موقف السنه من العصمه

0

قَبل الدُخول بالموضوع، أُلفت النَظَر إلى قصّه تُحکى، ولها دلالتها فی موضوعنا وهی: إنّ شخصاً مَدینَاً جُلِب إلى الحاکم، فسأله الحاکم: هل أنت مَدین لهذا المُدّعی؟ قال: نعم، أنا مَدین ولکنّی مُنکر للدَّین.
إنّ هذه القُصّه تشبه تماماً موقِف مَن یُنکر علینا القول بالعصمه، وفی الوقت ذاته یقول بها. على أننا إنّما نَشتَرط العِصمه فی الإِمام؛ لضمان وصول أحکام وعقائد صحیحه، ولضمان اجتناب المُفارقات التی قد تنشأ مِن کون الإِمام غیر معصوم، ولا نرید مِن العصمه أن تکون وِساماً نَضعه على صُدور الأئمّه، فإنّ لهُم مِن فَضائلهم ما یَکفیهم، کما إنّنا لا نَسبح فی بحر مِن الطوبائیّه؛ لأننا نعیش دُنیا الواقع بکلّ مُفارقاتها.
إنّنا مِن وراء القول بالعصمه نربأ بالإِمام أن یکون مِن سِنخ مَن نراهم مِن الناس؛ لأنّه لو کان مِن نفس السِنخ والسلوکیّه، فما هی میزته حتّى یَحکم الناس، وفی الناس مَن هو أکثر مِنه استقامه ومؤهّلات وقابلیّه.
تلک هی الأُمور التی نریدها مِن وراء العصمه، لا أنّ المعصوم مِن نوع آخر غیر نوع الإِنسان کما قد یَتصوّر البعض. فالعصمه فی نظرنا: ضابط یُؤدّی إلى حِفظ شریعه الله تعالى نظریّاً، وصیانتها مِن البعث تطبیقیّاً، وأساطین السُنّه یذهبون لِمثل ذلک، ولکنّهم فی الوقت نفسه یُنکرون علینا القول بها، وإلیک نَماذج مِن أقوالهم؛ لتعرف صحّه ما نسبناه لهم:
۱ ـ الرازی:
یذهب الرازی ـ فی مَعرض ردِّه على عصمه الإِمام عند الشیعه ـ إلى أنْ لا حاجه إلى إمام مَعصوم، وذلک لأنّ الأُمّه حال إجماعها تکون مَعصومه؛ لاستحاله اجتماع الأُمّه على خطأ بمقتضى حدیث رسول الله (ص) : ( لا تجتمع أُمّتی على ضلاله ) ( ۱ ).
ومع غضِّ النظر عن صحَّه وعدم صحَّه هذا الحدیث، نسأل: هل مِثل هذا الإِجماع مُمکن بحیث یَضمُّ کلَّ مُسلِم فی شرق الأرض وغربها؟.
قد یکون الجواب: إنّ المُسلِمینَ یُمثّلون فی هذا الإِجماع بأهل الحلِّ والعقد.
وهنا نسأل: مَن هُم؟ وما عددهم؟ وهل هم محصورون فی مکان مُعیّن؟ وما الدلیل على ذلک؟
ثمّ نسأل: هل المجموع إلاّ ضَمُّ فَرد إلى فرد؟ فإذا جاز الخطأ على الأفراد، جاز على المجموع المُکوَّن مِن الأفراد.
إنّ الإِمام ابن تیمیّه یُجیبُ على ذلک بأنّه: لا یَلزم أن یخطأ المجموع إذا أخطأ الأفراد؛ لأنّ للجمع خاصیّه لا توجد فی الأفراد، ومَثَلُها مَثَلُ اللُقمه الواحده لا تُشبع، ومجموع اللُقم یُشبع، والعصا الواحده تُکسَر فی حین مجموع العصیّ لا یُکسَر. إلى أن یقول، قال رسول الله صلى الله علیه وآلـه وسلّـم: ( الشیطان مع الواحد، وهو مع الاثنین أبعد ) ( ۲ ).
وما أدری ما هو وجه الشبه بین کون اللُقَم تُشبع بعکس اللُقمه الواحده، وبین کون المجموع یَعصِمُ، والأفراد لا تَعصِم؟ وذلک لأنّ اللُقمه تحمل قابلیّه الإِشباع بِنسبه مُعیّنه، فإذا ضُمَّت إلى مِثلِها اجتمعت هذه الأفراد مِن قابلیه الإِشباع فکوّنت إشباعاً کاملاً، وکذلک العصا تَحمل نِسبه مِن القوَّه، فإذا ضُمَّت لمثلها کوَّنت قوَّه کافیه. وأین هذا مِن الفرد المُخطئ؟ فإنّه لا یکوِّن نسبه مِن الصِحّه إذا ضُمَّت لغیرها کَوَّنت مجموعاً صحیحاً، بل بالعکس فالفرد یُمثِّل هُنا نِسبه مِن الخطأ، إذا ضُمَّت لمثلها تَضاعَف الخطأ وکوّن خطأً کبیراً.
إنّ هذا القیاس مع الفارق، هذا مِن ناحیه، ومِن ناحیه أُخرى فإنّ ابن تیمیّه لم یَنفِ فِکره العِصمه، وإنّما نفى أن یکون لواحد لیس إلاّ، فکأنّ العُقده أن تکون لواحد، أمّا لو نُسِبَت لجماعه فلا إشکال، ومِن ناحیه ثالثه: إنّه إنّما اشترط العصمه للأُمّه مِن أجل الثقه وضمان سلامه الأحکام، وهو عین الهَدف الذی تذهب إلیه الشیعه، وأنا أنقل لک رأیه مُفصّلاً:
رأی ابن تیمیّه فی العِصمه
قال ابن تیمیّه عند رده على الشیعه، عند قولهم: إنّ وجود الإِمام المعصوم لا بُدَّ منه بعد موت النبیّ؛ وذلک لأنّ الأحکام تتجدّد تبعاً للموضوعات، والأحوال تتغیَّر، وللقضاء على الاختلاف فی تفاسیر القرآن، وفی فَهم الأحادیث وغیر ذلک. ولو کانت عِصمه النبیّ ( ص ) وکمال الدین کافیین لَما حَدث الاختلاف، فثبت أنّه لا بدَّ مِن إمام مَعصوم یُبیّن لنا معانی القرآن، ویُعیّن لنا مَقاصد الشَرع کما هو مُراده إلى آخر ما ذکروه فی المقام، فقال ابن تیمیّه: لا یُسلّم أهل السُنّه أن یکون الإِمام حافظاً للشَرع بعد انقطاع الوحی؛ لأنّ ذلک حاصل للمجموع، والشَرع إذا نَقله أهلُ التواتُر کان ذلک خیراً مِن نقل الواحد، فالقُرّاء معصومون فی حفظ القرآن وتبلیغه، والمحدثون معصومون فی حفظ الأحادیث وتبلیغها، والفُقهاء مَعصومون فی الکلام والاستدلال (۳ ).
ویختلف هُنا ابن تیمیّه عن الرازی، فإذا کانت العِصمه عند الرازی لمجموع الأُمّه، فهی عند ابن تیمیّه لجماعه مِن الناس کالقرّاء والفقهاء والمُحدّثین. وهنا یَشترط ابن تیمیّه العصمه؛ لضمان حِفظ مضمون الشریعه کما هو الحال عند الآخرین مِن الشیعه وغیرهم، فما الذی أجازها لمجموعه ومنعها عن فرد؟
إنّ عدد المعصومین عند الشیعه لا یَتجاوز الأربعه عَشَر، وهُم مجموعه مُنتَخبه خَصّها الله تعالى بکثیر مِن الفضائل بإجماع فِرَق المُسلِمینَ، فلماذا نَستکثر علیهم العِصمه، ونجیزها لغیرهم؟ مجرد سؤال.
رأی جُمهورِ السُنّهِ فی العِصمَه
یمکن القول أنّ جُمهور السُنّه یُصحّحون الحدیث المرویَّ عن النبیّ (ص)، وهو قوله صلى الله علیه وآله وسلّم: ( أصحابی کالنجوم بأیهم اقتدیتم اهتدیتم ) (۴)، ولازم هذا الحدیث عِصمه الصحابه کما سَیرِد به التصریح مِن بعضهم؛ لأنّ صحَّه الإِقتداء
بأیٍّ مِنهم ومتابعته فی الظُلم لو حصلت حال کونه مُرتکباً للذنب ـ وهو الحاصل مِن کونه غیر معصوم ـ فمعناه الأمر مِن الله تعالى باتّباع العاصی والظالم ولو لنفسه، وإذا لم یُتابع ویعمل بما أراده النبیّ، فإنّ معناه ترکُ أمر القرآن؛ لأنّه قال: ( وَمَا آتَاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ) (۵)، والصحابیُّ هُنا ینقل أمرَ الرسول.
فإن قُلت: إنّ الله تعالى أمَرَنا بأن نأخذ الحدیث مِن العادل الثِقه لقوله تعالى: ( یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِن جَاءکُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَیَّنُوا أَن تُصِیبُوا قَوْماً بِجَهَالَهٍ ) الحجرات: ۶ التی دلَّت بمفهومها على حُجیّه خَبر العادل، ونحن لا نأخذ الأمر إلاّ مِن العادل مِنهم.
قُلت: إنّ ذلک یدلُّ بالمفهوم على أنّ فیهم غیرُ العادل حینئذ وهو المطلوب.
وعلى العموم، إنّ لازم الحدیث المذکور عصمه الصحابه، وما سَمعنا مَن یُنکر على هؤلاءِ، فلماذا إذا قال الشیعه بعصمه أئمّتهم یُنتَقدون؟
التفتازانی والعصمه
یقول التفتازانی ـ وهو مِن أجلاء علماء السُنّه ـ فی کِتابه شرح المقاصد: احتجَّ أصحابنا على عدم وجوب العصمه بالإِجماع على إمامه أبی بَکر وعُمر وعُثمان ( رض ) مع الإِجماع على أنّهم لم تَجب عِصمتهم، وإن کانوا مَعصومین بمعنى أنّهم مُنذ آمنوا کان لهم مَلَکه اجتناب المعاصی مع التَمکّن مِنها (۶)، وفی هذا النصّ أُمور:
۱ ـ إنّ التفتازانی هُنا یُصرِّح بعصمه الخُلفاء الثلاثه.
۲ ـ یقول: إنّ عِصمتهم غیر واجبه. بمعنى أنّهم لا یقسرون علیها، وإلاّ فلا یُتصور تَعلّق الأحکام بالأُمور التکوینیّه، وإنّما مجال الأحکام السُلوک الاختیاری، والاستعداد لقبول العِصمه أمرٌ مخلوق فیهم.
۳ ـ مفاد کلامه: أنّ العصمه ملَکَهٌ تمنع صاحبها مِن مُقارفه الذنب لا على
نحو سَلب الاختیار، وهذا عین ما یقوله الشیعه فی أئمتهم، ولیرجع مَن شاء إلى بحث العصمه فی کُتُب الکلام الشیعیّه، وعلى هذا، فلماذا هذه الجعجعه یا مسلمون؟!
شَمسُ الدین الأصفهانی ونور محمّد والعصمه
یذهب الحافظ نور محمّد وشمس الدین الأصفهانی، الأوّل فی تاریخ مزار شریف ، والثانی کما نَقله عنه الغدیر إلى أنّ الخلیفه عُثمان معصوم (۷)، وقد نَقله عن کتابه مطالع الأنظار . والرجُلان مِن علماء أهل السُنّه.
الإِیجی والعصمه
یذهب عبد الرحمان الإِیجی صاحِب کتاب المواقف فی نفس الکتاب إلى عِصمه الخُلفاء، وعلى النحو الذی قال به التفتازانی فیما ذکرناه عنه، أی أنّها مَلَکه فیهم لا توجب سلب الاختیار(۸)، وهو مِن عُلماء السُنّه، وقد کَشَفت لنا هذه الجوله، أنّ الشیعه لا ینفردون بالقول بالعِصمه، بل عُلماء السُنّه یذهبون لذلک.
إذاً فما هو وجه نِسبتها إلى عبد الله بن سَبَأ؟ وما هو وجه نقد الشیعه على القول بها؟
أنا لا أُرید أن أحُشِّد للقارئ نَقد کُتُب السُنّه ومؤلَّفیهم حول موضوع العِصمه، فإنّ کُتبهم طافحه بذلک، ولکن سأستعرض لک رأی کاتب یعیش فی القرن العشرین، وفی عصر الذرَّه بالذات، وهو وأَیم الحق مِن أکثر أهل السُنّه الّذین قرأتُ لهُم اعتدالاً فی الکتابه عن الشیعه، ولکن مع ذلک کُلّه تبقى الرواسب فی النُفوس تعمل عَملها.
إنّی أعتقد أنّ هذا الرجل قد بحث فی کُتُب الشیعه وغیرهم قبل أن یَکتُب کِتابه؛ وذلک لِما رأیت له مِن کَثره المصادر مع افتراض أنّه اطّلع على آراء أهل السُنّه فی هذه المواضیع، فلماذا الإِنکار على الشیعه دون الآخرین، وإذا کان لم یطَّلِع ـ وهو ما أَستبعده ـ فلماذا یکتب؟
ـــــــــــــــــــ
(۱) المُستصفى، مبحث أرکان الإِجماع.
(۲) نَظریّه الإِمامه: ۱۱۷٫
(۳) نَظریّه الإِمامه: ۱۲۰٫
(۴) طبقات الفُقهاء للشیرازی: ص۳٫
(۵) الحشر: ۷٫
(۶) شرح المقاصد بِتوسّط الغدیر للأمینی: ۹/۳۷۵٫
(۷) الغدیر نفس: ۹/۳۷۵٫
(۸) الغدیر لأمینی: ۷/۱۴۰٫ المواقف: ص۳۹۹٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.