إثارات حول صلح الإمام الحسن علیه السلام

0

أشبع أساتذتنا الباحثون صلح الإمام الحسن علیه السلام بحثاً ونقاشاً ودراسات ، وبقی أن نصول صوله خطابیه مع هذا الصلح لنستجلی بعض صوره ، لا کصوره دراسه وإنّما بصوره ( إثاره ) بصوره ( طرح مسائل ) هی بأشد الحاجه إلى أن تُدرس أکثر.
فی مثل هذه الموالید وفی مثل هذه الاحتفالات عندما نحاول أن ندرس موقف الأئمه علیهم السلام ، قد نغفل أحیاناً عن متطلبات یتطلبها البحث وقد نحیط ببعض الجوانب ونترک جوانب اُخرى.
لکن نحن عندما نحاول أن ندخل إلى عالم الأئمه علیهم السلام أرى أنّه من المناسب لنا فی هذا الدخول البطیء أن نحاول أن نأخذ أشیاء نمضی بها ، نحاول

أن نأخذ أشیاء نعیش معها ، أن تکون واقعنا ، أن تکون خبزنا ، أن تکون ماءنا ، یا ترى فی عالم الإمام الحسن علیه السلام أیَّ صوره نستجلی ؟ أیُّ بحثٍ یمکن أن نخوضه دون أن نخرج بآلاف الدراسات ، ودون أن نخرج بآلاف الدروس التی تمدّنا فی خضمّ هذه الحیاه المستمره وهجاً بعد وهج وحیاهً بعد حیاه؟
دعونا نمرّ مع الإمام الحسن علیه السلام فی صلحه بخطوات ولتکن أولى تلک الخطوات هی شجاعه الإمام الحسن علیه السلام ، لماذا صلح الإمام الحسن علیه السلام بالذات؟
لماذا شجاعه الإمام الحسن علیه السلام عند الحدیث عن صلح الإمام الحسن علیه السلام ؟ الکثیر أثاروا نقطه أنّ الإمام الحسن علیه السلام کان مسالماً! وکان مداهناً! وکان مداهناً! ووجهوا ولله الحمد بعدّه مواجهات وکانت کافیه وقویه فی حدّ ذاتها.
الإمام الحسن بن علی علیه السلام عندما تدرس شجاعته تمتلک فی ذلک النصوص العدیده.
خذوا معی ذلک النص الذی یرویه ( الدنیوری ) فی ( الأخبار الطوال ) : عندما أرسل الإمام علی بن أبی طالب علیه السلام ابنه الحسن إلى الکوفه فی حرب الجمل لیدعو الناس إلى هذا الجهاد ، استطاع الإمام الحسن علیه السلام أن یجمع تسعمائه مقاتل.
فی إرساله إلى الکوفه ؟ وأن یجمع تسعمائه مقاتل ؟ ووالی الکوفه أبو موسى الأشعری الذی تدین له الکوفه بولاءات عدیده ؟ هذا من الصعب ، لکنه عند الإمام الحسن المقاتل والشجاع وذی الحنکه السیاسیه المتمیزه سهل جداً.
فی حرب صفین یقول الإمام علی علیه السلام أنّه یخاف ان ینقطع بقتل هذین نسل رسول الله صلى الله علیه وآله لماذا ؟ لأنّ هذین الأثنین ( الحسن والحسین ) کانا قد

أظهرا شجاعه متمیزه فی قتالهم لأولئک الکفار ، ولذلک کان الإمام یطالب بأن یوقفا هذه الصوله.
ثم نحاول أن ندرس الصلح من نواح اُخرى ، الصلح کان نصراً ، قاله الشعراء والباحثون.
بعض الباحثین قال إنّه یجب أن یُشبّه هذا الصلح بصلح الحدیبیه من عدّه نواح : من الناحیه التشریعیه ومن الناحیه الانتصاریه؛ فمن الناحیه التشریعیه : الصلح شرع فی الإسلام وأکبر دلیل على ذلک صلح رسول الله صلى الله علیه وآله وکما هو فی اعتقادنا أنّ الإمامه لیست إلاّ امتداداً للنبوه والرساله.
لکن هل بُلی الإمام الحسن علیه السلام بما یلی به رسول الله صلى الله علیه وآله من عدم التسلیم بالصلح؟
نعم ، کان الرسول صلى الله علیه وآله واجه شرذمه کانت ترفض الصلح إلاّ أنّ حیاه الرسول صلى الله علیه وآله استطاعت أن تتعمّق فی ذلک المجتمع حتى جعلت الصلح یأخذ مساره ویأخذ انتصاراته.
لکن القضیه تختلف عند الإمام الحسن علیه السلام ، فالإمام الحسن علیه السلام کان یعیش عصراً لم یؤمن ذلک الإیمان المتطلّب بامتداد الإمامه کامتداد أساسی وجذری للرساله ، ولذلک کان هنالک عدّه إشکالات وعدّه دوائر ـ عندهم ـ على هذا الصلح.
النصر الذی أحرزه المسلمون فی صلح الحدیبیه یذکر عنه جمیع المؤرخین أشیاء مذهله ، کان عدد المسلمین أیام الصلح ألف وأربعمائه مسلم ولکنّه فی روایه ابن هشام عن الزهری امتد إلى عشره آلاف بعد صلح الحدیبیه. وأمّا صلح الحسن وانتصاره لو لم یکن من انتصار صلح الحسن علیه السلام إلاّ انتصار عاشوراء لکفاه انتصاراً مدى التاریخ ، أضف إلى ذلک إنّنا عندما نرى صلح الإمام الحسن علیه السلام نجد أمامنا عدّه انتصارات : حقن الدماء ، حفظ الهاشمیین ، الحفاظ على العتره ، الحفاظ على هذا الکتاب المقدّس. کل هذه انتصارات لا یمکن أن تخفى أمام الدارس والباحث.
عندما تحاول ان تسافر إلى النصوص خذ رحله إلى بحار الأنوار وحاول ان تتطلّع إلى ذلک الحدیث مع أبی سعید الذی یشرح فیه الإمام الحسن فوائد ذلک الصلح ووجهه نظره.
أمّا عن الصلح فی ذاته فقد قال الباحثون : إنّ الصلح کان مفروضاً على الإمام الحسن علیه السلام ، وإنّ الأوضاع السیاسیه التی کانت فی ذلک العصر فرضت على الإمام الحسن علیه السلام أن یصالح. هذا تعبیر قد یکون فیه نوع من التجاوز مع الإمام علیه السلام. إنّه موقف معصوم.
وهذه قضیه مسلمه لکن دعنا نکون أولی فلسفه فی حیاه الأئمه لنقول : إنّ سلطه الروم فی ذلک الوقت کانت تتحیّن الفرص للانقضاض على دوله الإسلام.
کثیر من اللصوص کما یروی الیعقوبی فی تاریخه ، وکما یروی ابن الأثیر وغیره کانوا یتوقّعون أن یتقاتل الجیشان لینقضوا على الإسلام ویبیدوه.
أیمکن فی موقف کهذا الموقف المریب وفی هذا الموقف الخطر جدّاً أن یقاتل الإمام الحسن؟! أم أنّ المتوقّع من إمام کهذا الإمام أن یصالح ؟ فی سبیل الحفاظ على بیضه الإسلام کما عمل أبوه أمیر المؤمنین علیه السلام.
انتقل معی إلى إثاره اُخرى ـ ونحن قلنا : إنّ البحث معنا لیس دراسه وإنّما إثارات ـ انطلق معنا إلى ضعف المعسکر الذی کان یقوده الإمام الحسن علیه السلام لترى عجبا!
تلک الخطبه التی یخطبها الإمام الحسن علیه السلام ویرویها صاحب بحار الأنوار

فیقول : « خطب الإمام الحسن بن علی علیه السلام بعد وفاه أبیه. فحمد الله وأثنى علیه ثم قال : « أمّا والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلّه ولا قلّه ، ولکنّا کنّا نقاتلهم بالسلامه والصبر ، فشیب السلامه بالعداوه والصبر بالجزع ، وکنتم تتوجهون معنا ودینکم أمام دنیاکم ، وقد أصبحتم الآن ودنیاکم أمام دینکم وکنّا لکم وکنتم لنا وقد صرتم الیوم علینا ، ثم أصبحتم تصدّون قتیلین : قتیلاً بصفّین تبکون علیهم ، وقتیلاً بالنهروان تطلبون بثأرهم فأمّا الباکی فخاذل وأمّا الطالب فثائر ، وإنّ معاویه قد دعا إلى أمر لیس فیه عزّ ولا نصفه ، فإن أردتم الحیاه قبلناه منه وغضضنا على القذى ، وإن أردتم الموت بذلناه فی ذات الله وحاکمناه إلى الله ، فنادى القوم بأجمعهم ، بل البقیه والحیاه ».
أیمکن لإمام معصوم علیه السلام فی هذا الجیش الخائر أن یخاطر بصفقه تجاریه خاسره مسبقاً. إنّها تجاره مع الله ولکن عند الأئمه علیهم السلام التجاره مع الله ذات أبواب عدّه لیس بابها واحداً فقط.
کان ذلک الجیش لا یؤمن بالإمام الحسن علیه السلام فمنهم مَن جاء لأجل أن یثور ، ومنهم مَن جاء وهم أتباعه أبیه وهم قلّه ، ومنهم مَن جاء یحبّ المال والثروه ، ومنهم مَن جاء ـ وهم الخوارج ـ وهدفهم الوحید أن یقاتلوا معاویه ، سواء کان الحسن قائدهم أم کان الحسین ، لیست القیاده عندهم اُسّاً أساسیاً فی قتال معاویه.
مثل هذا الجیش أیقدر على المواجهه؟! بغض النظر عن مسأله : هل یقدر الإمام الحسن على أن یقاوم به.
خذ مثلاً وأنت تعبر هذا الطریق الشائک عن القائد الخائن عبید الله بن العباس الذی سلّم الأمر لمعاویه ، وإرسال معاویه الجواسیس الذی أشاعوا فی صفوف الإمام الحسن علیه السلام أنّه قد سلّم.
جیشٌ ملأته شائعه أنّ الحسن قد سلّم وصالح ـ وهو لم یصالح بعد ـ ولم یلتق بمعاویه.
وهذا الجیش تعوّدنا منه کثیراً أن یقبل الشائعات فی کثیر من مواقف التواریخ مع الإمام علی فی ( صفّین ) وفی ( الجمل ) وفی ( النهروان ) ، هنا تعترضنا نقطه هامّه وهی أن ندرس الصلح وبنود الصلح.
إنّی أحب أن أثیر نقطه ( أنّ الصلح اختلفت بنوده ) ولا تجد نصاً تاریخیاً واحداً یجمع لنا الخمسه بنود التی طرحها الشیخ راضی آل یاسین فی کتابه ( صلح الإمام الحسن ) وإنّما جمعت.
مسأله تجمیع هذه الأسالیب لیست فقط فی سیره الإمام الحسن علیه السلام وإنّما فی سِیَر جمیع الأئمه علیهم السلام.
عندما نحاول أن ندرس بنود صلحهم ومصالحاتهم ، أو عندما نرید أن ندرس ثوراتهم نجد أنّ أشیاء تجمع من هنا وهناک.
یا ترى لماذا کان التاریخ لا یذکر الأسباب دفعه واحده ؟ لماذا کانت هذه المسائل تجمع ؟ دعها إثاره واعمل بها ما شئت.
إنّ الاستقراء التاریخی للصلح ـ والذی أودّ أن یکون ختام هذا الحدیث الخطابی المرتجل ـ أن الصلح سیاسه ، وسیاستنا ـ أیّها الأحبه ـ سیاسه الشیعه بالذات هی خبزهم وماؤهم الذی یسیر معهم.
إنّنا بالسیاسه عشنا ، وبالإمام الحسن علیه السلام وسیاسته ، وبالإمام الحسین علیه السلام وسیاسته ، وبالسجاد علیه السلام وسیاسته ، وبسیاسات جمیع الأئمه عشنا لنصنع السیاسه لا لتصنعنا ، فکنّا قاده الموقف ، لأنّ أئمتنا هم مَن صاغوا هذه السیاسه الإسلامیه.

أو لیس أولى بنا عندما ندرس صلح الإمام الحسن علیه السلام أو غیر صلح الإمام الحسن ، أو ثوره السجّاد أو ثوره الباقر والصادق أن نجعل هذه الأحداث السیاسیه امتدادات معاصره لنا؟
یا ترى ما هو الدرس الذی نستفیده من صلح الإمام الحسن علیه السلام سیاسیاً فی حیاتنا السیاسیه المعاصره ؟
إنّنا بحاجه إلى ( إثاره ).. إنّنا بحاجه إلى سیاسه تعیش معنا ، هکذا علمنا أئمتنا وأشرکونا فی حدثهم.
هل أوفینا أم لم نوف أم یجب علینا الإیفاء ؟ هذا حدیثکم أنتم!
والسلام علیکم ورحمه الله وبرکاته.
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.