا التشابه بمجرده لا یکفی لسحب وتعدیه حکم أَحدهما إلى الآخر لاختلافهما، فإِنَّ مصنوعات البشر موجود صناعی بینما الکون موجود طبیعی فهما صنفان لا تناسخ بینهما، فکیف یمکن أَنْ نستکشف من أَحدهما حکم الآخر؟
وصحیح أنَّنا جرَّبنا مصنوعات البشر فوجدناها لا توجد إِلا بصانع عاقل، ولکننا لم نجرّب ذلک فی الکون، فإِنَّ الکون لم یتکرر وجوده حتى یقف الإِنسان على کیفیه خلقه وإِیجاده، بل واجهه لأول مره، وبهذا لا یمکن أَنْ یثبت له علّه خالقه على غرار مصنوعات البشر إِلا إِذا جرّبه من قبل عشرات المرات، وشهد عملیه الخلق والتکوّن کما شاهد ذلک وجرَّبه فی المصنوعات البشریه، حتى یقف على أَنَّ الکون بما فیه من النّظام لا یمکن أَنْ یوجد من دون خالق علیم وصانع خبیر. هذا هو محصل إِشکاله أَوردناه بغایه الوضوح.
برهان النَّظم مرکَّب من مقدمتین، إِحداهما حسّیه والأَخرى عقلیَّه ودور الحسّ ینحصر فى إِثبات الموضوع، أَیْ وجود النظام فی الکون والسنن السائده علیه، وأَمَّا دور العقل فهو یرجع إلى أَنَّ هذا النّظام بالکیفیَّه والکمیَّه المحدده، لا یمکن أنْ یکون نتیجه الصّدفه أَو أَیِّ عامل فاقد للشعور.
إِنَّ ماذکره من الإِشکال ینم عن فهم ساذج وسطحی للغایه لبرهان النَّظم، ویعرب عن فقدان الغرب لمدرسه فلسفیه متکامله تدرک وتستوعب برهان النَّظم بصورته الصحیحه، فإِنَّ هذا البرهان لا یرتبط أَبداً بالتشابه والتمثیل والتجربه، وإِنَّما هو برهان عقلی تام، یحکم العقل فیه بعد ملاحظه طبیعه النظام وماهیته بأَنَّه صادر من فاعل عاقل وخالق قدیر.
توضیح ما ذکرناه :أَنَّ برهان النَّظم لیس مبنیاً على التشابه بین مصنوعات البشر والموجود الطبیعی کما جاءَ فی اعتراض «هیوم»، حتى یقال بالفرق بین الصنفین، ویقال هذا صناعی وذاک طبیعی ولا یمکن إِسراء حکم الأَول إلى الثانی.
ولا على التماثل "الذی هو المِلاک فی التجربه" حتى یقال إِنَّا جربنا ذلک فی المصنوعات البشریه ولم نجرّبه فی الکون لعدم تکرر وقوعه وعدم وقوفنا على تواجده مراراً، فلا یصح سحب حکم الأَول على الثانی وتعدیته إلیه.
وإِنَّما هو قائم على ملاحظه العقل للنَّظم والتناسق والإِنضباط بین أَجزاء الوجود، فیحکم بما هو هو، من دون دخاله لأَیه تجربه ومشابهه، بأَنَّ موجد النَّظم لا محاله یکون موجوداً ذا عقل وشعور، وإلیک البیان:
إِنَّ برهان النَّظم مرکَّب من مقدمتین، إِحداهما حسّیه والأَخرى عقلیَّه ودور الحسّ ینحصر فى إِثبات الموضوع، أَیْ وجود النظام فی الکون والسنن السائده علیه، وأَمَّا دور العقل فهو یرجع إلى أَنَّ هذا النّظام بالکیفیَّه والکمیَّه المحدده، لا یمکن أنْ یکون نتیجه الصّدفه أَو أَیِّ عامل فاقد للشعور.
أَمّا الصغرى، فلا تحتاج إلى البیان. فإِنَّ جمیع العلوم الطبیعیَّه متکفله ببیان النُّظُم البدیعه السائده على العالم من الذره إلى المجره، وإِنَّما المهم هو بیان الکبرى، وهی قضاء العقل بأَنه ولید دخاله عقل کبیر فی حدوثه من دون استعانه فی حکمه بمسأله التشابه أَو التجربه. بل یستقل به مجرداً عن کل ذلک فنقول:
۱- الإِرتباط المنطقی بین النظام ودخاله الشعور
إِنَّ العقل یحکم بوجود رابطه منطقیه بین النظم ودخاله الشعور، وذلک لأَنَّ النظم لیس فی الحقیقه إِلاّ أُمور ثلاثه:
أ – الترابط بین أَجزاء متنوعه مختلفه من حیث الکمیه والکیفیه.
ب – ترتیبها وتنسیقها بنحو یمکن التعاون والتفاعل فیما بینها.
ج – الهادفیه إلى غایه مطلوبه ومتوخاه من ذلک الجهاز المنظم.
والنظام بهذا المعنى موجود فی کل أَجزاء الکون من ذرته إلى مجرته، فإذا نظر العقل فی کل جوانب الکون ابتداءً من الذره ومروراً بالإِنسان والحیوان والنبات وانتهاءً بالنجوم والکواکب والمجرّات ورأى فیها أجزاءً مختلفه فی الکمیه والکیفیه أَولا، ومنسقه ومرتبه بنحو خاص ثانیاً، ورأى کیف یتحقق بذلک الهدف المنشود من وجودها ثالثاً، حکم من فوره بأَنَّ ذلک لا یمکن أَنْ یصدر إِلاّ من فاعل عاقل، وخالق هادف شاعر، یوجد الأجزاء المختلفه کمّاً وکیفاً، ویرتبها وینسّقها بحیث یمکن أَنْ تتفاعل فیما بینها وتتعاون لتحقیق الهدف المطلوب من وجودها.
وهذا الحکم الذی یصدره العقل لا یستند إلى شیء غیر النظر إلى ماهیه النظام وطبیعه الآبیه للتحقق بلا فاعل عاقل مدبر. وهو لا یستند لا إلى التشابه ولا إلى التجربه کما تخیل (هیوم) وأَضرابه.
إِنَّ ملاحظه العقل لما فی جهاز العین أَو الأذن أَو المخ أَو القلب أو الخلیه من النظام، بمعنى وجود أَجزاء مختلفه کمّاً وکیفاً، أولا، وتناسقها بشکل یمکنها من التفاعل فیما بینها ثانیاً، وتحقیق الهدف الخاص منها ثالثاً، یدفع العقل إلى الحکم بأنها من فعل خالق علیم، لاحتیاجها إلى دخاله شعور وعقل وهادفیه وقصد.
وبهذا تبین أَنَّ بین الجهاز المنظّم، ودخاله العقل والشعور رابطه منطقیه. وإِنْ شئت قلت: إِنَّ ماهیه نفس النظام بمقوّماته الثلاثه (الترابط، والتناسق، والهادفیه) تنادی بلسانها التکوینی: إِنَّ النظام مخلوق عقل واسع وشعور کبیر.
۲- تقریر الرابطه المنطقیه بین النظام ودخاله الشعور بشکل آخر
إِنَّ العقل عندما یرى اجتماع ملایین الشرائط اللازمه لاستقرار الحیاه على الأرض بحیث لو فقد بعضها لاختلت الحیاه، أو عندما یرى اجتماع آلاف الأَجزاء والعناصر اللازمه للإِبصار، فی العین، بحیث لو فقد جزء واحد أو تقدم أو تأخر عن مکانه المعین لاختلت عملیه الرؤیه واستحال الإِبصار، یحکم أَنَّ هناک عقلا جباراً أرسى مثل هذا النظام، وأوجد مثل هذا التنسیق والإِنسجام والترتیب والتوفیق، ویحکم بدخاله الشعور فی ذلک ونفی حصوله بالصدفه والإِتفاق، لأنَّ اجتماعها عن طریق الصدفه کما یمکن أن یکون بهذه الصوره المناسبه کذلک یمکنه أن یکون بما لا یعدّ ولا یحصى من الصور والکیفیاتْ الأُخرى غیر المناسبه، وحینئذ یکون احتمال استقرار هذه الصوره من بین تلکم الصور الهائله، احتمالا ضعیفاً جداً یکاد یبلغ الصفر الریاضی فی ضآلته، وهو ما لا یذهب إلیه الإِنسان العادی فضلا عن العاقل المحاسب.
إِنَّ ماذکره من الإِشکال ینم عن فهم ساذج وسطحی للغایه لبرهان النَّظم، ویعرب عن فقدان الغرب لمدرسه فلسفیه متکامله تدرک وتستوعب برهان النَّظم بصورته الصحیحه، فإِنَّ هذا البرهان لا یرتبط أَبداً بالتشابه والتمثیل والتجربه، وإِنَّما هو برهان عقلی تام، یحکم العقل فیه بعد ملاحظه طبیعه النظام وماهیته بأَنَّه صادر من فاعل عاقل وخالق قدیر.
أَجل، إِنَّ هذه المحاسبه الریاضیَّه التی یُجریها العقل إِذا هو شاهد النظام السائد فی الکون، تدفعه إلى الحکم بأَنَّ هناک عله عاقله اختارت هذه الصوره من بین تلک الصور الهائله بقصد وإِراده، وجمعت تلک الشرائط اللازمه بهذا الشکل المناسب للحیاه.
وبهذا یبقى برهان النظم قویاً صامداً سلیماً عن أَیَّ نقد ولا یرتبط بشیء من التمثیل أَوْ التجربه کما تصور "هیوم"، وإِنما هو العقل وحده ینتهی إِلیه عن طریق ملاحظه نفس ماهیه النظام من دون تنظیرها بشیء، وبهذا یتساوى الموجود الطبیعی والمصنوع البشری. فالعقل إذا رفض الإِذعان بأَنَّ الساعه وجدت بلا صانع أَو أنَّ السیاره وجدت بلا عله، فإِنما هو لأَجل ملاحظه نفس الظاهره (الساعه والسیاره) حیث یرى أَنَّها تحققت بعد ما لم تکن، فیحکم من فوره بأَنَّ لها موجداً. ولیس هذا الحکم إِلا لأَجل الإِرتباط المنطقی بین وجود الشیء بعد عدمه، ولزوم وجود فاعل له، وإِنْ شئت قلت لأَجل قانون العلیه والمعلولیه الذی یعترف به العقل فی جمیع المجالات.
کما أَنَّ حکم العقل فی المقام بأَنَّ الموجود المنظم مخلوق عقل کبیر، ناشئ من الإِرتباط المنطقی بین النظام ودخاله الشعور، أَو استحاله ظهور النظام صدفه للمحاسبه الریاضیه التی مرّت، لا لأَن العقل مثل أَو جرّب فتوصل إلى هذه النتیجه.
وحصیله الکلام: إِنَّ طبیعه النظام وماهیته فی الأشیاء التی نراها تنادی بلسان تکوینها أَنَّها صادره عن فاعل شاعر وخالق عاقل، وهذا هو الذی یجعل العقل یذعن بوجود مثل هذا الخالق وراء النظام الکونی، من دون النَّظر إلى شیء آخر.
ـــــــــــــــ
۱- وهو اسکتلندی المولد، ولد عام ۱۷۱۱ م وتوفی عام ۱۷۷۶ م. وکان یعد من أَکبر الفلاسفه المشککین، وقد أورد هذا الإِشکال فی کتابه المسمى بـ«المحاورات» وهو مؤلف على شکل حوار بین شخصین افتراضیین أَحدهما یمثل مشککاً فی برهان النَّظم باسم «فیلون» والآخر یمثل المدافع عنه باسم «کلثانتس».

Leave A Reply

Your email address will not be published.