الصلاه جماعه بالاستداره حول الکعبه

0

الصلاه جماعه بالاستداره حول الکعبه
کان لکلّ مذهب من المذاهب الأربعه مقام خاص فی المسجد الحرام، یقوم فیه إمام المذهب ویقتدی به المصلّون، کل إمام فی ضلع من أضلاع الکعبه المشرفه، وبعد أن جاء السعودیون إلى منصَّه الحکم أزالوا هذه المقامات الأربعه وجعلوها مقاماً واحداً لإمام من الحنابله فقط، وبذلک أعادوا الصلاه جماعه استداره حول الکعبه الشریفه.
وأصبحت هذه المسأله مورد بحث ونقاش بین فقهائنا من جدید بعدما کانت المسأله معنونه فی کتب المتقدمین أیضاً ، وقبل الخوض فی دراسه دلیل المسأله صحه وفساداً نقدم أُموراً:
الأوّل: تاریخ ظهور الصلاه جماعه بهذه الکیفیه
یظهر من الأزرقی فی «تاریخ مکه المکرمه» أنّ أوّل من أدار الصفوف حول الکعبه هو خالد بن عبدالله القسری، یقول: کان الناس یقومون قیام شهر رمضان فی أعلى المسجد الحرام ترکّز حربه خلف المقام بربوه فیصلی الإمام خلف الحربه، والناس وراءه فمَن أراد صلى مع الإمام ومَن أراد طاف بالبیت ورکع خلف المقام، فلمّا ولی خالد بن عبدالله القسری مکه لعبد الملک بن مروان وحضر شهر رمضان، أمر خالد القراء أن یتقدّموا فیصلوا خلف المقام، وأدار الصفوف حول الکعبه، وذلک أنّ الناس ضاق علیهم أعلى المسجد فأدارهم حول الکعبه.
فقیل له: تقطع الطواف لغیر المکتوبه، قال: فأنا آمرهم یطوفون بین کل ترویحتین سبعاً، فأمرهم ففصلوا بین کل ترویحتین بطواف سبع.
فقیل له: فإنّه یکون فی مؤخر الکعبه وجوانبها من لا یعلم بانقضاء طواف الطائف من مصل وغیره فیتهیّأ للصلاه، فأمر عبید الکعبه أن یکبروا حول الکعبه، یقولون: الحمد لله والله أکبر، فإذا بلغوا الرکن الأسود فی الطواف السادس سکتوا بین التکبیرتین سکته حتّى یتهیّأ الناس ممّن فی الحجر ومن فی جوانب المسجد من مصل وغیره فیعرفون ذلک بانقطاع التکبیر، ویصلی ویخفّف المصلی صلاته ثم یعودون إلى التکبیر حتّى یفرغوا من السبع، ویقوم مسمع فینادی (الصلاه رحمکم الله).
قال: وکان عطاء بن أبی رباح وعمرو بن دینار ونظائرهم من العلماء یرون ذلک ولا ینکرونه.
ثم نقل عن ابن جریج قلت لعطاء: إذا قلّ الناس فی المسجد الحرام أحب إلیک أن یصلوا خلف المقام أو یکونوا صفاً واحداً حول الکعبه؟
قال: بل یکون صفاً واحداً حول الکعبه وتلا: ( وَ تَرى الْمَلاَئِکَهَ حَافِّینَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ) ( [۱۷۴]) . ( [۱۷۵])
ویظهر من کلام الأزرقی أنّ الدافع إلى الصلاه حول الکعبه استداره هو ضیق المکان فی صلاه التراویح، ولم یکن قبله أی سابقه لها، وقد تصدى عبدالملک للخلافه عام ۶۵ هـ بعد وفاه أبیه مروان بن الحکم وتوفّی عام ۸۶ هـ .
وبما أنّه لم تمتد سلطه عبدالملک بن مروان إلى مکه المکرمه الّتی کان قد استولى علیها عبدالله بن الزبیر إلى أن قتل هذا الأخیر عام ۷۳ هـ فیکون هذا الشکل من الصلاه قد بدأ بین عام ۷۳ هـ و ۸۶ هـ ، ولو تم التعرف على تاریخ ولایه خالد بن عبدالله القسری لتعیّن هذا الأمر بدقه.
الثانی: أوّل من تعرض إلى المسأله من الأصحاب
لم نجد عنواناً لهذه المسأله عند أصحابنا قبل ابن الجنید فهو أوّل من تعرّض لها حسب اطّلاعنا، نقله العلاّمه عنه وقال: قال ابن الجنید: الإمام إذا صلى فی المسجد الحرام أحاط المصلون حول البیت من حیث لا یکون أحدهم أقرب إلى جدار البیت منه، ولم یذکر علماؤنا ذلک والأقرب الوقوف خلف الإمام للعموم .( [۱۷۶])
وعلى ضوء هذا فقد جعل المیزان فی تأخّر المأموم عن الإمام أو عدم تقدّمه علیه ـ على اختلاف فیما هو الشرط ـ هو أن یکون الفاصل المکانی بین المأموم والکعبه أکثر من الفاصل المکانی بین الإمام والکعبه، وعلى ذلک تجوز الصلاه بالاستداره التامه لکن برعایه هذا الشرط.
مثلاً: إذا کان الإمام واقفاً حیال مقام إبراهیم (علیه السلام) فالفاصل بینه وبین الکعبه حوالی ۱۲ متراً تقریباً، فیجب أن یکون الفاصل المکانی المستدیر فی تمام الدور أکثر من هذا المقدار حتّى یصدق کون المأموم خلف الإمام أو غیر متقدم علیه. وسیوافیک أنّ هذا الشرط إنّما یتحقّق فی بعض الصور لا کلّها.
ولم نجد من تعرض للمسأله بعد ابن الجنید إلى عصر العلاّمه الحلی، وقد خلت کتب الشیخ الطوسی من عنوان هذه المسأله ومن أتى بعده کابن البراج، وابن زهره وابن إدریس والمحقّق وغیرهم. وإلیک نقل کلمات الآخرین:
الثالث: نقل کلمات الآخرین
قال العلاّمه: المصلی خارج الکعبه وهو مشاهد لها یستقبل أی جدرانها شاء وکذا لو کان فی حکم المشاهد، ولو تعدّدوا وأرادوا الاجتماع ففی صلاتهم مستدیرین حولها إشکال، ولا إشکال لو کانوا منفردین .( [۱۷۷])
ولعل وجه الإشکال عند العلاّمه غیره عند ابن الجنید، فالإشکال عند الثانی هو تقدّم المأموم على الإمام فی بعض الأحایین، ولذلک لو کان الفاصل المکانی بین الکعبه والمأموم أکثر من الفاصل المکانی بینها وبین الإمام لجاز عنده بالاستداره الکامله.
وأمّا الإشکال عند العلاّمه فلعله هو مسأله المواجهه وکون المأموم مواجهاً للإمام فی نصف الدائره وهو أمر غریب .
فإنّ المأموم یقف خلف الإمام أو مع الإمام على جهه واحده، ولکنّه فی نصف الدائره یقف مواجهاً للإمام ومقابلاً له وهوأمر غیر متعارف.
وقد صرح بهذا، فی المنتهى وقال: لو صلّى الإمام فی المسجد الحرام إلى ناحیه من نواحی الکعبه واستدار المأمومون حولها صحت صلاه مَن خلف الإمام خاصه، سواء أکان بُعد المأمومین فی الجهه الأُخرى عنها أکثر من بُعد الإمام أو لا، خلافاً للشافعی وأبی حنیفه.
لنا: إنّ موقف المأموم خلف الإمام أو إلى جانبه إنّما یحصل فی جهه واحده، فصلاه من غایرها باطله، ولأنّهم وقفوا بین یدی الإمام فتبطل صلاتهم .( [۱۷۸])
وعبارته کالصریح فی أنّ المحذور لیس هو تقدّم المأموم بل مواجهته للإمام، وهذا صریح قوله: «ولأنّهم وقفوا بین یدی الإمام».
فظهر ممّا نقلناه أنّ مشکله صلاه الجماعه بالإستداره أمران:
۱٫ لزوم تقدّم المأموم على الإمام فی بعض الصور.
۲٫ مواجهه المأموم للإمام أحیاناً.
ویظهر من الشهید فی «البیان» أنّ المانع عنده هو الوجه الأوّل، قال: ولو صلّوا جماعه فلهم الاستداره حولها وینبغی أن لا یکون المأموم إلیها أقرب من الإمام.
ویظهر منه (قدس سره) فی کتاب «الدروس» أنّ المانع هو نفس ما ذکره فی البیان حیث قال: أن لا یتقدّم المأموم على الإمام بعقبه، ولا عبره بمسجده إلاّ فی المستدیرین حول الکعبه بحیث لا یکون المأموم أقرب إلیها.( [۱۷۹])
وقال فی «الذکرى»: لو استطال صف المأمومین مع المشاهده حتّى خرج عن الکعبه، بطلت صلاه الخارج لعدم إجزاء الجهه هنا. ولو استداروا صحّ، للإجماع علیه عملاً فی کلّ الأعصار السالفه. نعم، یشترط أن لا یکون المأموم أقرب إلى الکعبه من الإمام .( [۱۸۰])
وظاهر هذا الکلام أنّ الإشکال عنده هو تقدّم المأموم على الإمام، ولذلک اشترط أن لا یکون المأموم أقرب إلى الکعبه من الإمام.
وأمّا الشهید الثانی فیظهر منه أیضاً أنّ الإشکال هو تقدّم المأموم على الإمام فی الصلاه استداره، فقال: إنّ قول المحقّق «ولا یجوز أن یقف المأموم قدّام الإمام» مفهومه الاعتبار بتساوی الأقدام حال القیام،… إلى أن قال: وأمّا فی حال الرکوع فظاهرهم أنّه کذلک وأنّه لا اعتبار بتقدّم رأس المأموم، وکذا حال السجود والتشهد فیجوز تقدم رأس المأموم على رأسه. لکن یستثنى منه مالو کانت الصلاه حول الکعبه فإنّه لا یجوز أن یکون مسجد المأموم أقرب إلیها.( [۱۸۱])
وأمّا سبطه فقد ألمح إلى کلا الإشکالین حیث ذکر کلام ابن الجنید والشهید فی الذکرى اللّذین رکّزا على الإشکال الأوّل، ثم نقل کلام العلاّمه فی «التذکره» و «المنتهى» الّذی یشیر إلى الإشکال الثانی وقال فی آخر کلامه: ولم أقف فی ذلک على روایه من طرق الأصحاب، والمسأله محل تردّد، ولا ریب أنّ الوقوف فی جهه الإمام أولى وأحوط .( [۱۸۲])
وأمّا الشیخ الأکبر کاشف الغطاء فلم یهتم بالإشکال الثانی وإنّما
اهتم بالاشکال الأوّل وقال: وحول الکعبه یصح الدوران فی الصف
ومقابله الوجوهِ الوجهَ بشرط أن تکون الفاصله من جانب المأمومین أوسع .( [۱۸۳]) وسیأتی حدّ الفاصل اللازم بین الإمام والکعبه، وبینها وبین المأموم فانتظر.
إلى غیر ذلک من الکلمات للمتأخرین والمعاصرین وربّما نمرّ على کلماتهم عند الاستدلال على حکم المسأله.
الرابع: ما هو الأصل فی المسأله
إنّ الأصل فی المقام هو الفساد إلاّ أن یدل دلیل على خلافه، وذلک لأنّ العبادات أُمور توقیفیه لا دور للعقلاء فیها، فإذا شُک فی امتثال الأمر بالفرد الخاص فالأصل هو الفساد .
وإن شئت قلت: إنّ مشروعیه العبادات أمر توقیفی فما عُلم کونه مشروعاً فهو مشروع، وما شُک فی مشروعیته فهو ممنوع وإن کان فی الواقع مشروعاً، وهذا کإتیان الصلاه مع قبض الید الیسرى فی الیمنى، حیث إنّ للصلاه فردین ومصداقین: أحدهما إتیان الصلاه بالسدل والآخر بالقبض، فالشک فی جواز القبض کاف فی کونه بدعه مبطله للصلاه. وهذا هو الأصل فی المقام.
وربّما یقرر بأنّ الأصل فی المقام هوالصحه، وهو أنّ صلاه الجماعه ترجع فی حقیقتها إلى أنّها هی عدل للواجب التخییری، لا أنّها من مسقطات وجوب الصلاه، فإذاً یدور الأمر بین کون الواجب هو الفرادى ومطلق الجماعه وبین کون الواجب هو الفرادى والجماعه المقیّده بأنّها بغیر الاستداره، ومقتضى الأصل هو البراءه عن هذا التقیید ( [۱۸۴]).
یلاحظ علیه: أنّ المأمور به هو طبیعه الصلاه والصلاه جماعه وفرادى من مصادیق هذا الواجب، والتخییر بین المصداقین عقلی لا شرعی، وعلى هذا فیکون مرجع الشک إلى سقوط الطبیعه بالفرد الخاص والأصل خلافه، فإنّ قاعده الاشتغال محکمه حتّى یثبت الامتثال. وبالجمله إذا کانت للطبیعه المأمور بها مصادیق مختلفه ویقطع بحصول الامتثال ببعض المصادیق ویُشک فی حصوله بالبعض الآخر یکون المقام محکوماً بالاشتغال، لأنّه قبیل الشک فی السقوط فلو أمر المولى بتطهیر النجس بالماء وشک فی صحه التطهیر بماء الکبریت فالاشتغال محکم ما لم یکن هنا إطلاق لفظی حاکم على الأصل .
وقد صرح بما ذکرنا السید الحکیم (قدس سره) بتعبیر آخر حیث قال:
تاره یکون الشک فی صحه الجماعه حدوثاً وأُخرى یکون بقاءً، فإن کان الأوّل فالمرجع أصاله عدم انعقاد الجماعه، لأنّ انعقادها إنّما یکون بجعل الإمامه للإمام من المأموم فی ظرف اجتماع الشرائط، فإذا شُکّ فی شرطیه شیء مفقود أو مانعیه شیء موجود ـ للإمام أو المأموم أو الائتمام ـ فقد شُک فی الانعقاد الملازم للشک فی حصول الإمامه للإمام والمأمومیه للمأموم، والأصل العدم فی جمیع ذلک، وبعباره أُخرى الشک فی المقام فی ترتب الأثر على الجعل المذکور ومقتضى الأصل عدمه.( [۱۸۵])
وربّما یتصور أنّ الأصل العملی محکوم بالإطلاقات الوارده فی صلاه الجماعه، وذلک لأنّ مقتضى الإطلاقات الوارده فی صلاه الجماعه عدم اشتراط شیء من تأخّر المأموم عن الإمام أو عدم تقدّمه علیه، غایه الأمر خرج منها ما إذا لم تکن الصلاه إلاّ على جهه واحده وعلى خط مستقیم فیشترط فیه التأخر، أو عدم التقدم، وأمّا إذا أمکنت الصلاه استداره وعلى جمیع الجهات فالإطلاقات الوارده فی باب الجماعه محکمه لا یشترط فیها شیء لا عدم التقدّم ولا عدم التأخّر.
یلاحظ علیه: بأنّه ماذا یرید من الإطلاقات فی المقام، فهل یرید ما ورد فی التأکید على استحبابها فی الفریضه، الّذی عقد لها الحر العاملی ـ فی الوسائل ـ باباً تحت عنوان: « باب تأکد استحبابها فی الفرائض »، ومن المعلوم أنّها لیست فی مقام البیان لشرائط الجماعه، فإنّ الروایات الوارده فی الحث على الجماعه کلها نظیر قول أمیر المؤمنین (علیه السلام) : «من سمع النداء ولم یجبه من غیر علّه فلا صلاه له».( [186])
أو أنّه یرید ما ورد: « أنّ أقل ما تنعقد به الجماعه اثنان » کقول زراره فی حدیث قال: قلت لأبی عبدالله (علیه السلام) : الرجلان یکونان جماعه؟ فقال (علیه السلام) : «نعم، ویقوم الرجل عن یمین الإمام».( [187])
وبالجمله هذه الروایات ونظائرها ناظره إلى تشریع الجماعه واستحبابها المؤکّد، ولا نظر لبیان الشرائط والأجزاء حتّى یتمسک به فی مورد الشک على نفی الجزئیه.
فخرجنا بالأمرین التالیین:
۱٫ أنّ الأصل الأوّلی هو الفساد، لأنّه من قبیل الشک فی الامتثال، أو الشک فی انعقاد الجماعه.
۲٫ أنّ الأصل غیر محکوم بالإطلاقات، إذ لیس هنا إطلاق حاکم على الأصل ویلزم الرجوع إلى أدلّه الشروط فی المقام، وإلیک البیان.
قد سبق أنّ الإشکال فی المقام یدور على أمرین:
أ. إشکال تقدّم المأموم على الإمام فی بعض الصور.
ب. مواجهه المأموم مع الإمام فی بعض الأحایین.
وإلیک دراستهما.
الأوّل: شرطیه عدم تقدّم المأموم على الإمام
قال المحقّق: ولا یجوز أن یقف المأموم قدّام الإمام. ( [۱۸۸]) واستُدل علیه بعدم الخلاف بین الأصحاب، وظاهر «المعتبر» الإجماع علیه من غیر فرق بین الابتداء والاستدامه کما هو صریح معقد بعضها اقتصاراً فی العباده التوقیفیه على ما علم ثبوته من فعل النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) والأئمه (علیهم السلام) والصحابه والتابعین وتابعی التابعین وسیره سائر فرق المسلمین فی جمیع الأعصار والأمصار بعد قصور الإطلاقات المساقه لغیره عن تناول مثل ذلک .( [۱۸۹])
وظاهر کلامه کظاهر کلام الآخرین أنّه لیس هناک دلیل لفظی یدل على عدم جواز تقدم المأموم على الإمام، ولو کان فإنّما هو إشارات وتلمیحات، غیر أنّ معقد الإجماع یعمّ عامّه الحالات سواء أکان فی المسجد الحرام أم غیره.
ولا یمکن أن یقال: إنّ الإجماع دلیل لبّی یقتصر فیه على القدر المتیقّن وهوما إذا صلّوا على جهه واحده.
بل یمکن أن یستظهر ذلک من کلمه الإمام بأنّه إمام یقتدى به فی الأقوال والأفعال، ولازم ذلک عدم کون المأموم متقدماً على الإمام. ولذلک نرى أنّه ورد فی الروایات أنّ الإمام قد سُئل عن رجل أمّ قوماً فصلى بهم رکعه ثم مات؟ قال (علیه السلام) : «یقدّمون رجلاً آخر فیعتد بالرکعه ویطرحون المیت خلفهم ویغتسل مَنْ مسه» .( [190])
وعلى کل تقدیر لا یمکن أن نشک فی شرطیه عدم تقدّم المأموم على الإمام فی حال من الأحوال وفی مسجد دون مسجد وإن کان عدم جواز مساواه الإمام والمأموم موضع تأمل ونقاش.
إذا علمت ذلک فالمهم هو تبیین مدار التقدّم وملاکه.
فلو کان الملاک فی التقدّم والتأخّر هو عدم أقربیه المأموم إلى الکعبه من الإمام، بل یکونان متساویین أو یکون المأموم أبعد من الکعبه من الإمام، فلازم ذلک صحه الصلاه استداره بشرط أن تکون الدائره الّتی وقف علیها الإمام غیر الدائره الّتی یقف علیها المأموم وتکون الدائره الثانیه أبعد من الدائره الأُولى حتّى تکون المسافه بین المأموم والکعبه أکثر من المسافه بین الإمام والکعبه فی عامّه الحالات.
وذلک لأنّ الکعبه لمّا کانت مربعه تقریبا ( [۱۹۱]) فلو دارت علیها دائره، فخطوط هذه الدائره بالإضافه إلى الکعبه لیست متساویه، بل ما یحاذی منها الزوایا أقرب ممّا یحاذی الأضلاع بطبیعه الحال، لفرض کون الکعبه على شکل المربع المستطیل فالخط المقابل للضلع أبعد من الکعبه بالنسبه إلى الخط المقابل للزاویه بالضروره کما فی الرسم المرفق.
الکعبه المشرفه
وعلى ذلک فیجب أن تکون الدائره الّتی یقف علیها المأمومون أکبر من الدائره الّتی قام علیها الإمام، أی أبعد عن الکعبه فی جمیع النقاط، وإلاّ فمجرد کون الفاصل المکانی بین المأموم والکعبه أکبر منه بین الإمام والکعبه، لا یکفی ـ کما هو الظاهر من الکلمات الماضیه ـ مالم یکن الفصل على حّد یکون الفصل أکبر فی عامه الحالات، وهذا کما فی الرسم التالی.

الکعبه المشرفه
l
l
l
l
موقف الإمام
موقف المأمومین
فإن الشرط ـ أعنی: عدم تقدم المأموم ـ محفوظ فی جمیع الحالات.
وبذلک یعلم أنّ مجرّد کون المأموم خلفاً أو جانباً بحسب الدائره البرکالیّه، لا یلازم عدم أقربیّته إلى الکعبه من الإمام، ضروره زیاده جوانب الکعبه بل لابد أن تکون الدائره الّتی وقف علیها المأموم أوسع من الدائره الّتی وقف علیها الإمام على نحو یکون الإمام أقرب إلى الکعبه من المأموم فی عامه الحالات کما هو ظاهر فی الرسم المتقدّم .
وأمّا لو کان المیزان فی التقدم هو نفس موقف الإمام مع قطع النظر عن الأقربیه والأبعدیه بالنسبه إلى الکعبه، فحینئذ لو وقف المأمومون على نفس الدائره الّتی وقف علیها الإمام لصدق عدم التقدم، وهذا واضح، مثلاً: لو أمر الضابط الجنود أن یقفوا بشکل دائری، فوقفوا على خط دائری جنباً إلى جنب، فیصدق عدم تقدّم أحدهم على الآخرین.
وإلى ما ذکرنا یشیر صاحب الجواهر بقوله: بإمکان دعوى صدق الخلْف أو الجانب، إذ هما بالنسبه إلى کل واحد بحسبه ولو بملاحظه الدائره البرکالیه .( [۱۹۲])
والمتبادر من معاقد الاجماعات والإشارات الوارده فی الروایات أنّ المیزان عدم تقدّم المأموم على موقف الإمام من دون لحاظ الجهه الّتی یتّجهان لها.
وبعباره أُخرى: الملاک فی تحقّق هذا الشرط موقف کل من الإمام والمأموم فی غیر المسجد الحرام باتفاق الفقهاء، فلابد أن یکون هو نفس الملاک فی المسجد الحرام أیضاً، وإلاّ یجب أن یلتزم بأحد أمرین:
۱٫ أن یکون الملاک فی غیر المسجد الحرام هو موقف الإمام والمأموم، وأمّا فی المسجد الحرام فالملاک هو الکعبه بأن لا یکون المأموم أقرب إلى الکعبه من الإمام.
۲٫ مراعاه کلا الأمرین.
والأوّل أمر غریب لعدم الدلیل على التفریق بین المسجد الحرام وسائر الأمکنه، والثانی موافق للاحتیاط ولکن لیس لاعتبار الجمع دلیل صالح.
وبذلک یظهر أنّ مشکله تقدّم المأموم على الإمام فی الصلاه الاستداریه إمّا غیر متحقّق مطلقاً إذا قلنا بأنّ المیزان هو ملاحظه موقف الإمام، وإمّا غیر متحقّق فی بعض الدوائر ومتحقّق فی البعض الآخر.
الثانی: إشکال المواجهه
الإشکال الثانی فی المسأله هو لزوم المواجهه بأن یکون المأموم مواجهاً للإمام دون أن یکون فی جنبه أو خلفه، وتظهر المواجهه بوضوح فی النصف الثانی من الدائره، مع أنّه أمر غیر معهود، ولذلک اشترط بعض القائلین بالجواز بکون استقبال الإمام والمأمومین إلى جهه واحده. إذ لو قیل بالجواز مطلقاً یلزم جواز الجماعه فی داخل الکعبه على التعاکس بأن یکون وجه کل منهما إلى الآخر وهو ممّا لا مجال للالتزام به .( [۱۹۳])
والحق أنّ هذا الاشکال یستحق التأمّل، وما دلّ على جواز إقامه الصلاه جماعه منصرف إلى الفرد الشائع ، وأما هذا الفرد النادر فإطلاق الأدله على فرض وجوده منصرفه عنه.
فإن قلت: إنّ الشکل الهندسی للمسجد الحرام کان دائریاً منذ أن بنیت الکعبه من قبل نبی الله إبراهیم (علیه السلام) ، لأنّ الطواف بالبیت العتیق ـ الّذی نادى به الله عزوجل على لسان إبراهیم الخلیل فی قوله: ( وَ لْیَطَّوَّفُوا بِالْبَیْتِ الْعَتِیقِ ) ( [۱۹۴]) ـ یشهد لذلک، أولیس ذلک قرینه على جواز الصلاه بالجماعه استداره وإن استلزم فی بعض الحالات مواجهه المأموم للإمام؟
قلت: لاشک أنّ المطاف یکون دائریاً وأمّا کون المسجد فی عصر النبی إبراهیم (علیه السلام) بنی على شکل دائره فلم یدل علیه دلیل. وعلى فرض کونه کذلک لا یکون دلیلاً على جواز الصلاه جماعه بالاستداره.
إلى هنا تمت دراسه الاشکالین المذکورین فی کلام الفقهاء وهناک إشکال ثالث.
الثالث: وجود الحائل بین الإمام والمأموم
من شروط صحه الجماعه أن لایکون بین الإمام والمأموم حائل یمنع عن مشاهدته، قال المحقّق: لاتصحّ مع حائل بین الإمام والمأموم یمنع المشاهده، وقال صاحب «الجواهر»: الظاهر أنّه إجماعی کما فی «الذخیره» بل هو کذلک فی صریح «الخلاف» و «المنتهى» و «المدارک».
ویدل علیه صحیح زراره عن الباقر (علیه السلام) : إن صلّى قوم وبینهم وبین الإمام ما لا یتخطى فلیس ذلک الإمام لهم بإمام، وأی صف کان أهله یصلون بصلاه إمام وبینهم وبین الصف الّذی یتقدمهم قدر ما لا یتخطى فلیس تلک لهم بصلاه، فإن کان بینهم ستره أو جدار فلیست تلک لهم بصلاه، إلاّ من کان من حیال الباب، قال: وقال: هذه المقاصیر لم تکن فی زمان أحد من الناس وإنّما أحدثها الجبارون، لیست لمن صلّى خلفها مقتدیاً بصلاه مَنْ فیها صلاه».( [195])
ووجه الإشکال: أنّ الکعبه المشرفه تحول بین الإمام وکثیر من المأمومین الذین یصلّون فی النصف الثانی من الدائره بحیث إنّهم لا یرونه.
ویمکن أن یقال: إنّه لا یشترط مشاهده جمیع المأمومین الإمام، بل یکفی مشاهده من یشاهده من المأمومین وإن تعددت الوسائط .( [۱۹۶])
فإذا وقف المأموم فی نصف الدائره الثانیه فهو وإن کان لا یشاهد الإمام لأنّ الکعبه تحول بینهما إلاّ أنّه یشاهد الإمام بوسائط ولایقاس المقام بصلاه الإمام بالمقصوره، فإنّ مقصوره المسجد کانت بشکل یحجز عن دخول الغیر ولم یکن الإمام مشاهداً مطلقاً وإنّما یطلع المأمومون على أحواله من الرکوع والسجود بواسطه تکبیر المکبرین.
أضف إلى ذلک انصراف ما دلّ على عدم وجود الحائل عن هذا النوع من الحائل الّذی اقتضته طبیعه صلاه الجماعه فی ذلک المکان.
إلى هنا درسنا الإشکالات الثلاثه فی المقام، وقد عرفت أنّ الإشکال الثانی أقوى من الأوّل والأخیر، فالاقتصار فی إقامه الصلاه جماعه على نحو الاستداره على ما لا یوجد فیه أحد الموانع الثلاثه هو الأحوط.
***
الاستدلال على الصحه بالسیره
إنّ قسماً من الفقهاء استدلّوا على الصحه بالسیره وفی مقدّمتهم الشهید الأوّل فی «الذکرى» حیث قال: ولو استداروا صحّ للإجماع علیه عملاً فی کل الأعصار السالفه.( [۱۹۷])
وقد أُیدت السیره بأنّ أصحاب النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) فی عام الفتح بلغوا عشره آلاف أو أکثر، فکیف یمکن لهم الصلاه فیه بنحو الخط المستقیم ؟
بل بلغ عدد المرافقین فی حجه الوداع إلى مائه ألف .
وهذه السیره الّتی لم یعترض علیها أئمه الشیعه (سلام الله علیهم اجمعین) خیر دلیل على کونها أمراً مقبولاً عندهم.( [۱۹۸])
یلاحظ علیه: أنّ کل ما ذکروه حول هذه السیره نابع عن عدم الوقوف على وقت بدء الصلاه بهذه الکیفیه، وقد عرفت أنّ أوّل من أدارها هو خالد بن عبدالله القسری، وأنّ السبب للاستداره هو ضیق المکان على الناس فی صلاه التراویح ولم یکن هذا الملاک موجوداً فی الصلوات الیومیه.
وأمّا عدم سعه المسجد الحرام للآلاف المؤلفه فهو أمر صحیح لکنّه لیس دلیلاً على إقامه الصلاه فی المسجد الحرام، بل ربّما أقامها النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) خارج المسجد، خصوصاً أنّ النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) أقام خارج مکه یوم فتحها وقد سُئل عن السبب؟ فقال: وهل ترک عقیل لنا منزلاً (فی مکه).( [۱۹۹])
وحقیقه الکلام: أنّ المسجد الحرام لم یکن بهذه السعه ولم یکن أیضاً کافیاً حتّى ولو أقاموا الصلاه مع النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) استداره، وهذا ابن الجوزی یصف لنا بناء المسجد الحرام ویقول: إنّ المسجد الحرام کان صغیراً ولم یکن علیه جدار إنّما کانت الدور محدقه به، وبین الدور أبواب یدخل الناس من کل ناحیه فضاق على الناس المسجد فاشترى عمر بن الخطاب دوراً فهدمها، ثم أحاط علیه جداراً قصیراً، ثم وسع المسجد عثمان بن عفان واشترى من قوم، ثم زاد ابن الزبیر فی المسجد واشترى دوراً وأدخلها فیه، وأول مَنْ نقل إلیه أساطین الرخام وسقفه بالساج المزخرف الولید بن عبدالملک ثم زاد المنصور فی شقه الشامی ثم زاد المهدی، وکانت الکعبه فی جانب فأحب أن تکون وسطاً فاشترى من الناس الدور ووسطها، ثم توالت الزیادات فیه إلى یومنا هذا .( [۲۰۰])
تم الکلام فی مسأله الصلاه جماعه بالاستداره
[۱۷۴] . الزمر: ۷۵ .
[۱۷۵] . تاریخ مکه للازرقی: ۲ / ۶۵ ـ ۶۶ .
[۱۷۶] . مختلف الشیعه: ۳ / ۹۰ .
[۱۷۷] . تذکره الفقهاء: ۳ / ۱۰ .
[۱۷۸] . منتهى المطلب : ۶ / ۲۵۷ .
[۱۷۹] . الدروس الشرعیه: ۱ / ۲۲۰ .
[۱۸۰] . ذکرى الشیعه: ۳ / ۱۶۱ .
[۱۸۱] . مسالک الأفهام: ۱ / ۳۰۸ .
[۱۸۲] . مدارک الأحکام: ۴ / ۳۳۲ .
[۱۸۳] . کشف الغطاء: ۱ / ۲۶۵ .
[۱۸۴] . مجله فقه أهل البیت (علیهم السلام) ، العدد (۴۴)ص (۹۴)، وقد استظهره صاحب المقال من کلام السید الخوئی فی مسأله اشتراط التأخّر وعدم کفایه المساواه الحقیقیه وقال: وهو یجری فی مقامنا بالنحوالمذکور.
[۱۸۵] . مستمسک العروه: ۷ / ۲۱۷ .
[۱۸۶] . الوسائل: ۵، الباب ۲ من أبواب صلاه الجماعه، الحدیث ۱٫
[۱۸۷] . الوسائل: ۵، الباب ۴ من أبواب صلاه الجماعه، الحدیث ۱ .
[۱۸۸] . شرائع الإسلام : ۱ / ۱۲۳ .
[۱۸۹] . جواهر الکلام : ۱۳ / ۲۲۱ .
[۱۹۰] . الوسائل: ۵، الباب ۴۳ من أبواب صلاه الجماعه، الحدیث ۱ .
[۱۹۱] . إذ ان أضلاعها غیر متساویه.
[۱۹۲] . لاحظ جواهر الکلام : ۱۳ / ۲۳۰ .
[۱۹۳] . مستمسک العروه: ۷ / ۲۴۸ .
[۱۹۴] . الحج: ۲۹ .
[۱۹۵] . الوسائل: ۵، الباب ۶۲ من أبواب صلاه الجماعه، الحدیث ۲ .
[۱۹۶] . جواهر الکلام: ۱۳ / ۱۵۹ .
[۱۹۷] . الذکرى: ۱۶۲ .
[۱۹۸] . المحقّق الاصفهانی: صلاه الجماعه: ۱۳۶ .
[۱۹۹] . صحیح البخاری: ۵ / ۹۲، باب غزوه الفتح ; صحیح مسلم: ۴ / ۱۰۸، باب جواز الإقامه فی مکه.
[۲۰۰] . مثیر الغرام الساکن إلى أشرف الأماکن، لأبی الفرج ابن الجوزی: ۱ / ۳۵۸ .

Leave A Reply

Your email address will not be published.