وسطیه أمه محمد (ص)
إنّ المعانی الواسعه والمفاهیم الکثیره التی یحملها لفظ: "الوسطیه" لا یمکن أداء حقها بلفظ واحد آخر، وقد کانت هناک مساعی ومحاولات لبیان معانیه بألفاظ الاعتدال والتوازن، وغیرها من الألفاظ، کما تم ترجمه الوسطیه بألفاظ الأفضل والعادل.
أمّا تحدید مفهوم الوسطیه، وحاجه تطبیقه، والاستفاده من إیجابیاته، فکانت ماسه فی کل عصر من عصور التاریخ، وقد ذکر من الحکماء القدامى: أفلاطون، وأرسطو هذه الأصول وأهمیتها فی صحفهم؛ حیث إنّ الشرح البسیط لأصول الاعتدال لدى الحکماء القدامى هو عدم تغلیب المشاعر على الأعمال، وعدم إطلاق عنان المشاعر لتغلب على تصرفات العقل، وإنّ السبیل الوسط لدیهم هو أن یشارک العقل والشعور جنباً إلى جنب فی تعیین طریق العمل واختیاره.
وقال بعض الحکماء الآخرین: بأن سبیل الحق والتوازن هو ألا تغلب قوه من ذات الإنسان على قوه أخرى، وأن یترک للعقل السلیم خیار الحکم على وجود التوازن والتناسب بین هذه القوى.
وإذا عدنا إلى التوجیهات الإسلامیه فنرى بأنّ الإسلام یقبل تماماً هذا الأصل للاعتدال والتوازن، ویتجلى لنا من خلال دراسه التوجیهات الإسلامیه للوسطیه والاعتدال – ومقارنتها بتعلیمات الأدیان والمذاهب الأخرى – أنّ الإسلام هو أصدق وأحسن وأعدل دین بین أدیان العالم ومذاهبها، ولکن بشرط أن یُدرس من خلال مصدری الکتاب والسنه، لا بأفکار الناس وآرائهم.
عندما قام القرآن الکریم بشرح وبیان سمو الإسلام وعظمته، وصدقه وقبولیته عند الله تعالى؛ فقال: (إِنَّ الدِّینَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ) (آل عمران/ ۱۹)، وقال: (الْیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی وَرَضِیتُ لَکُمُ الإسْلامَ دِینًا) (المائده/ ۳).
والمیزه الکبرى التی بیَّنها القرآن الکریم للدین الإسلامی أنّه دین الفطره، قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَکَ لِلدِّینِ حَنِیفًا فِطْرَهَ اللَّهِ الَّتِی فَطَرَ النَّاسَ عَلَیْهَا لا تَبْدِیلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِکَ الدِّینُ الْقَیِّمُ وَلَکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لا یَعْلَمُونَ) (الروم/ ۳۰).
ولفظ "الفطره" یحمل کذلک معانی ومفاهیم عدیده، وقام المفکرون والفلاسفه بوضع بعض المقامات لإیضاح مفهوم الفطره؛ حیث قالوا بأن ظهور الشیء لا یحدث فجأه؛ بل کل شیء یتواصل فی قبول التأثیرات من الأشیاء الأخرى فی بیئته، ویرتبط بها، کما أنّ هذا الشیء یؤثر کذلک على الأشیاء الأخرى، وهذه العملیه المتواصله للتأثیر والتأثُّر تؤدی إلى ظهور طبیعه خاصه، وقد عبر المفکرون عن هذه الطبیعه بـ"الفطره" لتسهیل الأمر وتقریب الفهم، کما عبر عنها أهل اللغه بـ"الخلقه والجبله".
ویتبیَّن من هذا أنّ التوازن والتوسط من مستلزمات بقاء الفطره وتطورها؛ ومن هنا؛ فإنّ الطریق والسبیل الذی وضعه الله – بکونه خالق الإنسان، وهو أعلم بطبیعه البشر – لإبقاء الإنسان على الفطره وتطویرها، جعله متوسطاً ومتسماً بغایه من التوازن والاعتدال، وهو الذی سماه "الإسلام"، وأهله بـ"المسلمین" (هُوَ سَمَّاکُمُ الْمُسْلِمِینَ مِنْ قَبْلُ) (الحج/ ۷۸). وقد تم إیجاز معانی الدین من خلال عباده الله وحده، والإیمان برسله وأنبیائه، واعتبار محمد (ص) خاتم النبیین، واختیار تلک العقائد والأعمال التی بیَّنها الکتاب والسنه، وهذا هو دین الفطره، کما کان دیناً لسائر الأنبیاء والرسل السابقین: (وَمَا أُمِرُوا إِلا لِیَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِینَ لَهُ الدِّینَ حُنَفَاءَ وَیُقِیمُوا الصَّلاهَ وَیُؤْتُوا الزَّکَاهَ وَذَلِکَ دِینُ الْقَیِّمَهِ) (البینه/ ۵)؛ والقیِّمه عند أکثر أهل العلم هی: المله المتوازنه المعتدله المستقیمه.
هذا ولم یَخْفَ على الدارس فی التعالیم الإسلامیه، والمتدبر فیها أنّ الإسلام الخالص یتسم بغایه من التوازن، ویخلو من جمیع أنواع الإفراط والتفریط والغلو والتقصیر، کما أنّ الأُمّه التی تحمل هذا الدین هی أمه تتحلى بالوسطیه والتوازن بین الأُمم الأخرى، یقول الدکتور محمد باکریم: "فإن من نعم الله على هذه الأُمّه المحمدیه، وتشریفه لها، أن جعلها أمه وسطاً، خیاراً، عدولاً"؛ فقال: (وَکَذَلِکَ جَعَلْنَاکُمْ أُمَّهً وَسَطًا) (البقره/ ۱۴۳). فهی خیر الأُمم التی أخرجت للناس قاطبه، کما وصفها، وشهد لها ربها وخالقها بذلک؛ فقال: (کُنْتُمْ خَیْرَ أُمَّهٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران/ ۱۱۰).
وإنّ مصطلح: "أمه وسطاً" یحمل فی أعماقه معانٍ عدیده، وکثیره وعظیمه، والذی یراد منه تلک الطائفه المنصوره، والفرقه الناجیه التی تتمسک بالعدل والوسطیه، وتحتل مرتبه الصداره والرئاسه بین الأُمم الأخرى، وترتبط بعلاقات الحق والصدق، ولا تفرط فی حق الآخرین، ولا تظلم أحداً.
یقول الإمام ابن جریر الطبری – رحمه الله –: "وأرى أنّ الله – تعالى ذکره – إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم فی الدین، فلا هم أهل غلو فیه غلو النصارى الذین غلوا بالترهب، وقالوا فی عیسى ما قالوا فیه، ولا هم أهل تقصیر فیه تقصیر الیهود الذین بدَّلوا کتاب الله وقتلوا أنبیاءهم، وکذبوا على ربهم، وکفروا به، ولکنهم أهل توسط واعتدال فیه، فوصفهم الله بذلک؛ إذ کان أحب الأمور إلى الله أوسطها".
إنّ الدعاء الذی تم تعلیمه لهذه الأُمّه فی سوره الفاتحه، والتی أُمرت الأُمه فیها بأن تجعل هذا الدعاء لطلب الهدایه إلى الصراط المستقیم، والحمایه من الإفراط والتفریط شعاراً دائماً لها: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِیمَ * صِرَاطَ الَّذِینَ أَنْعَمْتَ عَلَیْهِمْ غَیْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَیْهِمْ وَلا الضَّالِّینَ) (الفاتحه/ ۶-۷).
وقد بیَّن التنزیل الکریم تفاصیل المنعم علیهم فی موضع آخر: (فَأُولَئِکَ مَعَ الَّذِینَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَیْهِمْ مِنَ النَّبِیِّینَ وَالصِّدِّیقِینَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِینَ وَحَسُنَ أُولَئِکَ رَفِیقًا) (النساء/ ۶۹)، وهو سبیل طاعه الله ورسوله (ص) بعیداً عن الإفراط والتفریط، ویتمیز بمیزه التوازن والاعتدال، کما یظهر من بعض الروایات بأنّ المراد من: (الْمَغْضُوبِ عَلَیْهِمْ) (الفاتحه/ ۷)، هم الیهود، والنصارى من: (الضَّالِینَ)؛ وقد ابتلی الیهود بالشده والإفراط فی الدین، کما أنّ النصارى أصیبوا بالغلو والتفریط فی دینهم.
یقول الإمام السخاوی – رحمه الله –: "إنّ الذی یتدبر فی عقیده هذه الأُمّه وعبادتها، ومعاملاتها، وسلوکها سیدرک أنّ المیزه الکبرى التی تمیزت بها هذه الأُمّه هی الوسطیه والتوازن، التی فُقِدت فی الأمم الأخرى".
یقول الله – تبارک وتعالى -: (وَلا تَجْعَلْ یَدَکَ مَغْلُولَهً إِلَى عُنُقِکَ وَلا تَبْسُطْهَا کُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) (الإسراء/ ۲۹)، الغل وتعلیق الید کنایه عن الشح والبخل، کما أنّ البسط کنایه عن الإسراف فی الإنفاق، والآیه تعلِّم أدب الإنفاق بأن على الإنسان أن یتخذ الاعتدال والتوازن بین البخل والإسراف.
وقال تعالى: (وَالَّذِینَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ یُسْرِفُوا وَلَمْ یَقْتُرُوا وَکَانَ بَیْنَ ذَلِکَ قَوَامًا) (الفرقان/ ۶۷)؛ بمعنى أن تجاوز حد التوازن فی النفقات الواجبه یدخل فی الإسراف؛ فیجب أخذ الحیطه والحذر فی الإنفاق، وقبل الهجره کانت فتره ضعف المسلمین بمکه، وکان الصحابه – رضوان الله علیهم – مأمورین بوضع إیمانهم رهن السریه والخفاء إلى أن تنکشف الغمه؛ ولکن النبی (ص) کان یجهر بصوته فی الصلاه؛ فکان المشرکون ینهالون بالسباب والشتائم على المسلمین بسماع القرآن الکریم؛ فنزلت الآیه الکریمه: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِکَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَیْنَ ذَلِکَ سَبِیلا) (الإسراء/ ۱۱۰)؛ حیث أمر الله – تبارک وتعالى – نبیه فی الآیه الکریمه باتخاذ التوازن بعدم الجهر بالصوت؛ حتى لا یسب المشرکون بسماعه، ولا خفضه إلى الحد الذی یشق على الصحابه سماعه، کما أمر النبی (ص) أبا بکر وعمر بالتوازن فی صلوات التهجد.
هذا وإنّ الوجه الظاهر لوصف الأُمّه المحمدیه بهذه الصفه هو أنّ الأمه التی تستحق الإمامه والسیاده والزعامه بین أقوام وأمم العالم لا یمکن أن تکون غیر الأُمّه التی تتصف بهذه الصفه، ویرى بعض مفکری العالم بأنّ الذکاء المفرط صفه سیئه کالغباء، ولا یلیق فی السیاسه والحکومه إلا لأصحاب الذکاء المتوسط، وأن عضواً فی الکنیست البریطانی حیَّر الناس مرّه؛ عندما قال: "نرى أن زعماء وحکام البلدان الکبرى فی العالم فی عصرنا هم أصحاب العقول المتوسطه؛ حیث إنّ التوسط هو المطلوب".