حقیقه الحب الإلهی (۱)

0

ولا ریب أنّ ذلک الوداد والمیل الباطنی والعشق والشوق وغیر ذلک ممّا یتفرّع عن أصل الحبّ لا ینعقد ـ بل لا یتصوّر انعقاده ـ إلاّ بعد حصول المعرفه بالمحبوب، فلا یمکن أن یکون حبّ الشیء ولید الجهل به.
قال الرسول الأکرم صلى الله علیه وآله: (ما اتّخذ الله ولیّاً جاهلاً)۴٫ فالحبّ هو الولید الحقیقی والموروث الأوّل للمعرفه، وبقدر تلک المعرفه یکون الحبّ۵٫
وحیث إنّ الإنسان بطبعه مندفع نحو تحصیل کمالاته، فهو محبّ لها بالضروره. فالإنسان لفقده الذاتی یطالب الکمال المطلق الصادق على الغنیّ بذاته جلّ وعلا، ولذا تکون قلوب أحبّائه خلواً من الأغیار، إلاّ بفضل أصحابها بل بفضل صاحبها الأوحد جلّ وعلا.
یقول سیّد الشهداء الإمام أبو عبد الله الحسین علیه السلام: (أنت الذی أزلت الأغیار عن قلوب أحبّائک، حتّى لم یحبّوا سواک، ولم یلجؤوا إلى غیرک)۶٫
وإزاله الأغیار هذه لا تکون بمعجزه غیبیه وإنّما بالالتفات والتنبیه، بعد أن یکون العبد قد عرف القصد ووحّد المقصود، ومضى لیلقی بکلّیته فی محضر المعبود.
یروى (أنّ الکلیم موسى علیه السلام قد ناجى ربّه بالوادی المقدّس، فقال: یا ربّ إنّی أخلصت لک المحبّه منّی، وغسلت قلبی عمّن سواک ـ وکان شدید الحبّ لأهله ـ فقال الله تبارک وتعالى: (فَاخْلَعْ نَعْلَیْکَ)۷ أی انزع حبّ أهلک من قلبک إن کانت محبّتک لی خالصه، وقلبک من المیل إلى من سوای مغسولاً)۸٫
وحیث إنّ الحبّ هو ودّ ومیل، فإنّ المحبوب سوف یتنوّع بحسب القوّه المدرکه له. والقوى المدرکه إمّا أن تکون حواسَّ ظاهرهً أو حواسّ باطنه أو قوّه عاقله، وبتبع ذلک سوف تختلف اللذّه قوّه وضعفاً بحسب القوّه المدرِکه للمحبوب عندما تدرکه وتناله.
فاللذّات التی نحصل علیها بواسطه الحواسّ الخمس الظاهریه ـ الباصره والسامعه والشامّه واللامسه والذائقه ـ فی المناظر الجمیله والأصوات الحسنه والروائح الطیّبه والملابس الناعمه والمأکولات والمشروبات الطیّبه، کلّ هذه الملذّات ـ رغم أهمیّتها وضرورتها فی حیاه الإنسان ـ أدنى مرتبه من اللذّات الباطنیه، من قبیل لذّه الرئاسه والانتصار والغلبه وقهر الأعداء ونیل الکرامه ولذّه الجنس، وغیر ذلک.
وهذه اللذّات الباطنیه رغم أشرفیّتها وتقدّمها على اللذّات الظاهریه إلاّ أنّها أدنى مرتبه وشرفاً من اللذّات العقلیه التی من قبیل معرفه الله تعالى والسیر فی أسمائه وصفاته والوقوف على أسرار الخلق ومعاینه جمال الحضره الربوبیه وغیر ذلک من لذّاتِ (ما لا عین رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)۹٫
ولا ریب فی حصول اللذّات الظاهریه لکلّ إنسان ـ ما لم یکن فاقداً لتلک الحواسّ ـ وأمّا اللذّات الباطنیه فإنّ دائره الذین یحصلون علیها أضیق من دائره الحصول على اللذّات الحسّیه. فالأطفال الذین لم تکتمل قواهم الباطنیه, والمرضى الذین ماتت معظم قواهم, وضعاف الهمّه ومیّتو القلب لا ینالون هذه اللذّات.
وأمّا اللذّات العقلیه فدائره الحصول علیها أضیق بکثیر، بل هی محدوده جدّاً رغم انفتاحها على الجمیع.
ومن الواضح أنّ هنالک کثیراً ممّن یُؤثر اللذّات الظاهریه على الباطنیه فضلاً عن العقلیه؛ لقصور فیه, فیرضى بإشباع بطنه فی قبال ذُلّ یناله، ویطلب السلامه فی قبال ضیاع الکرامه.
وربما یفعل بعضهم ذلک لأنّه لا یعرف تلک المعانی الکریمه إمّا للأسباب المتقدّمه أو للاضطرار.
من هنا یتّضح لدینا أسباب اقتصار دائره المتوفّرین والحاصلین على المعارف الإلهیه على عدد محدود جدّاً؛ إمّا لجهل بحقیقه هذه المعارف السامیه ـ کما هو حال الأعمّ الأغلب ـ أو لشدّه الارتباط والاشتغال بالأمور المادّیه بحیث لا تُعطی مُتّسعاً للالتفات والارتباط بعالم المعنى.
ولا شکّ أنّ الحاصل على اللذّات الباطنیه سوف تضعف فی نفسه درجه ومرتبه اللذّات الظاهریه عندما یُقایسهما معاً، وهکذا فی الحاصل على اللذّات العقلیه فإنّه سوف تضعف عنده اللذّات الباطنیه فضلاً عن الظاهریه عندما یقایسهما باللذّه العقلیه.
وعلیه فلا غضاضه على من خلّف تلک اللذّات القاصره وراء ظهره وانغمس فی بحار المعارف الإلهیه یتلمّس ببصیرته الثاقبه أنوار الملکوت لتفیض على قلبه فتطربه النشوه وتُسکره اللذّه فیصیر محواً بعد صحو ثمّ صحواً بعد محو.
من هنا یتّضح لکلّ منّا ما نحن فیه، وفی أیّ دائره ندور، وفی أیّ بحر نعوم. فشتّان بین مَن یعوم فی ظلمات مقهوره مأسوره وبین من یعوم فی أنوار وسبحات قُدس قاهره مطلقه معموره؛ قال الله تعالى: (بَلِ الإنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِیرَهٌ)۱۰ وقال سبحانه: (قُلْ کُلٌّ یَعْمَلُ عَلَى شَاکِلَتِهِ فَرَبُّکُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِیلاً)۱۱٫
وهکذا یجد الإنسان نفسه مُنساقاً نحو ما یُحبّ؛ تلمّساً للّذّه التی یوفّرها محبوبه، وفی ذلک کماله بحسب فهمه وإدراکه.
فإذا ما وجد الإنسان کماله فی اللذّات الحسّیه دون ما سواها، فإنّه یتعسّر علیه فهم وإدراک ما تحمله الأُمور الأُخرى من کمالات وتقدّمها على ما هو حاصل علیه.
فالصبیان یجدون الکمال فی ممارسه ألعاب الکره. فإذا ما حدّثتهم عن لذّه أعظم وکمال أفضل یمنحه الزواج أو طلب العلم فإنّهم لا یعیرونک آذاناً صاغیه، وهکذا فیمن توقّف على الملذّات والکمالات الباطنیه فإنّه یصعب ـ بل یعسُر ـ علیه فهم اللذّه القصوى التی تمنحها المعارف الإلهیه.
یقول صاحب (المحجّه البیضاء): (فأمّا معنى کون معرفه الله وصفاته وملکوت سماواته وأسرار ملکه أعظم لذّه من الرئاسه فهذا یختصّ بمعرفته من نال رتبه المعرفه وذاقها, ولا یمکن إثبات ذلک عند من لا قلب له؛ لأنّ القلب معدن هذه القوّه, کما أنّه لا یثبت رجحان لذّه الوقاع على لذّه اللعب بالصولجان عند الصبیان…)12.
وکیف یتسنّى لمن لم یذق طعم الشیء معرفته والوقوف على کماله. ولیس ببعید عنّا ما یُکیله بعض من اقتصر على ظواهر الأُمور من تهم وتشنیع على الواقفین على کمالات المعنى والأُمور المعنویه، وما ذلک إلاّ لضیق دائره الإدراک أو لعدم وقوفهم على حقیقه الکمالات الأُخرى. فمن ذاق عرف، ومن لم یذق لم یعرف، والناس أعداء ما جهلوا.
فتلخّص لدینا أنّه لا ریب فی أشرفیه اللذّه العقلیه وتقدّمها على سائر اللذّات الأُخرى، الظاهره منها والباطنه، فإنّ بصیره القوّه العاقله هی الأشدّ والأمضى فی النفوذ إلى حقائق الأشیاء.
بعباره أخرى: إنّ المعقولات عند إدراکها تمنح النفس لذّه وبهجه لهی أعظم وأسمى بکثیر ممّا تمنحه المحسوسات لها، ولذا کانت الصلاه هی أعظم المحبوبات عند النبیّ من الدنیا، حیث یقول صلى الله علیه وآله: (حُبّب إلیّ من دنیاکم: الطیب والنساء، وقرّه عینی فی الصلاه )۱۳، وما ذلک إلاّ لأجل اللذّه العقلیه التی تمنحها الصلاه، والتی هی أرفع مرتبه من لذّه الطیب ـ العطر ـ ولذّه النساء الحسّیتین.
ولا یخفى أنّ تحبیب الطیب والنساء للنبیّ الأکرم صلى الله علیه وآله فی هذا المورد إنّما لأجل الصلاه نفسها، ویمکن استفاده هذا المعنى من مجموعه روایات مرویّات عنه صلى الله علیه وآله تتحدّث عن فضل صلاه المتطیّب وفضل صلاه المتزوّج على غیرهما، من قبیل قوله صلى الله علیه وآله: (لرکعتان یصلّیهما متزوّج أفضل من رجل أعزب یقوم لیله ویصوم نهاره)۱۴، وقوله صلى الله علیه وآله: (رکعتان یصلّیهما متعطّر أفضل من سبعین رکعه یصلّیها غیر المتعطّر)۱۵٫ فمن تطیّب وتزوّج ولم یُصلّ لم یکن له فی الطیب والتزویج فضل ولا ثواب۱۶٫ هذا فضلاً عن کون هذین الأمرین على فضلهما بمعیّه الصلاه إلاّ أنّهما قد حُبّبا لنفس الرسول الأعظم صلى الله علیه وآله ولم تمل إلیهما نفسه القدسیه وذاته صلى الله علیه وآله لأنّ نفسه وذاته مفطوره على حبّ العوالم العلویه المجرّده عن المادّه ولذّاتها، فهو صلى الله علیه وآله مجذوب لعلیاء ربّه بجبلّته، وممسوس بذلک العالم. فمع ذلک التحبیب والترغیب له صلى الله علیه وآله فیهما، لم یصر أیّ واحد منهما قرّه عین له وإنّما کانت قرّه عینه فی الصلاه.
هذا ما یمکن ذکره فی تصویر معانی الحبّ لغه واصطلاحاً. أمّا حقیقه الحبّ فمن الصعوبه بمکان تصویرها وتلمّسها فضلاً عن الإحاطه بها، رغم أنّنا نعیش تفاصیل کثیره منها، سواء على مستوى العلاقات الاجتماعیه أو على مستوى العلاقات بالموجودات السماویه ـ إن جاز التعبیر ـ کالعلقه الناشئه بیننا وبین الله سبحانه وتعالى وأنبیائه ورسله وأوصیائه وأولیائه وملائکته، وسائر الموجودات العلویه مرتبه وشرفاً.
والسرّ الکامن وراء عدم إمکان تصویر حقیقه الحبّ أو استجلائها، هو أنّنا لم نعش تلک الحقیقه کامله. فأمّا من ارتقى ذلک المقام السامی فهو من دخل دائره العصمه أو اقترب منها.
بعباره أخرى: إنّ حقیقه الحبّ وسرّه وکُنهه مرتبطه بما یتمیّز به الإنسان فی علاقته مع الله تعالى. فحبّ الله تعالى ـ کما سنعرف فیما بعد ـ هو الأصل والأساس والمنطلق لجمیع الموجودات والمفردات الأُخرى التی یمکن أن تکون متعلّقاً للحبّ.
إنّ جمیع العلائق التی تربطنا بالموجودات الإمکانیه سوف تکون علائق ناقصه وقاصره، بل مبنیّه ـ فی الأعمّ الأغلب ـ على أساس تبادل المنافع والمصالح، إن لم تکن متفرّعه عن حبّ الله تعالى؛ لأنّها ستکون فاقده لذلک الأصل الأصیل، أمّا إذا کانت تلک العلائق منبثقه ومنبعثه ومتولّده من ذلک الحبّ الموغل فی الأصاله, فإنّها سوف تأخذ طابعاً آخر ومعنى آخر یقترب بنا من أصل الحبّ وحقیقته، بل حتّى أُولئک الذین یعیشون علائقهم الثانویه مع موجودات عالم الإمکان متفرّعهً عن علاقتهم الأوّلیه بالله تعالى, فإنّهم لا یعیشون ـ فی الأعمّ الأغلب ـ روح وحقیقه الحبّ بما هی علیه، وذلک لسبب خارج عن قدراتهم ومکنتهم، ومرتبط بأصل آخر تفرّع عنه الحبّ وهو أصل المعرفه.
وحیث إنّ معرفه الله تبارک وتعالى موصده على مستوى الذات لجمیع موجودات عالم الإمکان ومحدوده على مستوى الأسماء والصفات للأعمّ الأغلب منّا فإنّ الحبّ المتولّد تلقائیاً عن تلک المعرفه سوف یکون قاصراً ومحدوداً أیضاً، والنتیجه ـ کما یرى المناطقه ـ تتبع أخسّ المقدّمات۱۷٫
فالحبّ واضح کلّ الوضوح فی لفظه ومعناه۱۸، وخاف کلّ الخفاء فی کُنهه وحقیقته الحقّه ومغزاه، کما هو الحال فی أصل الوجود الواضح مفهوماً المبهم مضموناً، حتّى قیل فی ذلک:
مفهومه من أعرف الأشیاءِ وکُنهه فی غـایه الخفاءِ۱۹
ـــــــــــ
(۱) لسان العرب لابن منظور الإفریقی المصری، نشر دار إحیاء التراث العربی، الطبعه الأُولى، ۱۴۰۵هـ: ج ۱، ص ۲۸۹٫
(۲) مـجمع البحرین للشیخ فخر الدین الطریحی، تحقیق السیّد أحمد الحسینی، نشر مکتبه نشر الثقافه الإسلامیه، الطبعه الثانیه، ۱۴۰۸هـ: ج۱، ص ۴۴۲٫
(۳) المصدر السابق
(۴) شرح أصول الکافی، مصدر سابق، باب الحبّ فی الله والبغض فی الله: ج ۸، ص ۳۴۸، ح۱٫
(۵) سوف یتعرّض السیّد الأُستاذ إلى ذلک فی بحث لاحق من هذا الکتاب.
(۶) من دعاء عرفه للإمام الحسین علیه السلام. انظر: مفاتیح الجنان للشیخ المحدّث عباس القمّی رحمه الله ، نشر دار الثقلین الطبعه الثالثه، ۱۴۲۰هـ، بیروت: ص ۳۴۱٫
(۷) طه: ۱۲٫
(۸) کمال الدین وتـمام النعمه للشیخ الصدوق أبی جعفر محمّد بن علی بن الحسین بن بابویه القمّی، صحّحه وعلّق علیه علی أکبر الغفاری، نشر مؤسّسه النشر الإسلامی التابعه لجماعه المدرّسین بقم، ۱۴۰۵هـ : ص۴۶۰٫
(۹) تهذیب الأحکام لشیخ الطائفه أبی جعفر محمّد بن الحسن الطوسی، تحقیق السیّد حسن الموسوی الخرسان، دار الکتب الإسلامیه، طهران، الطبعه­ الرابعه ج۶، ص۲۲، ح۷٫
(۱۰) القیامه: ۱۴٫
(۱۱) الإسراء: ۸۴٫
(۱۲) الـمحجّه البیضاء فی تهذیب الأحیاء للمولى محمّد محسن بن المرتضى المعروف بالفیض الکاشانی، صحّحه وعلّق علیه علی أکبر الغفاری، نشر مؤسّسه النشر الإسلامی التابعه لجماعه المدرّسین بقم، الطبعه الرابعه، ۱۴۱۷هـ : ج ۸، ص ۳۱
(۱۳) الخصال للشیخ الصدوق أبی جعفر محمّد بن علی بن الحسین بن بابویه القمی، صحّحه وعلّق علیه علی أکبر الغفاری، نشر مؤسّسه النشر الإسلامی التابعه لجماعه المدرّسین بقم، ۱۴۰۵هـ : ص۲۶۰٫
(۱۴) من لا یحضره الفقیه للشیخ الصدوق، تحقیق علی أکبر الغفاری, نشر مؤسسه النشر الإسلامی، الطبعه الثانیه ۱۴۰۴هـ , قم: ج ۳ ، ص ۳۸۴، ح ۴۳۴۷٫
(۱۵) ثواب الأعمال للشیخ الصدوق، منشورات الرضی، الطبعه الثانیه، قم: ص ۴۰٫
(۱۶) الخصال, مصدر سابق: ص ۱۶۶٫
(۱۷) أی: أضعف المقدّمات.
(۱۸) أی: لغه واصطلاحاً.
(۱۹) انظر شرح المنظومه، قسم الحکمه (غرر الفوائد وشرحها) للملاّ هادی السبزواری، علّق علیه آیه الله الشیخ حسن زاده الآملی، نشر ناب، الطبعه الأُولى، ۱۴۱۶هـ، قم: ج۲، ص۹٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.