زینب الکبرى (ع) سلیلهُ بیت النبوّه
فنشأت فی بیت الوحی بعد أن رضعت القدسیّه من ثدی العصمه ، ونهلت العلم والحِلم ومکارم الأخلاق وکلّ الخصال الحمیده التی اشتهرت عن آل البیت، وهی لمّا تزل صغی. وقد أثبتت حوادث ما بعد الشهاده ومواقفها خلال فتره السبی ، على رجاحه عقلها وقوّه حجّتها وحضور وحیها فی أشدّ لحظات الخطر وأصعبها ، إذ قادت بنفسها مسیره ما تبقّى من الموکب ، ودافعت عنه دفاع اللبوه عن أشبالها ، فغدت مواقفها على مرّ الأیّام وتعاقب القرون مثالاً یحتذى به ، وفخراً لثوره أخیها التی أکملتها بجهادها المستمیت .
وقد ذکر الطبرسی أنّها (علیها السّلام) کانت شدیده الحبّ لأخیها الحسین منذ نعومه أظفارها ، وکأنّ السرّ الإلهی کان یعدّهما لهدفٍ واحد یتقاسمان أعباءه . وهذا ما أکّده تواتر الأیّام ؛ إذ شارکته مسیرته وکانت إلى جانبه فی معمعان محنته ، ولمّا سقط خرجت من فسطاطها ووقفت عند جسده ثمّ رفعت رأسه وقالت : اللّهم تقبّل منّا هذا القربان(۱) .
وقیل : إنّها کانت قد وطّنت نفسها عند إحراق الخیم أن تقرّ فی الخیمه مع النسوه ، إن کان الله شاء إحراقهنّ کما شاء قتل رجالهنّ ، وقد سألت زین العابدین عند اضطرام النار : یابن أخی ، ما نصنع ؟ مستفهمه منه مشیئه الله فیهنّ .
ـــــــــــــــ
(۱) الکبریت الأحمر ۳ / ۱۳ عن الطراز المذهّب .
إنّها الروح المؤمنه ذاتها التی رفعت هتافها فوق جسد الحسین الطاهر ، وتضرّعت لله أن یقبله کقربان ، صرخت أمام یزید الفاسق : أمن العدل یابن الطلقاء تخدیرک حرائرک وإماءک وسوقک بنات رسول الله سبایا قد هتکت ستورهنّ ، وأبدیت وجوههن , وصَحِلت أصواتهن ، تحدو بهنّ الأعداء من بلدٍ إلى بلد ، ویستشرفهنّ أهل المناهل والمناقل ، ویتصفّح وجوههنّ القریب والبعید ، والشریف والدنی ، لیس معهنّ من رجالهنّ ولی ، ولا من حماتهنّ حمی ؟!
وکیف ترتجى مراقبه ابن مَن لفظ فوه أکباد الأزکیاء ، ونبت لحمه من دماء الشهداء ؟! وکیف یستبطأ فی بغضنا أهل البیت مَن نظر إلینا بالشنف والشنآن ، والإحن والأضغان ؟! ثمّ تقول غیر متأثّم ولا مستعظم داعیاً بأشیاخک : لیت أشیاخی ببدر شهدوا ! منحنیاً على ثنایا أبی عبد الله سیّد شباب أهل الجنّه تنکتها بمحضرتک .
وکیف لا تقول ذلک ؟! وقد نکأت القرحه واستأصلت الشّافه بإراقتک دماء ذرّیه محمّد (صلّى الله علیه وآله) ، ونجوم الأرض من آل عبد المطّلب ، أتهتف بأشیاخک ؟! زعمت أنّک تنادیهم فلترِدَنّ وشیکاً موردهم ، ولتودّنّ أنّک شللت وبکمت ولم تکن قلت ما قلت ، وفعلت ما فعلت . اللّهمّ خذ لنا بحقّنا وانتقم ممَّن ظلمنا ، واحلل غضبک بمَن سفک دماءنا وقتل حماتنا .
فوالله یا یزید ما فریت إلاّ جلدک ، ولا حززت إلاّ لحمک ، ولترِدَنّ على رسول الله بما تحمّلت من سفک دماء ذریّته وانتهکت من حرمته فی عترته ولحمته ، حیث یجمع الله شملهم ویلمّ شعثهم ویأخذ بحقّهم ، (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِینَ قُتِلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْیَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ یُرْزَقُونَ)(۱) . وحسبک بالله حاکماً ، وبمحمّد (صلّى الله علیه وآله) خصیماً ، وبجبریل ظهیراً . وسیعلم مَن سوّل لک ومکّنک من رقاب المسلمین ، بئس للظالمین بدلاً ! وأیّکم شرّ مکاناً وأضعف جنداً !
ـــــــــ
(۱) سوره آل عمران / ۱۶۹ .
ولئن جرت علیّ الدواهی مخاطبتک ، إنّی لأستصغر قدرک ، وأستعظم تقریعک ، وأستکثر توبیخک ، لکنّ العیون عبرى والصدور حرّى ، ألا فالعجب کلّ العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشیطان الطلقاء وهذه الأیدی تنطف من دمائنا والأفواه تتحلّب من لحومنا ، وتلک الجثث الطواهر الزواکی تنتابها العواسل وتعفّرها اُمّهات الفراعل(۱) ، ولئن اتّخذتنا مغنماً لتجدننا وشیکاً مغرماً حین لا تجد إلاّ ما قدّمت یداک وما ربّک بظلاّمٍ للعبید .
فإلى الله المشتکى وعلیه المعوّل ، فکد کیدک واسع سعیک وناصب جهدک ، فوالله لا تمحو ذکرنا ، ولا تمیت وحینا ، ولا تدرک أمدنا ، ولا یرحض عنک عارها ، وهل رأیک إلاّ فند وأیّامک إلاّ عدد ، وجمعک إلاّ بدد ، یوم ینادی المنادی : ألا لعنه الله على الظالمین ؟ فالحمد لله ربّ العالمین ، الذی ختم لأوّلنا بالسعاده والمغفره ، ولآخرنا بالشهاده والرحمه ، ونسأل الله أن یکمل لهم الثواب ویوجب لهم المزید ، ویحسن علینا الخلافه ، إنّه رحیم ودود وهو حسبنا ونِعم الوکیل .
هذه البلاغه والفصاحه لا یأتی بمثلها إلاّ مَن تربّى فی بیت الطالبیّین ، وهذه الشجاعه الفائقه لا یجسر علیها بشرٌ حیال یزید ، وقد جسرت علیها الحوراء , فبلبلت مجلس یزید وأحدثت فی أرکانه هزّه ، فلم یزد إلاّ أن قال :
یا صیحهً تُحمدُ من صوائحِ ما أهونَ النوح على النوائحِ
ثمّ أمر بإخراج الحرم من المجلس إلى خربه ، حیث أقاموا فیها ثلاث أیّام یندبون وینوحون على الحسین (علیه السّلام)(۲) .
ــــــــــــ
(۱) العواسل : جمع عسّال , وهو الذئب . والفراعل : جمع فرعل , وهو ولد الضبع .
(۲) اللهوف / ۲۰۷ ، وأمالی الصدوق / ۱۰۱ .
وإنّها لحکمه إلهیّه أن یسار بالسبی إلى الکوفه ودمشق بهذا الشکل المهین على أقتاب الجمال ، فیرى الناس فی السبایا من الفجیعه أکثر ممّا رأوا أو سمعوا فی قتل الحسین ، وهذا ما هدف له الشهید بخروجه بالنساء والأطفال والرضّع لیکونوا شهوداً وألسنه تنطق بمظلمته .
وقد قامت العقیله زینب بالدَور الأکبر فی ثوره أخیها الحسین بحملها لواء الحرب النفسیّه التی تمّمت حرب أخیها العسکریّه ، وشکّلت معها الوجه الآخر لهدفٍ واحد ألا وهو إحقاق الحقّ ، وتقویض الدوله الاُمویه التی مثّلت انتهاک السنّه وتحریف العقیده ، وفساد الحکم فی کلّ زمان ومکان .
ولو لَم تقم زینب (علیها السّلام) بدَورها الصعب الذی قامت به لَما زادت الواقعه ونتائجها عن واقعه ونتائج أیّه معرکه تدار فیها الأیدی والسّیوف ، وتصهل فیها الخیل ، والرأی الأمثل فی هذه الحکمه ـ حکمه خروج الحسین بحرمه وما تلاها من استلام زینب لرایه الکفاح ـ إنّما کان هو الهدف الذی سیتحقق بعده کلّ أهداف الثوره ؛ إذ لولا خروج زینب وحرائر وعقیلات آل البیت هذا الخروج الدرامی المفجع لَما کان للهزّه الضمیریّه هذا التوجّع المؤلم ، ولم یکن لیتسنّى لها الدخول على ابن زیاد فی قصر الإماره لتعلن أمام الحشد صرختها التی هی فی مضمونها صرخه مشترکه مع صوت أخیها الحسین (علیه السّلام) , فتقول : الحمد لله الذی أکرمنا بنبیّه محمّد ، وطهّرنا من الرجس تطهیراً ، إنّما یفتضح الفاسق ویکذب الفاجر وهو غیرنا(۱) .
ــــــــــــ
(۱) تاریخ الطبری ۶ / ۲۶۲ ، واللهوف / ۹۰ .
ولا کان بإمکانها الوقوف أمام یزید وهو فوق متّکئ سلطانه وجبروته وإلقاء خطبتها البلیغه التی تحمل عبق الصدق، فتتآلف لها النفوس، وتتألّب لها الضمائر وتتوغّر معها الصدور على یزید وطغمته ، فتکون بذلک قد بذرت بذره الثوره فی الصدور إلى أن یحین موعد انفجارها .
وسیّد الشهداء (علیه السّلام) کان ینظر إلى المستقبل نظرته إلى کتاب مفتوح ، وکان عالِماً بأنّ خذلان شیعته لن یدوم أبد الدهر ، وکان فی خروجه وإخراج الحرم معه إنّما یراهن على حیویّه الضمائر الإسلامیّه التی لن تجد مندوحه ولا أعذاراً فی لوم نفسها على التقصیر ، سواء عن سکوتها على مباغی الاُمویّین ، أم فی عدم نصرتها للثائر الحسین الذی قام یحطّم الوثنیّه الجاهلیّه الجدیده التی امتطت الإسلام لتحقیق مآربها ، ومحقت ذریّه الرسول صاحب هذه الرساله باسم خلافه مزیّفه .