آثار المعرفه على مستوى السلوک الفردی

0

وأمّا الوقوف الثانی التحقیقی البرهانی فإنّ الآثار المترتّبه علیه کثیره ومنتجه فی الجمله لا بالجمله ، وهذا النتاج الجزئی ینسجم مع طبیعه هذا الوقوف والنمط المعرفی الذی قلنا فی أکثر من مورد أنّه لا یشکّل ضمانه لصاحبه، وإن کان یشکّل الحدّ الأدنى من المعرفه الواجبه على کل إنسان، فإنّ هذا الوقوف الصوریّ وإن کان تحقیقیاً إلا أنّ أثره الوضعی على الإنسان یبقى محدوداً وغیر موجب للعمل، أی: إنّه لا یبعث صاحبه على الفعل المناسب والمطابق للصوره المبرهن علیها، ولذا تجد من أصحاب هذا النمط المعرفی من یرتکبون الذنوب المختلفه.
إنّ المعرفه النظریه التحقیقیه لا تکون موجبه للإیمان ولا ملزمه له، ولذا فقد یکون الشخص من الناحیه الفطریه یثبت عنده وجود الله تعالى ووحدانیته ولکن لا یؤمن بذلک، أو یسلک فی منحاه العلمی غیر ما انتهى إلیه نظریاً.
لذا فالشرک فی الأسماء والصفات والشرک العملی مصدرهما هو أنّ المعرفه النظریه وإن کانت مثبته للعارف نظراً وجود الذات المقدسه ووحدانیتها وإثبات أسمائه وصفاته الذاتیه إلا أنّه لم یصل فی درجه إیمانه إلى نفی الأغیار عن ساحه التأثیر، فیقع فی الشرک العملی، وما الریاء ـ وهو الشرک الخفی کما عرفت ـ إلّا نموذج من نماذج الشرک العملی، لأنّه یرجع إلى الاعتقاد بوجود غیرٍ استحقّ منه الالتفات إلیه.
فلو کانت المعرفه النظریه موجبه وملزمه للإیمان لما وقع الإنسان فی مثل هذه المتاهات المفضیه للشرک العملی کالریاء والکذب والنفاق والجحود. فالکاذب إنّما یلجأ لذلک لاعتقاد مسبق منه بأنّ الکذب سوف یکون منقذاً له، وهذا شرک عملیّ، والنفاق رغم أنّه منافٍ للإیمان تماماً إلّا أنّه شرک هو الآخر إذا لم یکن فی دائره العقائد والإلهیات، وإلاّ فهو الکفر الصراح. وأمّا وقوعه فی السلوک العملی ـ کإظهار شخص النصیحه لک وهو یدسّ لک فی الباطن، وإظهار الحبّ لک وهو مبغض ناقم علیک، یدعو لک ظاهراً بالسلامه والحفظ وهو یرجو فعلیه زوالک وهلاکک ـ فهذا النمط هو الآخر شرک خفیّ، لأن صاحبه یعتقد أنّ ما أظهره سوف یکون منجیاً له ومقرّباً له من ودّک وحبّک وعطائک، فیدلّس علیک بشعور منافق کذّاب. وما أکثر هذه الطبقه البغیضه وأسوئها، ففی کلّ آن ومکان نجد من یظهر المودّه والحبّ لأهل البیت علیهم السلام، ولکنّهم فی سرّهم ونجواهم یضمرون شیئاً آخر ظلماً وجوراً وعدواناً، فـ (بَشِّرِ المُنَافِقِینَ بِأَنَّ لـَهُمْ عَذَاباً أَلِیماً)۱، قد أُمروا بمودّه أهل البیت علیهم السلام بنصّ القرآن الکریم: (قُلْ لاَ أَسْأَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْراً إِلاَّ المَوَدَّهَ فِی الْقُرْبَى)۲ ولکنّهم ودّوا مُبغضیهم وغاصبی حقوقهم، بل قاتلیهم أیضاً.
روى الهیثمی عن ابن عباس (لما نزلت الآیه، قالوا: یا رسول الله، من قرابتک هؤلاء الذین وجبت علینا مودّتهم؟ قال: علیٌّ وفاطمه وابناهما)۳ فقل لی بربّک کیف تجتمع مودّتهم الواجبه قرآناً وسُنّهً مع الترحّم والترضّی على مناوئیهم وقاتلیهم؟!
وهکذا حال الجحود الموجب لظلمه القلب، فقد قام الدلیل القطعی عندهم على المعارف التوحیدیه والحقائق الأخرویه، وقام الدلیل القطعی أیضاً على نبوّه النبی الأکرم صلى الله علیه وآله وولایه أهل البیت علیهم السلام، ولکنّ الیقین الحصولی لم یحتّم علیهم الإیمان بما ثبت لدیهم، فغلبتْهم شقْوتهم، فمنهم من أنکر المعارف التوحیدیه، وهذا هو الکفر والشرک الصراح، ومنهم من أنکر نبوّه النبیّ الأکرم صلى الله علیه وآله، وهذا هو الضلال المبین، ومنهم من أنکر ولایه وإمامه أئمّه أهل البیت علیهم السلام، فأبدلوا الطاعه بالعصیان، والقبول بالردّ.
إنّ حقیقه التوحید ونبوّه النبی الأکرم صلى الله علیه وآله وإمامه أهل البیت علیهم السلام توجب على من وقف على الدلیل الطاعهَ والالتزام، ولکننا نرى من وقفوا على ذلک ولم یأخذ بأعناقهم الدلیل، وما ذلک إلّا لأنّ المعرفه النظریه الحصولیه لا تستبطن ضمانه الاتّباع وإن کانت تدعو لذلک، فمن الممکن جدّاً ـ بل الواقع کثیراً ـ اجتماع الجحود والخلاف مع الاعتقاد والیقین؛ قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَیْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ کَیْفَ کَانَ عَاقِبَهُ الْـمُفْسِدِینَ)۴٫
فالمعرفه الحصولیه التحقیقیه لها أثر صوریّ على صاحب المعرفه یدعوه إلى الامتثال والطاعه ولکنّه لا یأخذ بعنقه نحو الجادّه لأنّه لا یمثّل وجوداً تکوینیاً فاعلاً فی النفس العارفه.
وأمّا فیما یتعلق بالوقوف الثالث وهو المعرفه التحقیقیه الشهودیه، فإنّها تختلف تماماً من حیث المتابعه والأثر، فإنّ الواقف شهوداً تترتّب على معرفته هذه من الآثار الجلیّه ما یصعب وصفها وحصرها، وکفى بتمیزها عمّا سبق من الآثار المعرفیه أنّها تأخذ بعنق العارف نحو الطاعه والامتثال. والذی نعتقده فی المقام هو عدم الانفکاک بین الأثر والمؤثّر، فالمعرفه
ـ وهی المؤثّر ـ لا تنفکّ البتّه من أثرها، بل ما نعتقده هو أبعد من ذلک، وهو أن أثر المعرفه نفسه یمثّل مرتبه معرفیه، لأنّه أثر وجودیّ فاعل فی الذات العارفه.
إنّ المعرفه الحضوریه والشهود الباطنی یعنی تحوّل الإنسان العارف إلى وجود قویّ خیریّ محرّک لطاقاته باتجاهات الکمالات المطلقه، بل نحو المطلق نفسه جلّت قدرته، وبهذا التحوّل یکون الإنسان قد ولج أبواب العصمه لیتحوّل بذلک بعد مراتب معرفیه ارتقائیه من دائره المخِلصین (بکسر اللام) إلى دائره المخلَصین (بالفتح).
وإذا عرف الإنسان ربّه تحقّقاً فسوف تغلق دونه جمیع دوائر الشرک، وتغلق أیضاً دونه جمیع دوائر الفقد، وفی ذلک ترجمه خفیّه لقول الله تعالى: (وَلَکُمْ فِیهَا مَا تَشْتَهِی أَنْفُسُکُمْ وَلَکُمْ فِیهَا مَا تَدَّعُونَ)۵٫ فالإنسان مفطور على حبّ الخلود والبقاء، فهو یشتهی ذلک بقوّه.
ولازم الخلود إغلاق دائره الفقد وإتمام دائره الوجدان. إنّ المعرفه الحقّه بالله تعالى تورثه حقیقه کونیه خالده، وهی حقیقه الاکتفاء بالله تعالى، فلا یطلب به بدلاً ولا یرغب عنه حولاً، ولا یُبقی فی عرضه ولا فی طوله شاغلاً. وهذا المعنى العمیق الدقیق قد ترجمه لنا عملیاً رائد التفانی فی الله تعالى الإمام الحسین بن علی علیهما السلام بقوله الشریف وهو یناجی ربّه فی عرصات عرفه: (ماذا وجد من فقدک؟ وما الذی فقد من وجدک؟ لقد خاب من رضی دونک بدلاً، ولقد خسر من بغى دونک متحوّلاً)۶٫
لهم فیها ما یشتهون، فلا فقد ولا نقص أبداً، إنّما الوجدان سرمداً. إنّه تحوّل جوهریّ فی حرکه الإنسان الوجودیه حیث یتحوّل فیه العبد إلى موحّد حقیقیّ بعد أن عرف حقیقه التوحید التی کان یعیش صورتها قبل التحقّق المعرفی ویقبع فی دوائرها الذهنیه المغلقه.
بعباره أخرى: إنّه تحوّل من دائره الشرک الظاهری والخفیّ إلى دائره التوحید الحقیقی الحقّی والذی به سیعرف تجلّیات سوره الحمد فی (رَبِّ العَالمَین) و (مَالِک یَوْمِ الدِّین).
إنّه تحوّل من دائره الأثر المقیّد إلى إطلاق الوجود العینی، ونعنی بالأثر الوجودَ الشبحیَّ لحقیقه الإنسان حیث کان قبل التحقّق المعرفیّ بالله تعالى متلبّساً بصوره الإنسان الحقیقی، ومشتملاً على بعض آثاره المحدوده جدّاً، وهذا هو الوجود الشبحیّ له لیتحوّل بالتحقّق المعرفی إلى الوجود الحقیقی والفعلی للإنسان الخلیفه قرآنیاً والإنسان الکامل عرفانیاً.
بعباره ثالثه: إنّه تحوّل من الإنسان الناقص القاصر إلى الإنسان الکامل الراشد، ومن الجمله الناقصه التی لا یحسن السکوت عنها إلى الجمله التامه التی یحسن السکوت عنها ویصحّ الإخبار بها عن الحقیقه المطلقه المقدّسه.
نعم إنّه التحوّل الکینونی الذی یدرک بواسطته الإنسان العارف الکامل الحقّی من هو المبتدأ وما هو الخبر، ومن هو الفاعل الذی کان ولم یزل کما کان فی الأزل متوحّداً فی الوجود والتأثیر، ویدرک معه أیضاً ما هو المفعول والأثر.
نعم سیدرک آنذاک أنّ الحقیقه واحده لا غیر أزلاً وأبداً، قد تجلّت بصور مختلفه، فإذا ما وقف الواقف الحقّی على حقیقه الشؤون یکون قد تجلّت فی قلبه الطاهر حقیقه قوله تعالى (کُلَّ یَوْمٍ هُوَ فِی شَأْنٍ)۷، ومعنى المرآتیه المشیره إلى الوجود الواحد الأحد.
وما الوجه إلاّ واحد غیر أنّه إذا أنت أعددتَ المرایا تعدّدا۸
فتلخّص إلى هنا أنّ أثر المعرفه بالله على مستوى السلوک الشخصی بلحاظ الوقوف الأول (کَسَرَابٍ بِقِیعَهٍ یَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ یَجِدْهُ شَیْئاً)۹٫
وأما أثرها بلحاظ الوقوف الثانی فإنّه وإن کان ملحوظاً وذا قیمه معتدّ بها إلاّ أنّها محفوفه بالمخاطر وسهله الانفکاک فی إطارها الإیجابی عن ذی المعرفه، کما أنّها معرفه صوریه تبقى قاصره عن جلب الحقیقه أمام طالبها، ولذا یبقى العارف حصولاً عرضه الشک والتردّد؛ لعدم وقوفه على ذی الصوره.
ومن هنا نفهم لماذا کان أمیر المؤمنین علی علیه السلام یقول: (لو کشف لی الغطاء ما ازددت یقیناً)۱۰؛ ذلک لأن الحقیقه حاضره عنده کما أنّه حاضر عندها، فذلک الیقین المتحقّق به یقین لدنیّ لا یقین حصولیّ، ومن حصل على الیقین اللدنیّ فی مورد فإنّه لا توجد مرتبه معرفیه فوقه أو هو دونها فی دائره الإمکان.
إنّ موارد الحاجه إلى الحضور والشهود لهی أعظم وأجلّ وأکثر من موارد الحاجه إلى الحصول، وهذه حقیقه حقّه یصعب قبولها من السواد الأعظم من الناس؛ نظراً لتمحّضهم فی الغیاب والیباب، وعزوفهم بالاضطرار أو بالاختیار عن فیض وإشراق ربّ الأرباب.
إنّ الحصول فی مورد الحضور یکون جهلاً محضاً ربّما یقتل صاحبه، کما عبّر عن ذلک أمیر المؤمنین علی علیه السلام: (رُبّ عالم قد قتله جهله وعلمه معه لا ینفعه)۱۱ فذلک عالم حصولاً قتله جهله حضوراً، ولذا فعلمه الذی معه أعجز منه لا ینفعه.
ومن أراد أن یلج موارد الحضور بآلیه الحصول یکون قد خالف الحکمه فوضع الشیء فی غیر موضعه، فلا أثر الحصول جنى ولا من عالم الحضور دنا، بل کان من الجهل والجهالات قاب قوسین أو أدنى. وأمّا أثرها بلحاظ الوقوف الثالث فهو الغایه والمنتهى الإمکانی حیث یتحوّل کل ما بالقوّه فی العبد إلى الفعلیه الحقّه على نحو الدفعیه أو على نحو التدریج، فیصیر العبد فی کلّ حرکاته وسکناته إلهیاً وولیّاً من أولیاء الله تعالى، یطوی سجلّ الشقاء، ویتحقّق بدار السعاده واللقاء، وذلک هو العطاء غیر المجذوذ (أی غیر المقطوع) یتحوّل فی ظلاله العبد إلى معنى تامّ یحسن السکوت علیه.
__________________
(۱) النساء: ۱۳۸٫
(۲) الشورى: ۲۳٫
(۳) مجمع الزوائد، مصدر سابق: ج۷ ص۱۰۳، و:ج۹ ص۱۶۸
(۴) النمل: ۱۴٫
(۵) فصِّلت: ۳۱٫
(۶) مفاتیح الجنان، مصدر سابق: ص۳۴۲، دعاء عرفه.
(۷) الرحمن: ۲۹٫
(۸) محبوب القلوب لقطب الدین محمد بن الشیخ علی الأشکوری الدیلمی اللاهیجی، الناشر: میراث مکتوب، الطبعه الأولى، ۱۴۲۴ هـ، إیران: ج۱ ص ۲۱۱٫
(۹) النور: ۳۹٫
(۱۰) مستدرک سفینه البحار تحقیق الشیخ حسین علی النمازی، الناشر مؤسّسه النشر الإسلامی، ۱۴۱۹هـ، قم: ج۵ ص۱۶۳٫
(۱۱) نهج البلاغه، مصدر سابق: ج۴ ص۲۵، رقم الحکمه: ۱۰۷٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.