الدیمقراطیه مستقبل الشعوب
عقل الإنسان یهدیه للاستفاده من تجارب الآخرین لغرض تجنب الأخطاء والأخطار، ولیوفر على نفسه الجهد والعناء، وحتى یصل إلى أهدافه على نحو أسرع. فهذا توجه عقلی فطری عند الإنسان، ولذلک تجده عندما یهم بعمل جدید، حتى فی الأمور الصغیره، فإنه یسأل من مارس هذا العمل من قبله.
فالطالب حینما یرید أن یسجل فی الجامعه فإنه یذهب لموقع الجامعه على الانترنت لیطلع على متطلبات التسجیل، أو یسأل من سبقه حتى لا یقع فی خطأ قد یکلفه الکثیر. وینبغی الاستفاده من تجارب الآخرین سواء على المستوى الفردی أم على المستوى الجمعی.
لا ینبغی أن ندع الأوهام تسیطر علینا، فلندرس تجارب الآخرین، مع الأخذ بعین الاعتبار، أن تلک التجارب لیست کلها مناسبه، لکنها ستظل تجارب قابله للدراسه والبحث، فی سبیل الأخذ بالصالح منها.
ولعل أهم ما یجب الاستفاده منه من تجارب الأمم الأخرى هو طریقه إدارتهم للشأن السیاسی فی دولهم. لقد مرت شعوب وأمم الأرض بتجارب حکم مریره، على غرار ما مرت به أمتنا فی العهود المختلفه من الأمویه والعباسیه والعثمانیه وغیرهما، لکن تلک الأمم تجاوزت تلک المرحله حتى انتهت إلى اقامه نظم حکم دیمقراطیه ینتخب فیها الناس من یحکمهم، ویتوافقون على دستور یحمی حقوقهم، ویفصل بین السلطات.
إن تلک الشعوب لم تصل إلى هذا الحل ألا بعد حروب طویله سالت فیها أنهار من دماء، وقد نجحوا حتى الآن فی تحقیق الأمن والاستقرار والازدهار لأوطانهم، دون أن یدّعی أحد – مع ذلک- بأن نظم الحکم الدیمقراطیه تخلو تماماً من النواقص، ولکن کما یقول وینستون تشرتشل رئیس الوزراء البریطانی الأسبق ( النظام الدیمقراطی هو أقل الأنظمه سوء). أی أن النظم الدیمقراطیه حتى لو شابتها النواقص فهی أهون بکثیر من نظم الاستبداد. وکما قیل؛ لیس العقل أن تعرف الخیر من الشر ولکن العقل أن تعرف أهون الشرین.
إن أهم ما یمیز الدیمقراطیه هی قدرتها على تصحیح نفسها. ولعلّ الدرس الأبرز هنا هو أن ننزع من أذهاننا الوهم القائل بأن الدیمقراطیه لا تصلح لشعوبنا، فماذا یعنی ذلک؟ فهل شعوب وأمم الأرض کلها تختلف عنا، أم أن لهم طبیعه بشریه مغایره لنا؟ فلماذا تصلح الدیمقراطیه لهم ولا تصلح لنا؟ بل الأسوأ مما سبق هو ترویج البعض بأن الدیمقراطیه لا تتناسب مع الإسلام!، والأغرب أن بعض من یروج هذه الفکره هم من المسلمین الذین یعتقدون بأن النبی لم ینص على الخلیفه من بعده، بل ترک الأمر للناس، ویروون عنه : (أنتم أعلم منی بشؤون دنیاکم)، إلا أن واقع الحال مغایر تماماً لما یعتقدون. ولو شئنا المقارنه فإننا سنجد دون شک أن النظم الدیمقراطیه أقرب إلى روح الدین من النظم الاستبدادیه، فالدیمقراطیه أقرب لتحقیق القیم الدینیه کالعدل والحریه وحقوق الانسان وغیرها مما لا تحققها نظم الاستبداد.
لم تعد المسأله سوى مسأله وقت، حتى تجد کل الشعوب أن لا بدیل عن الدیمقراطیه. ولا یعنی التأخر فی تطبیق الدیمقراطیه سوى المزید من المشاکل المتفاقمه، التی سیتطلب الخروج منها تضحیات وخسائر أکبر، ولذلک فالتفکیر السوی یقضی بالإسراع فی المسیره الدیمقراطیه حتى تصل المجتمعات إلى نظم توافقیه تستفید من تجارب الأمم والشعوب الأخرى.
نسأل الله أن یوفق المسلمین لکی یسرعوا فی هذا الطریق ویحققوا مقاصد الإسلام وقیمه.