عصمه النبی صلّى الله علیه وآله وسلّم
العصمه عباره عن لطف یفعله الله فی المکلّف ، بحیث لا یکون له مع ذلک داع إلى ترک الطاعه ولا إلى فعل المعصیه مع قدرته على ذلک ، ویحصل انتظام ذلک اللطف بأنْ یحصل له ملکه مانعه من الفجور والإقدام على المعاصی مضافاً إلى العلم بما فی الطاعه من الثواب ، والعصمه من العقاب ، مع خوف المؤاخذه على ترک الأولى ، وفعل المنهی. وربّما تعرّف بأنّها قوّه تمنع الإنسان عن اقتراف المعصیه والوقوع فی الخطأ.
القرآن الکریم طرح عصمه النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم فی أکثر من آیه ، وأهم تلک الآیات والتی فیها الکفایه قوله تعالى : ( وَمَا یَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إلاَّ وَحْیٌ یُوحَى ) (١).
کلمه ـ ما ـ التی فی الآیه نافیه ، والنطق فیها عام ، أی أنّ کلّ ما یتکلّم أو ینطق به النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم لا یکون عن هوى أو میل النفس ، بل إنّ کلّ ما ینطق به هو وحی من الله ألقی فی روعه وأوحی إلى قلبه ، وهذا النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم الذی لا یتکلّم ولا ینطق عن الهوى أو عن میل النفس ، بل یعتمد فی منطقه على الوحی ، یکون محفوظاً ومصوناً عن الزلل أو الخطأ أو السهو فی کلّ ما یأخذ عن الله ، وکلّ ما یبلّغ به ، قال تعالى : ( مَا کَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) (٢) ، وقال تعالى : ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ) (٣).
فنرى الآیتین تشیران بوضوح إلى أنّ النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم لا ینطق عن میول نفسانیه ، وأنّ ما ینطق به وحی القى فی روعه وأوحى فی قلبه ، ومن لا یتکلّم عن المیول النفسانیه ویعتمد فی منطقه على الوحی یکون مصوناً من الزلل فی المرحلتین : مرحله الأخذ والتبلیغ ، اّذ قال سبحانه : ( مَا کَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) ، ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ).
وفی التعبیر عن عصمه النبیّ الأکرم صلى الله علیه وآله وسلم نجد فی نهج البلاغه للإمام علی علیه السلام فی خطبته القاصعه یقول : « ولقد قرن الله به من لدن أنْ کان فطیماً أعظم ملک من ملائکته ، یسلک به طریق المکارم ، ومحاسن أخلاق العالم لیله ونهاره » (4).
ودلاله هذه الجمل من هذه الخطبه على عصمه النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم فی القول والعمل عن الخطأ والزلل واضحه ، فإنّ من ربّاه أعظم ملک من ملائکه الله سبحانه من لدن أنْ کان فطیماً ، إلى أُخریات حیاته الشریفه ، لا تنفکّ عن المصونیه من العصیان والخطأ ، کیف وهذا الملک یسلک به طریق المکارم ، ویربیه على محاسن أخلاق العالم ، لیله ونهاره ، لا یعصی ولا ینحرف عن الجادّه الوسطى ، ولیست المعصیه إلا سلوک طریق المآثُمّ ومساوئ الأخلاق ، ومن یسلک الطریق الأوّل یکون متجنباً عن سلوک الطریق الثانی.
إنّ حیاه الأنبیاء من لدن ولادتهم إلى زمان بعثتهم ، مشحونه بالمجاهدات الفردیه ، والاجتماعیه ، فقد کانوا یجاهدون النفس الأماره أشدّ الجهاد ، ویمارسون تهذیب أنفسهم ، بل ومجتمعهم ، فهذا هو یوسف الصدّیق علیه السلام جاهد نفسه الأمّاره وألجمها بأشدّ الوجوه عندما راودته من هو فی بیتها قال تعالى فی سوره یوسف : ( وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَیْتَ لَکَ ) ، فأجاب بالرد والنفی بقوله : ( مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّی أَحْسَنَ مَثْوَایَ إِنَّهُ لاَ یُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (۵).
وهذا موسى کلیم الله وجد فی مدین امرأتین تذودان واقفتین على بعد من البئر ، فقدم إلیهما قائلاً : ما خطبکما ؟ فقالتا : إنّا لا نسقی حتّى یصدر الرعاء ، وأبونا شیخ کبیر ، وعند ذلک لم یتفکر فی شیء إلا فی رفع حاجتهما ، ولأجل ذلک سقى لهما ثُمّ تولّى إلى الظل قائلاً : ( رَبِّ إِنِّی لِمَا أَنزَلْتَ إِلَیَّ مِنْ خَیْر فَقِیرٌ ) (۶).
وکم هناک من شواهد تاریخیه على جهاد الأنبیاء وقیامهم بواجبهم فی شبابهم إلى زمان بعثتهم التی تصدّت لذکرها الکتب السماویه وقصص الأنبیاء وتواریخ البشر.
ولیکن معلوماً أنّ العصمه لا تتعارض مع مسأله لا جبر ولا تفویض بل أمر بین أمرین ، لأنّ المعصوم أولاً هو مکلّف ، قال تعالى فی سوره الأعراف : ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِینَ أُرْسِلَ إِلَیْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِینَ ) (۷) ، إذاً هم مکلّفون کسائر البشر ، ولذلک فإنّ ترک الطاعه وفعل المعصیه یکون بداع نفسی یحمل الإنسان على الطاعه أو یحمله على ارتکاب المعصیه ، إلا أنّ العصمه تمسک المعصوم بحیث لا یبقى له داع إلى ارتکاب المعصیه أو ترک الطاعه والتکلیف الشرعی ، فالعصمه موهبه إلهیه لا تغیّر الطبیعه الإنسانیه المختاره.
إنّ هذا العلم ، أعنی ملکه العصمه لا یغیّر الطبیعه الإنسانیه المختاره فی أفعالها الإرادیه ، ولا یخرجها إلى ساحه الإجبار والاضطرار ، کیف والعلم من مبادئ الاختیار ، ومجرّد قوه العلم لا یوجب إلا قوه الإراده ، کطالب السلامه إذا أیقن بکون مانع ما سمّاً قاتلاً من حینه ، فإنّه یمنع باختیاره من شربه قطعاً ، وإنّما یضطر الفاعل ویجبر إذا أخرج المجبر أحد طرفی الفعل والترک من الإمکان إلى الامتناع ، ویشهد على ذلک قوله سبحانه وتعالى فی سوره الأنعام : ( وَاجْتَبَیْنَاهُمْ وَهَدَیْنَاهُمْ إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِیم * ذَلِکَ هُدَى اللّهِ یَهْدِی بِهِ مَن یَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَکُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا کَانُواْ یَعْمَلُونَ ) (۸) ، تفید الآیه أنّهم بإمکانهم أنْ یشرکوا بالله وإن کان الاجتباء أو الهدى الإلهی مانعاً من ذلک ، وقوله سبحانه وتعالى فی سوره المائده : ( یَا أَیُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَیْکَ مِن رَّبِّکَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) (۹) ، إلى غیر ذلک من الآیات.
إنّ الهدف الأسمى والغایه القصوى من بعث الأنبیاء هو هدایه الناس إلى التعالیم الإلهیه والشرائع المقدّسه ، ولا تحصل تلک الغایه إلا بإیمانهم بصدق المبعوثین ، وإذعانهم بکونهم مرسلین من جانبه سبحانه ، وإنّ کلامهم وأقوالهم کلامه وقوله سبحانه ، وهذا الإیمان والإذعان لا یحصل إلا بإذعان آخر وهو الإذعان بمصونیتهم من الخطأ فی مجال تبلیغ الرساله ، أعنی المصونیه فی مقام أخذ الوحی أوّلاً ، والمصونیه فی مقام التحفّظ علیه ثانیاً ، والمصونیه فی مقام الإبلاغ والتبیین ثالثاً ، ومثل هذا لا یحصل إلا بمصونیه النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم عن الزلل والخطأ عمده وسهوه فی تحمل رسالات الله وإبلاغها لعباده ، فالآیات القرآنیّه تؤکّد على عصمه الأنبیاء فی أخذ الوحی وحفظه وإبلاغه.
قال سبحانه وتعالى فی سوره البقره : ( کَانَ النَّاسُ أُمَّهً وَاحِدَهً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِیِّینَ مُبَشِّرِینَ وَمُنذِرِینَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْکِتَابَ بِالْحَقِّ لِیَحْکُمَ بَیْنَ النَّاسِ فِیمَا اخْتَلَفُواْ فِیهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِیهِ إِلاَّ الَّذِینَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَیِّنَاتُ بَغْیًا بَیْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِینَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِیهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ یَهْدِی مَن یَشَاء إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِیم ) (۱۰).
الآیه تصرّح بأنّ الهدف من بعث الأنبیاء هو القضاء بین الناس فی ما اختلفوا فیه ، ولیس المراد من القضاء إلا القضاء بالحقّ ، وهو فرع وصول الحقّ إلى القاضی بلا تغییر وتحریف.
ویقول سبحانه وتعالى فی سوره النجم : ( وَمَا یَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إلاَّ وَحْیٌ یُوحَى ) (۱۱).
فالآیه تصرّح بأنّ النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم لا ینطق عن الهوى ، أی لا یتکلم بداعی الهوى. فالمراد إمّا جمیع ما یصدر عنه من القول فی مجال الحیاه کما هو مقتضى إطلاقه أو خصوص ما یحکیه من الله سبحانه ، فعلى کلّ تقدیر فهو یدل على صیانته وعصمته فی مجال إبلاغ الرساله.
إنّ القرآن الکریم یؤکّد ویصرّح بأنّ الهدف من بعث الأنبیاء هو تزکیه نفوس الناس وتصفیتهم من الرذائل وغرس الفضائل فیها ، قال سبحانه حاکیاً عن لسان إبراهیم : ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِیهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ یَتْلُو عَلَیْهِمْ آیَاتِکَ وَیُعَلِّمُهُمُ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَهَ وَیُزَکِّیهِمْ إِنَّکَ أَنتَ العَزِیزُ الحَکِیمُ ) (۱۲) ، ( لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِینَ إِذْ بَعَثَ فِیهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ یَتْلُو عَلَیْهِمْ آیَاتِهِ وَیُزَکِّیهِمْ وَیُعَلِّمُهُمُ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَهَ وَإِن کَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِی ضَلال مُّبِین ) (۱۳).
والمراد من التزکیه هو تطهیر القلوب من الرذائل ، وإنماء الفضائل ، وهذا ما یسمّى فی علم الأخلاق بـ ( التربیه ) ولا شکّ أنّ تاثیر التربیه فی النفوس یتوقف على إذعان من تراد تربیته بصدق المربّی وإیمانه بتعالیمه ، وهذا یعرف من خلال عمل المربّی بما یقوله ویعلمه ، وإلا فلو کان هناک انفکاک بین القول والعمل ، لزال الوثوق بصدق قوله ، وبالتالی تفقد التربیه أثرها ، ولا تتحقّق حینئذ الغایه من البعث.
إنّ الله سبحانه یطرح عصمه الأنبیاء فی القرآن الکریم ویصفهم بهذا الوصف بشکل جلّی واضح یدرکه العقل السوی.
قال سبحانه وتعالى فی سوره الأنعام : ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَیَعْقُوبَ کُلاًّ هَدَیْنَا وَنُوحًا هَدَیْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّیَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَیْمَانَ وَأَیُّوبَ وَیُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَکَذَلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ * وَزَکَرِیَّا وَیَحْیَى وَعِیسَى وَإِلْیَاسَ کُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِینَ * وَإِسْمَاعِیلَ وَالْیَسَعَ وَیُونُسَ وَلُوطًا وَکُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِینَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّیَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَیْنَاهُمْ وَهَدَیْنَاهُمْ إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِیم ) (۱۴).
وقال سبحانه وتعالى فی سوه ر الأنعام : ( أُوْلَـئِکَ الَّذِینَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِکْرَى لِلْعَالَمِینَ ) (۱۵).
والآیه الأخیره تصف الأنبیاء بأنّهم مهدیّون بهدایه الله سبحانه على وجه یجعلهم القدوه والأسوه.
هذا من جانب ومن جانب آخر نرى أنّه سبحانه یصرّح بأنّ من شملته الهدایه الإلهیه لا مضلّ له ، ویقول سبحانه وتعالى فی سوره الزمر : ( وَمَن یُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * وَمَن یَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلّ ) (۱۶).
وفی آیه ثالثه یُصرّح بأنّ حقیقه العصیان فی الانحراف عن الجادّه الوسطى ، بل هل الضلاله ، ویقول سبحانه وتعالى فی سوره یس : ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَیْکُمْ یَا بَنِی آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّیْطَانَ إِنَّهُ لَکُمْ عَدُوٌّ مُّبِینٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِی هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِیمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنکُمْ جِبِلاً کَثِیرًا أَفَلَمْ تَکُونُوا تَعْقِلُونَ) (۱۷).
وبملاحظه هذه الآیه الشریفه تظهر قضیه العصمه بوضوح ، فإنّ الله سبحانه وتعالى یصف الأنبیاء بأنّهم القدوه. وإنّ من شملته الهدایه الإلهیه لا ضلاله له ولا مضلّ له ، وإنّ العصیان هو نفس الضلاله ومقارن لها وملازم لها ، فعندما یقول الحقّ سبحانه فی سوره یس : ( وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنکُمْ جِبِلاً کَثِیرًا ) (۱۸) ، فهل کانت ضلالتهم إلا العصیان ومخالفه أمر الله وعدم اجتناب نهیه.
فإذا کان الأنبیاء مهدیین بهدایه الله سبحانه وتعالى ، فإنّ الضلال لا یتطرّق إلى من هداه الله واجتباه واصطفاه لتبلیغ الحقّ والهدى إلى العباد ، ومن یحمل کلّ هذه الصفات ، فإنّ المعصیه والتی هی فی الأصل ضلال عن الحقّ لا یمکن أنْ تتطرّق إلیه أیضاً ، فماذا بعد الحقّ إلا الضلال.
أضف إلى ذلک أنّ الله سبحانه وتعالى وعد المطیعین لله والرسول صلى الله علیه وآله وسلم بأنّهم من الذین یحشرون مع النبیین والصدّیقین والشهداء والصالحین الذین أنعم الله علیهم ، إذ یقول سبحانه وتعالى فی سوره النساء : ( وَمَن یُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِکَ مَعَ الَّذِینَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَیْهِم مِّنَ النَّبِیِّینَ وَالصِّدِّیقِینَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِینَ وَحَسُنَ أُولَـئِکَ رَفِیقًا ) (۱۹).
وعلى مفاد هذه الآیه فالأنبیاء من الذّین أنعم الله علیهم بلا شک ولا ریب ، وهو سبحانه یصف تلک الطائفه ، أعنی : من أنعم علیهم ( بقوله : بأنّهم ) غیر المغضوب علیهم ولا الضالین.
فإذا انظمت الآیه الأولى الواصفه للأنبیاء بالإنعام علیهم ، إلى هذه الآیه الواصفه بأنّهم غیر المغضوب علیهم ولا الضالین ، یستنتج عصمه الأنبیاء بوضوح ; لأنّ العاصی من یشمله غضب الله سبحانه ویکون ضالاً بقدر عصیانه ومخالفته.
ثُمّ إنّ الحقّ تبارک وتعالى یصف جمله من الأنبیاء ویقول فی حقّ إبراهیم وإسحاق ویعقوب وموسى وهارون وإسماعیل وإدریس فی سوره مریم : ( أُوْلَئِکَ الَّذِینَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَیْهِم مِّنَ النَّبِیِّینَ مِن ذُرِّیَّهِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح وَمِن ذُرِّیَّهِ إِبْرَاهِیمَ وَإِسْرَائِیلَ وَمِمَّنْ هَدَیْنَا وَاجْتَبَیْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَیْهِمْ آیَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُکِیًّا ) (۲۰).
فهذه الآیه الشریفه تصف الأنبیاء بأنّهم قد أنعم الله علیهم وأنّ الله هداهم واجتباهم وأنّهم ملازمین لطاعته والإنابه إلیه.
وفی آیه أخرى یحثّ الحقّ سبحانه ویدعو المسلمین على اتّباع واقتفاء أثر النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم ومتابعته وطاعته بمختلف التعابیر والعبارات ، یقول سبحانه وتعالى فی سوره آل عمران : ( قُلْ إِن کُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِی یُحْبِبْکُمُ اللّهُ وَیَغْفِرْ لَکُمْ ذُنُوبَکُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِیمٌ * قُلْ أَطِیعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فاِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ یُحِبُّ الْکَافِرِینَ ) (۲۱).
ویقول سبحانه وتعالى فی سوره النساء : ( مَّنْ یُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ ) (۲۲).
ویقول سبحانه وتعالى فی سوره النور : ( وَمَن یُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَیَخْشَ اللَّهَ وَیَتَّقْهِ فَأُوْلَئِکَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (۲۳).
کما أنّه سبحانه یندّد بمن یتصوّر أنّ على النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم أن یقتفی الرأی العام فیقول سبحانه وتعالى فی سوره الحجرات : ( وَاعْلَمُوا أَنَّ فِیکُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ یُطِیعُکُمْ فِی کَثِیر مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ) (۲۴).
وخلاصه القول : إنّ هذه الآیات تدعو إلى إطاعه النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم والاقتداء به بلا قید وشرط ، ومن وجبت طاعته على وجه الإطلاق أی بلا قید وشرط یجب أنْ یکون معصوماً من العصیان ومصوناً على الخطأ والزلل والسهو والغفله والنسیان.
کیف وقد وصف الرسول صلى الله علیه وآله وسلم بأنّه الأسوه الحسنه فی قوله سبحانه فی سوره الأحزاب : ( لَقَدْ کَانَ لَکُمْ فِی رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَهٌ حَسَنَهٌ لِّمَن کَانَ یَرْجُو اللَّهَ وَالْیَوْمَ الآْخِرَ وَذَکَرَ اللَّهَ کَثِیرًا ) (۲۵).
فکونه أُسوه حسنه فی جمیع المجالات لا یتفق إلا مع عصمته المطلقه ، بخلاف من یکون أُسوه فی مجال دون مجال ، وعلى ذلک فهو مصون من الخلاف والعصیان والخطأ والزلل.
وإلیک الآن مجموعه أخرى من الآیات القرآنیه والتی تدلّل فی معانیها عصمه الأنبیاء من الزلل والخطأ.
یقول سبحانه وتعالى فی سوره النساء : ( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَیْکَ الْکِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْکُمَ بَیْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاکَ اللّهُ وَلاَ تَکُن لِّلْخَآئِنِینَ خَصِیمًا ) (۲۶).
ویقول سبحانه وتعالى فی سوره النساء : ( وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَیْکَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَهٌ مُّنْهُمْ أَن یُضِلُّوکَ وَمَا یُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا یَضُرُّونَکَ مِن شَیْ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَیْکَ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَهَ وَعَلَّمَکَ مَا لَمْ تَکُنْ تَعْلَمُ وَکَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَیْکَ عَظِیمًا ) (۲۷).
ویقول سبحانه وتعالى فی سوره البقره : ( وَکَذَلِکَ جَعَلْنَاکُمْ أُمَّهً وَسَطًا لِّتَکُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَیَکُونَ الرَّسُولُ عَلَیْکُمْ شَهِیدًا ) (۲۸).
ویقول سبحانه وتعالى فی سوره النساء : ( فَکَیْفَ إِذَا جِئْنَا مِن کُلِّ أمَّه بِشَهِید وَجِئْنَا بِکَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِیدًا ) (۲۹).
ویقول سبحانه وتعالى فی سوره النحل : ( وَیَوْمَ نَبْعَثُ مِن کُلِّ أُمَّه شَهِیدًا ثُمَّ لاَ یُؤْذَنُ لِلَّذِینَ کَفَرُواْ وَلاَ هُمْ یُسْتَعْتَبُونَ ) (۳۰).
ویقول سبحانه وتعالى فی سوره الزمر : ( وَوُضِعَ الْکِتَابُ وَجِیَ بِالنَّبِیِّینَ وَالشُّهَدَاء ) (۳۱).
والشهاده فی هذه الآیات مطلقه غیر مقیّده ، وظاهرها جمیعها هو الشهاده على أعمال الأمم وعلى تبلیغ الرسل کما تبیّن لک الآیه التالیه وهی قوله تعالى فی سوره الأعراف : ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِینَ أُرْسِلَ إِلَیْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِینَ ) (۳۲) ، وهذه الشهاده وإن کانت فی الآخره ویوم القیامه لکن یتحملها الشهود فی الدنیا على ما یدل علیه قوله سبحانه : ( وَکُنتُ عَلَیْهِمْ شَهِیدًا مَّا دُمْتُ فِیهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّیْتَنِی کُنتَ أَنتَ الرَّقِیبَ عَلَیْهِمْ وَأَنتَ عَلَى کُلِّ شَیْ شَهِیدٌ ) (۳۳) ، ویقول سبحانه وتعالى : ( وَیَوْمَ الْقِیَامَهِ یَکُونُ عَلَیْهِمْ شَهِیدًا ) (۳۴).
ومن الواضح أنّ الشهاده فرع العلم ، وعدم الخطأ فی تشخیص المشهود به ، فلو کان النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم من الشهداء یجب ألا یّکون خاطئاً فی شهادته ، فالآیه تدلّ على صیانته وعصمته من الخطأ فی مجال الشهاده.
کما تدلّ على سعه علمه إذا شهد ، فإذا شهد شهد على الکفر والإیمان ، والریاء والإخلاص ، وبالجمله على کلّ خفیّ عن الحس ومستبطن عند الإنسان ، أعنی ما تکسبه القلوب وعلیه یدور حساب ربّ العالمین ، قال تعالى فی سوره البقره : ( وَلَکِن یُؤَاخِذُکُم بِمَا کَسَبَتْ قُلُوبُکُمْ ) (۳۵) ، ولا شکّ أنّ الشهاده على حقائق أعمال الأمّه خارج عن وسع الإنسان العادی إلا إذا تمسّک بحبل العصمه وولی أمر الله بإذنه.
هذه جمله من الآیات القرآنیه تدلّل بمجملها على عصمه الأنبیاء والمرسلین جمیعاً ، ونخصّ بالذکر نبیّنا ورسولنا محمّد صلى الله علیه وآله وسلم ، وهذا أمر لا مریه فیه ولا أدنى شک عند الأئمّه المعصومین من أهل البیت علیهم السلام وأتباعهم ، فهم على الاعتقاد بعصمه النبیّ محمّد صلى الله علیه وآله وسلم منذ وفاته وحتّى یومنا هذا.
فأتباع مذهب أهل البیت علیهم السلام یدرؤون عن کلّ ما أحیط بمسأله عصمه النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم من شبهات وأقاویل ، فهو بنظرهم معصوم فی أمور الدین والدنیا وقبل النبوّه وبعدها.
وأمّا أهل السنّه فإنّهم أیضاً یفضّلون شخص النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم على الأولین والآخرین ، إلا أنّهم یرون أنّ عصمته محدوده بالأمور الدینیه فقط ، والتی هی بنظرهم الأمور المتعلّقه بتبلیغ الرساله لیس إلاّ ، وما دون ذلک فهو کغیره من البشر یخطئ ویصیب ، حتّى أنهم ینفون عصمه النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم فی تبلیغ التشریع أیضاً ، والأمثله على ذلک نتطرق إلیها لاحقاً من خلال هذا البحث.
وکذلک عند علمائهم أبحاث مطوّله فی سؤالهم هل یجوز فی حقّ الرسول أنْ یکون مجتهداً ؟ والغالبیه العظمى منهم أقرّوا بأنّه یجوز فی حقّ الرسول صلى الله علیه وآله وسلم أنْ یکون مجتهداً ، فمن المعلوم أنّ المجتهد یصیب ویخطئ ، وحتّى یبرّروا قولهم هذا استندوا إلى نصوص لا یمکن لکلّ عاقل منصف أنْ یقبل بها ، ولکنّ أهل السنّه اعتقدوا بتلک النصوص وضربوا بکلّ تلک الآیات التی تؤکّد عصمه النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم عرض الحائط.
_________________________________________
۱٫ النجم : ٣ ـ ۴.
۲٫ النجم : ١١.
۳٫ النجم : ١٧.
۴٫ نهج البلاغه شرح محمّد عبده ٢ : ١۵٧.
۵٫ یوسف : ٢٣.
۶٫ القصص : ٢۴.
۷٫ الأعراف : ۶.
۸٫ الأنعام : ٧٨ ـ ٨٨.
۹٫ المائده : ۶٧.
۱۰٫ البقره : ٢١٣
۱۱٫ النجم : ٣ ـ ۴.
۱۲٫ البقره : ١٢٩.
۱۳٫ آل عمران : ١۶۴.
۱۴٫ الأنعام : ٨۴ ـ ٨٧.
۱۵٫ الأنعام : ٩٠.
۱۶٫ الزمر : ٣۶ ـ ٣٧.
۱۷٫ یس : ۶٠ ـ ۶٢.
۱۸٫ یس : ۶٢.
۱۹٫ النساء : ۶٩.
۲۰٫ مریم : ۵٨.
۲۱٫ آل عمران : ٣١ ـ ٣٢.
۲۲٫ النساء : ٨٠.
۲۳٫ النور : ۵٢.
۲۴٫ الحجرات : ٧.
۲۵٫ الأحزاب : ٢١.
۲۶٫ النساء : ١٠۵.
۲۷٫ النساء : ١١٣.
۲۸٫ البقره : ١۴٣.
۲۹٫ النساء : ۴١.
۳۰٫ النحل : ٨۴.
۳۱٫ الزمر : ۶٩.
۳۲٫ الأعراف : ۶.
۳۳٫ المائده : ١١٧.
۳۴٫ النساء : ١۵٩.
۳۵٫ البقره : ٢٢۵.
مقتبس من کتاب سبیل المستبصرین