الإمام الحسین (علیه السّلام) ضمانه الهدى والفلاح
عن الحسین بن علی علیهما السلام قال : (( دخلت على رسول الله (صلّى الله علیه وآله) وعنده اُبیُّ بن کعب , فقال لی رسول الله (صلّى الله علیه وآله) : مرحباً بک یا أبا عبد الله , یا زین السماوات والأرض . قال له اُبیّ : وکیف یکون یا رسول الله زین السماوات والأرض أحدٌ غیرک ؟! فقال : یا اُبیّ , والذی بعثنی بالحق نبیاً إنّ الحسین بن علی فی السماء أکبر منه فی الأرض ، وإنه لمکتوب عن یمین عرش الله مصباح هدى ، وسفینه نجاه ))(۱) .
الإمام الحسین (علیه السّلام) ضمانه الهدى والفلاح
إنّ أبا عبد الله (علیه السّلام) کما أنبأنا بذلک الصادق الأمین هو مصباح للهدى ، وسفینه للنجاه . والإنسان بحاجه فی حیاته إلى أمرین : الهدى والفلاح ؛ الهدى لکی یعرف الطریق ، والفلاح لکی یصل إلى أهدافه , ویحقق أهدافه وطموحاته .
والإمام الحسین (علیه السّلام) یضمن لنا تحقیق هذین الأمرین , وهذا یعنی أنّه (علیه السّلام) یمثّل تلک القیم والمبادئ التی نزل بها الوحی ، والتی تبصر الإنسان بطریقه فی الحیاه .
والحسین (علیه السّلام) بنهجه وکلماته المضیئه ، والحب الذی له فی قلوب المؤمنین یمثّل النجاه فی الدنیا والآخره .
وإذا تدبّرنا فی آیات الذکر الحکیم نرى أنّ الهدى والفلاح هما نهایه وعاقبه المتقین ؛ ففی بدایه سوره البقره نقرأ قوله تعالى : (ألم * ذَلِکَ الکِتَابُ لاَرَیْبَ فِیهِ هُدىً لِلمُتَّقِینَ)(البقره/۱ ـ ۲) ، حتّى تصل إلى قوله : (اُولئک عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَاُولئک هُمُ المُفْلِحُونَ)(البقره/۵) .
فالهدى هو القرآن ، والذی یدلنا على هذا الهدى هو الإمام الحسین (علیه السّلام) من خلال کلماته وأفکاره ، ومن خلال تجسیده للقرآن ؛ فقد کان (علیه السّلام) القرآن الناطق بما قام به من حرکه ونهضه ؛ ولذلک کان مصباحاً للهدى , أی تفسیراً وتأویلاً صحیحاً للقرآن الذی أمرنا بمقارعه الطغاه والظالمین ، وأن لا نشرک بالله احداً .
ثمّ إنّ الحسین (علیه السّلام) هو فی نفس الوقت سفینه نجاه ؛ فالبشریه معرّضه لأن تبتلعها أمواج الفتن ، وتهددها الأخطار ، وعلیها اذا ما أرادت التخلص من هذه الفتن والأخطار أن تتمسّک بنهج أبی عبد الله الحسین (علیه السّلام) .
العوده إلى حقیقه الدین ؛ رساله الأنبیاء
ولقد کان من أهم مهام الأنبیاء (علیهم السّلام) , وأعظم مسؤولیاتهم أنهم کانوا یحاولون إعاده الناس إلى حقیقه الدین . ولقد بعث الله سبحانه وتعالى الأنبیاء والرسل والأوصیاء الواحد بعد الآخر ؛ لأنّ الناس کانوا یحاولون أفراغ الدین من محتواه والأخذ بقشوره ؛ فهم یصلّون ولکن صلاتهم لا تنهاهم عن الفحشاء والمنکر ، ولا تدعوهم إلى الله وذکره ، ولا تدفعهم إلى إطعام المسکین ، وأداء الواجبات وترک المحرمات . ومثل هذه الصلاه هی صلاه عمر بن سعد التی أداها فی یوم عاشوراء , فی حین أنّه قد قتل الصلاه ؛ لأنّه قتل أبا عبد الله (علیه السّلام) الذی کان یمثّل الصلاه وکل الواجبات الشرعیه .
وعلى سبیل المثال فإنّ الحج کان من ضمن الفرائض التی کانت موجوده قبل الإسلام ، ولکنّ المشرکین کانوا قد افرغوا هذه الفریضه من محتواها ؛ فمشرکو قریش الذین کانوا سدنه البیت کانوا یوجبون على الحجاج أن لا یطوفوا بثیابهم , وإنّما علیهم أن یبدّلوها ویرتدوا ثیاباً جدیده یأخذونها من سدنه البیت لیحجّوا بها .
وهذه هی إحدى البدع ؛ فالعرب کانوا یأتون للحج ولکنّ المشرکین کانوا یفرضون علیهم غرامه . قد کان البعض فقراء لا یستطیعون شراء تلک الثیاب , فکانوا یضطرون إلى أن یطوفوا حول الکعبه عراه .
وقد أقام المشرکون فی بیت الله الحرام ما یقرب من ثلاثمئه صنم ، وکانوا یطوفون حول البیت , ثم یلبّون فیقولون : لبیک اللَّهمَّ لبیک ، لبیک لا شریک لک ، إلاّ شریک هو لک …(1) . وبذلک کانوا یحرّفون الکلم عن مواضعه ، ویدّعون التوحید وهم غارقون فی الشرک !
هکذا کان دین المشرکین ، لقد افرغوه من محتواه ؛ فکان حجهم وصلاتهم مکاء وتصدیه کما یقول (عزّ وجلّ) : (وَمَا کَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَیْتِ إِلاَّ مُکَآءً وَتَصْدِیَهً)(الأنفال/۳۰) . فالذی کان یصلّی لم یکن یصلی لله ، وإنما لیصد الناس عن سبیله .
ولقد جاء نبینا الأعظم (صلّى الله علیه وآله) لیعید إلى الدین حقیقته وجوهره ، وهکذا کانت وظیفه الأئمه (علیهم السّلام) ؛ فقد قاموا بهذا الدور أیضاً ؛ فقد جاء الإمام الحسین (علیه السّلام) لیرى فوق منبر رسول الله (صلّى الله علیه وآله) رجلاً یفتخر بأنه یشرب الخمر ، ویزنی بعمّته ، ویلاعب القرود , بالإضافه إلى أنّه کان أحد الشعراء المعروفین بالغناء والطرب ووصف الخمره !
وهکذا , فقد کانت الخلافه موجوده ، ومنبر رسول الله (صلّى الله علیه وآله) موجوداً ، وهکذا الحال بالنسبه إلى المسجد . ولکننا عندما ننظر إلى المحتوى نراه فساداً فی فساد ، وحمیات وعصبیات ، واختلافاً بین القبائل العربیه ، وبین العرب والموالی ، وبالتالی عوده الجاهلیّه بکل قیمها الفاسده .
وقد روی فی هذا المجال أنّ عبد الله بن عمر قد دعی إلى نصره الحسین (علیه السّلام) , ولکنه امتنع عن ذلک , طالباً من الداعین له أن یترکوه منشغلاً بالصلاه فی مسجد النبی (صلّى الله علیه وآله) ؛ بحجه أنّ هذا العمل أکثر ثواباً عند الله .
هذا فی حین أنّ الاُمّه کانت تنحرف ، والفساد یعم ، والإسلام فی خطر ، فما فائده مثل هذه الصلاه والنبی (صلّى الله علیه وآله) یقول : (( إذا ظهرت البدعه فی اُمّتی فلیظهر العالم علمه ؛ فإن لم یفعل فعلیه لعنه الله))(۲) ؟ إنّ الصلاه التی تغطّی على تقاعس الإنسان وهزیمته واستسلامه إنّما هی مکاء وتصدیه .
ترى من الذی یجب أن یقوم بمهمه إزاله هذا الانحراف الواسع العمیق غیر أبی عبد الله الحسین (علیه السّلام) الذی ادّخره الله سبحانه لمثل هذا الیوم ؟ ولذلک فقد أصبح (علیه السّلام) مصباح الهدى وسفینه النجاه ؛ لأنّه هو الذی أنقذ الله به البشریه کلها من الضلاله ، وإلاّ لکان الدین فی خبر کان , ولانتهى کما انتهت الأدیان السابقه ؛ فلقد علّم الحسین (علیه السّلام) البشریه أن حقیقه الدین هی المهمه لا مظاهره ، وهو درس لنا نحن أیضاً ؛ فإذا رأینا إنساناً یصلّی ولکنه یکذب بعد الصلاه , ویخون الأمانه ، فعلینا أن نقول له : إن صلاتک مردوده علیک .
وإذا أردنا أن نجرّب مجتمعاً ما فعلینا أن نعرفه من خلال تعامل أفراده مع بعضهم البعض ؛ فهل یؤدّون الأمانه , أم أنّهم یأکلون أموالهم بینهم بالباطل ؟ ولقد جاء فی الحدیث عن الإمام الصادق (علیه السّلام) : (( لا تنظروا إلى طول رکوع الرجل وسجوده ؛ فإنَّ ذلک شیء اعتاده ، فلو ترکه استوحش لذلک ))(۳) .
إنّ الإمام الحسین (علیه السّلام) جاء لیعلّمنا أنّ الدین والإیمان حقیقه ؛ فالإیمان لیس بالتظنّی ولا بالتمنی , وإنّما هو ما وقّر فی القلب ، فإذا لم یوجد النور فی القلب ، ولم تکن للإنسان القدره على نهی النفس عن الهوى ، فیؤدی الصلاه وهو یعبد الشیطان وهوى النفس ، فإنّ هذه الصلاه مردوده ؛ فالله (عزّ وجلّ) لا یتقبل إلاّ من المتقین ، وهذه هی حقیقه الدین .
حقائق الدین فی القرآن
ولقد أوضح لنا القرآن حقائق الدین , فهو یقول مره : (لَیْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَکُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)(البقره/۱۷۷) . فتولیه الوجه إنّما هو من جمله الاُمور الظاهریه ، والبر إنّما هو الإیمان الحقیقی ، والإنفاق ، والجهاد فی سبیل الله .
ثم یقول مره اُخرى : (أَجَعَلْتُمْ سِقَایَهَ الْحَآجِّ وَعِمَارَهَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ کَمَنْ ءَامَنَ بِاللّهِ وَالْیَوْمِ الاَخِرِ وَجَاهَدَ فِی سَبِیلِ اللّهِ لاَیَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ)(التوبه/۱۹) . فهل من الممکن أن اُصبح مؤمناً حقیقیاً بمجرد أن آتی بالماء وأسقی به الحجیج فی حین أنّنی لم أنه نفسی عن الهوى ، ولم أخف مقام ربی ، ولم أکن مع دینی ضد مصلحتی ؟
وفی سوره [مریم] یبیّن لنا ربنا تبارک وتعالى بعض صفات الأنبیاء , فیقول : (وَاذْکُرْ فِی الْکِتَابِ إِسْماعِیلَ إِنَّهُ کَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ)(مریم/۵۴) ، أی أنّ الدین هو الصدق فی الوعد والکلام والالتزام , ثم یقول تعالى : (وَکَانَ یَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَهِ وَالزَّکَاهِ)(مریم/۵۵) ، فإن ندّعی التدین ولکن لا نهتم بأولادنا , ولا نأمرهم بالصلاه فإنّ هذا لیس من الدین فی شیء .
ثم یقول تعالى بشأن إدریس (علیه السّلام) : (وَاذْکُرْ فِی الْکِتَابِ إبراهیم إِنَّهُ کَانَ صِدِّیقاً نَّبِیّاً)(مریم/۴۱) , فقد کانت من صفات هذا النبی العظیم أنّه کان صادقاً فی کلِّ حقٍّ ، وهذا هو معنى الإیمان .
ومن الصفات التی اشترک فیها جمیع الأنبیاء (علیهم السّلام) الصفه التی یشیر إلیها تعالى فی قوله : (إِذَا تُتْلَى عَلَیْهِمْ ءَایَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُکِیّا)(مریم/۵۸) ، فالحقائق الإلهیه کانت تعنی بالنسبه الیهم الخضوع والخشوع والإخبات ؛ ولذلک فإنّهم کانوا یسلّمون للأمر الإلهی دون مناقشه .
وبعد ذلک یشیر ربنا (عزّ وجلّ) إلى الانحراف الذی ظهر بعد الأنبیاء (علیهم السّلام) قائلاً : (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَهَ)(مریم/۵۹) ، ومن المعلوم أنّ إضاعه الصلاه لیس کترکها ؛ فالإضاعه تعنی أنهم کانوا یصلّون , ولکن لیس تلک الصلاه التی یریدها الله تعالى ؛ لأنّهم کانوا یتبعون شهواتهم لا أحکام دینهم .
فرصه إصلاح النفس
إنّنا الآن نرید أن نرکب سفینه النجاه وندخل فی أمان الله تعالى تحت رایه أبی عبد الله الحسین (علیه السّلام) ؛ لذا فعلینا أن نصلح واقعنا الفاسد . وإذا ما دخلنا فی محرّم ثم خرجنا منه کما دخلنا فقد ضیّعنا فرصه إصلاح نفوسنا وأوضاعنا ؛ فعلینا أن نهیئ أنفسنا للانتفاع من هذا الموسم الشریف وخصوصاً فیما یتعلق بعلاقتنا مع بعضنا البعض .
فإذا کان الواحد منا یحمل فی قلبه ـ لا سمح الله ـ حقداً وضغینه , أو سوء ظن تجاه أخیه المؤمن فعلیه أن یزیله . ولا تکن تعزیتنا فی هذا الشهر من أجل ان یکون موکبنا ـ مثلاً ـ أفضل من مواکب الآخرین ، أو حسینیتنا أفضل من الحسینیّات الاُخرى ؛ فمثل هذا التفکیر إنّما هو من الحمیات والعصبیات الجاهلیّه .
إنّ المهم هو العمل الذی یکون فیه مرضاه الله سبحانه وتعالى ، وأن لا یکون هدفنا رضا الناس فقط . ثمّ إنّ مجالسنا یجب أن تکون مرکزاً للوحده والتلاحم ؛ لأنّ رایه الحسین (علیه السّلام) هی رایه الوحده ، لا رایه الفرقه والاختلاف , فإذا ما تفرقنا فإنّ الآخرین سیستشکلون علینا بأننا نمتلک إماماً واحداً ، ولکننا مع ذلک متفرقون عن بعضنا .
فلنوحد أنفسنا ؛ فإن الوحده هی حقیقه الدین کما قال الله تعالـى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِیعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا)(آل عمران/۱۰۳) ، وحبل الله هو القرآن الکریم ، والنبی محمّد (صلّى الله علیه وآله) ، والأئمه المعصومون (علیهم السّلام) .
ولنصلح أنفسنا ولا نخدعها بالمظاهر , فعندما نقف أمام أبی عبد الله (علیه السّلام) ونقول : (( إنّی سلم لمن سالمکم , وحربٌ لمن حاربکم ))(۱) ، فإن هذا یقتضی أن نحب کلَّ من أحب الحسین (علیه السّلام) ، ونوالی کلَّ مَن والاه ، لا أن نختلف معه ونُکنَّ له العداوه والضغینه ، ونروح ضحیه التنافس المقیت .
فلنطهّر أنفسنا ، ولنکن صادقین مع أمامنا الحسین (علیه السّلام) ، وفی هذه الحاله سنرکب سفینه النجاه ، وسیکون الحسین (علیه السّلام) شفیعنا فی الآخره ، وسبباً لنجاتنا من المشاکل والمآسی فی الدنیا .
ـــــــــــــ
(۱) بحار الأنوار ۹۱ / ۱۸۴ , ح۱ .
(۲) بحار الأنوار ۲ / ۷۲ .
(۳) اُصول الکافی ۲ / ۱۰۵ .