واقع التشریع الإسلامی معالمه و ملامحه
التشریع أحد أرکان الحضاره فلا تجد مجتمعاً حضاریاً إلاّوعنده قوه التشریع والتقنین وهذا ممّا لا کلام فیه.
وإنّما الکلام فی الأصل الذی یعتمد علیه التشریع ویستمد منه. فهناک منهجان:
منهج یعتمد فی التحلیل والتحریم على رأی الأکثریه فما صوبته الأکثریه یُصبح قانوناً محترماً لدى الکل ومالم تصوّبه الأکثریه یکون مرفوضاً.
ومنهج یعتمد فی التشریع على الواقعیات والمصالح والمفاسد فما کان واقعیاً وصالحاً للبشریه فهو القانون السائد، وما لم یکن کذلک لا یعتبر أبداً.
والإسلام فی تشریعه یتبع المنهج الثانی، لأنّ التشریع بید اللّه سبحانه وتعالى وحده، فلا حاجه إذاً إلى رعایه التصویت والتصویب، وتتجلى واقعیه التشریع الإسلامی فی ملامحه ومعالمه.
فالتشریع الإسلامی یتمیز بملامح بینما هی ملامح ثبوتیه ترجع إلى ماده التشریع وروحه، وبینما هی ملامح إثباتیه ترجع إلى دلاله التشریع. فما یرجع إلى القسم الأوّل یتلخص فی أُمور سته:
۱٫ الفطره الإنسانیه هی المقیاس فی التقنین.
۲٫ التشریع حسب المصالح و المفاسد الواقعیه.
۳٫ النظر إلى الماده والروح على حدّ سواء.
۴٫ النظر إلى الحقائق دون الظواهر.
۵٫ المرونه فی التشریع .
۶٫ العداله فی التقنین.
فلنأخذ کلّ منها بالبحث واحداً تلو الآخر ثمّ نرجع إلى بیان ملامح التشریع الإسلامی فی مقام الدلاله والإثبات .
أمّا الملامح الثبوتیّه فهی عباره:
۱٫ الفطره هی المقیاس
إنّ للإنسان مع قطع النظر عن الظروف الموضوعیه المحیطه به شخصیه تکوینیه ثابته لا تنفک عنه عبر الزمان، فالغرائز السِّفْلیه والعلویّه هی التی تکوّن شخصیته ولا تنفک عنه مادام الإنسان إنساناً، فجعل الإسلام الفطره معیاراً للتشریع، فکلّ عمل یتجاوب وینساق مع الفطره فقد أحلّه، وما هو على موضع الضدّ منها فقد حرّمه.
فقد ندب إلى الروابط العائلیه وتنسیق الروابط الاجتماعیه، کرابطه الولد بوالدیه، والأخ بأخیه، والإنسان المؤمن بمثله، کما قد حذّر عمّـا ینافی خلقه وإدراکه العقلی، کتحریمه الخمر والمیسر والسفاح، لما فیها من إفساد للعقل الفطری والنسل والحرث.
فالأحکام الثابته فی التشریع القرآنی تشریع وفق الفطره.
۲٫ التشریع حسب المصالح
نعم ثمه میزه أُخرى للتشریع القرآنی، وهو أنّه مبنی على المصالح والمفاسد الواقعیه. فلا واجب إلاّ لمصلحه فی فعله، ولا حرام إلاّ لمصلحه فی ترکه، قال سبحانه: ( إِنَّما یُرِیدُ الشَّیْطانُ أَنْ یُوقِعَ بَیْنَکُمُ العَداوَهَ وَالْبَغْضاءَ فِی الْخَمْرِ وَالْمَیْسِرِ وَیَصُدَّکُمْ عَنْ ذِکْرِاللّهِ وَ عَنِ الصَّلاهِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون ) . ( [۷۷۰]) وقال سبحانه: ( وَأَقِمِ الصَّلاهَ إِنَّ الصَّلاهَ تَنْهى عَنِ الْفَحشاءِ وَالْمُنْکَرِ ) . ( [۷۷۱])
وعلى هذا الأساس فقد عقد فقهاء الشیعه باباً خاصاً باسم تزاحم الأحکام فی ملاکاتها حیث یقدّم الأهم على المهم، ویتوصل فی تمییزهما بالقرائن المفیده للاطمئنان.
۳٫ النظر إلى الماده والروح على حد سواء
آلف القرآن بتعالیمه القیّمه بینهما مؤالفه تفی بحقّ کلّ منهما حیث یفسح للإنسان أن یأخذ قسطه من کلّ منهما بقدر ما یصلحه.
لقد غالت المسیحیه (الغابره) بالاهتمام بالجانب الروحی من الإنسان حتى کادت أن تجعل کلّ مظهر من مظاهر الحیاه المادیه خطیئه کبرى، فدعت إلى الرهبانیه و التعزب، وترک ملاذّ الحیاه، والانعزال عن المجتمع، والعیش فی الأدیره وقلل الجبال والتسامح مع المعتدین.
کما غالت الیهودیه فی الانکباب على الماده حتى نسیت کلّ قیمه روحیه، وجعلت الحصول على الماده بأی وسیله کانت، المقصد الأسنى، ودعت إلى القومیه الغاشمه. لکن الإسلام أخذ ینظر إلى واقع الإنسان بما هو کائن ذو بعدین، فبالبعد المادی لا یستغنی عن الماده، وبالبعد الروحی لا یستغنی عن الحیاه الروحیه، فأولاهما عنایته، فدعا إلى الماده والالتذاذ بها بشکل لا یُؤثرها على حیاته الروحیه، کما دعا إلى الحیاه الروحیه بشکل لا یصادم فطرته وطبیعته; وهکذا فقد قرن بین عباده اللّه وطلب الرزق وترفیه النفس، فندب إلى القیام باللیل وإقامه النوافل، وفی الوقت نفسه ندب إلى طلب المعاش وتوخّی اللّذه، قال سبحانه:
( وَالّذِینَ یَبِیتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِیاماً ) ( [۷۷۲]) وقال أیضاً: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِینَهَ اللّهِ الّتی أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّیِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ) . ( [۷۷۳])
وقال علی أمیر المؤمنین (علیه السلام) : «للمؤمن ثلاث ساعات: فساعه یناجی فیها ربه، وساعه یرمُّ معاشه، وساعه یُخلّـی بین نفسه وبین لذّتها». ( [774])
۴٫ النظر إلى المعانی لا الظواهر
إنّ التشریع القرآنی ینظر إلى الحقائق لا إلى القشور، فلا تجد فی الإسلام مظهراً خاصاً من مظاهر الحیاه یکون له من القداسه ما یمنع من تغییره ویوجب حفظه إلى الأبد بشکله الخاص، فلیس هناک تناقض بین تعالیمه والتقدّم العلمی.
فلو کان التشریع الإسلامی مصـرّاً على صوره خاصه من متطلبات الحیاه لما انسجم مع الحیاه، فمثلاً ینهى الإسلام عن أکل الأموال بالباطل، وعلى هذا فرّع الفقهاء حرمه بیع الدم لعدم وجود منفعه محلّله له فی تلک الأعصار الغابره بید انّ تقدّم العلوم والحضاره أتاح للبشر أن یستخدم الدم فی منافع محلّله لم یکن لها نظیر من قبل، فعادت المعامله بالدم فی هذه الأعصار معامله صحیحه لا بأس بها، ولیس هذا من قبیل نسخ الحکم، بل من باب تبدّل الحکم بتبدّل موضوعه کانقلاب الخمر خلاً.
فالإسلام حرّم أکل المال بالباطل، فمادام بیع الدم مصداقاً لتلک الآیه کان محکوماً بالحرمه، فلمّا أُتیح للبشر أن یستفید منه فی علاج المرضى خرج عن کونه مصداقاً للآیه، وهذا هو الذی عبّرنا عنه فی عنوان البحث بأنّ الإسلام ینظر إلى المعانی لا إلى القشور.
۵٫ المرونه فی التشریع
إنّ من ملامح التشریع القرآنی مرونته وقابلیته للانطباق على جمیع الحضارات الإنسانیه، وما ذلک إلاّ لأنّه جاء بتشریعات خاصه لها دور التحدید والرقابه على سائر تشریعاته، وهذا التشریع أعطى للدین مرونه و منعطفاً جدیداً قال سبحانه: ( وَما جَعَلَ عَلَیْکُمْْ فِی الدِّینِ مِنْ حَرَج ) . ( [۷۷۵]) وقال: ( ما یُریدُ اللّهُ لِیَجْعَلَ عَلَیْکُمْ مِنْ حَرَج وَلکِنْ یُرِیدُ لِیُطَهِّرَکُمْ وَلِیُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَیْکُمْ لَعلَّکُمْ تَشْکُرُون ) . ( [۷۷۶])
وقال رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) : «لا ضرر ولا ضرار». ( [777])
فحدّد کلَّ تشریع بعدم استلزامه الضرر والضرار، فأوجب التیمم مکان الوضوء إذا کان استعمال الماء مضرّاً، کما أوجب الإفطار على المریض والمسافر لغایه الیسر، قال سبحانه: ( وَمَنْ کانَ مَرِیضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّهٌ مِنْ أَیّام أُخَرَ یُرِیدُ اللّهُ بِکُمُ الْیُسْرَ وَلا یُرِیدُ بِکُمُ الْعُسْر ) . ( [۷۷۸]) إلى غیر ذلک من الآیات والروایات التی لها دور التحدید والرقابه.
وجاء فی الحدیث عن الصادع بالحقّ أنّه قال: «بعثت بالحنیفیه السمحه».( [779])
وقال الإمام الصادق (علیه السلام) : «إنّ هذا الدین لمتین، فأوغلوا فیه برفق، لا تکرهوا عباده اللّه لعباد اللّه». ( [780])
۶٫ العداله فی التقنین
ومن ملامح التشریع القرآنی، العداله حیث تراها متجلّیه فی کافه تشریعاته، خاصه فیما یرجع إلى القانون والحقوق، قال سبحانه: ( وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لا یُحِبُّ الْمُعْتَدِینَ ) . ( [۷۸۱])
وقال تعالى: ( فَمَنِ اعْتَدى عَلَیْکُمْ فَاعْتَدُوا عَلَیْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَیْکُمْ ) .( [۷۸۲])
وقال تعالى: ( وَجَزاءُ سَیِّئَه سَیِئَّهٌ مِثْلُها فَمَنْ عفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ لا یُحِبُّ الظّالِمین ) . ( [۷۸۳])
وقال سبحانه: ( وَلا تَزِرُ وازِرَهٌ وِزْرَ أُخرى ) . ( [۷۸۴])
وقال سبحانه: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الّذِی عَلَیْهِنَّ بِالْمَعْرُوف ) . ( [۷۸۵]) إلى غیر ذلک من الآیات التی تدلّ على أنّ هیکل التشریع الإسلامی بُنی على أساس العدل والقسط.
هذه الملامح ترجع إلى سمات القانون الإسلامی ثبوتاً.
ملامح التشریع الإسلامی فی مقام الإثبات
أمّا سماته فی عالم الإثبات والدلاله فهی عباره عن الأُمور التالیه:
أ. شمولیته لعامه الطبقات.
ب. سعه آفاق دلاله القرآن والحدیث.
ج. التدرّج فی التشریع.
أ . شمولیه التشریع
أخذ القرآن الإنسان محوراً لتشریعه، مجرّداً عن النزعات القومیه والوطنیه والطائفیه واللونیه واللسانیه، فنظر إلى الموضوع بنظره شمولیه وقال: ( یا أَیُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناکُمْ مِنْ ذَکَر وَأُنْثى وَجَعَلْناکُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتقاکُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِیمٌ خَبیرٌ ) . ( [۷۸۶])
التشریع القرآنی تشریع من جانب رب العالمین إلى نوع البشر، فالوطن والقوم والقبیله لم تؤخذ بنظر الاعتبار، والکرامه للإنسان وحده، ولا فضل لإنسان على آخر إلاّ بالمُثُل والأخلاق.
فترى أنّه یخاطب المجتمع الإنسانی بقوله: ( یا أَیُّهَا النّاس ) أو ( یا بَنی آدَمَ ) أو ( یا أَیُّهَا المؤمنون ) وما ضاهاها، فکسر جمیع الحواجز والقیود التی یعتمد علیها المفکّر المادی فی التقنین الوضعی، والذی یقتفی إثر الیهود فی مزعمه الشعب المختار.
إنّ النبیّ (صلى الله علیه وآله وسلم) هو القائل: انّ العربیه لیست بأب والد، ولکنها لسان ناطق فمن قصر به عمله لم یبلغه حسبه ( [۷۸۷])، وفی الوقت نفسه لا یعنی بکلامه هذا انّ العلائق الطبیعیه، کالانتماء الوطنی أو القومی بغیضه لا قیمه لها، وإنّما یندّد باتّخاذها محاور للتقنین، وسبباً للکرامه والمفخره، أو سبیلاً لتحقیر الآخرین، وإیثارها على الدین والعقیده، یقول سبحانه: ( لا تَجِدُ قَوماً یُؤمِنُونَ بِاللّهِ وَالْیَومِ الآخِرِ یُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ کانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخوانَهُمْ أَوْ عَشِیرَتَهُمْ أُولئِکَ کَتَبَ فِی قُلُوبِهِمُ الإِیمانَ وَأَیَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ وَ یُدْخِلُهُمْ جَنّات تَجْری مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدینَ فِیها رَضِیَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِکَ حِزْبُ اللّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) . ( [۷۸۸])
والعجب انّه قد صدر هذا من لدن إنسان أُمّی نشأ فی بیئه تسودها خصلتان على جانب الضد من هذا النمط من التشریع، وهما:
الأُمّیه والتعصّب.
وهذا الإنسان المثالی صان بأنظمته کرامه الإنسان، ورفعه إلى الغایه القصوى من الکمال، وأخذ یخاطب ضمیره الدفین، و مشاعره النبیله، ویکلّفه بما فیه صلاحه، ویقول:
( هذا بَیانٌ لِلنّاسِ ) . ( [۷۸۹])
( هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ) . ( [۷۹۰])
( بَصائِرَ لِلنّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَه ) . ( [۷۹۱]) ( یا أَیُّهَا النّاسُ قَدْجاءَتْکُمْ مَوعِظَهٌ مِنْ رَبِّکُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِی الصُّدُور ) . ( [۷۹۲])
وإذا قورن هذا النوع من التشریع الذی ینظر إلى الإنسان بنظره شمولیه وبرأفه ورحمه، دون فرق بین عنصر وآخر، بالتقنین الوضعی السائد فی أعصارنا فی الشرق والغرب، الناظر إلى الإنسان من منظار القومیه أو الطائفیه وغیرهما من النزعات المقیته، لبان انّ التشریع الأوّل تشریع سماوی لا صله له بتلک النزعات، والآخر تشریع بشری متأثر بنظرات ضیّقه تجود لإنسان وتبخل لآخر، وکفى فی ذلک فرقاً بین التشریعین.
ب . سعه آفاق دلاله القرآن والحدیث
إنّ من تمعّن فی القرآن الکریم و تدبّر فی معانیه ومفاهیمه، وقف على سعه آفاق دلالته على مقاصده، غیر انّ ثلّه من الفقهاء مرّوا على القرآن مروراً عابراً مع أنّه سبحانه یعرّف القرآن بقوله: ( وَنَزَّلْنا عَلَیْکَ الْکِتابَ تِبْیاناً لِکُلِّ شَیْء وَهُدًى وَرَحْمَهً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمینَ ) . ( [۷۹۳])
وعلى ضوء ذلک لا غنى للفقیه عن دراسه آیات الأحکام دراسه معمّقه ثاقبه، لیجد فیها الجواب على أکثر المسائل المطروحه، ولا ینظر إلیها بنظره عابره.
وقد استدل أئمه أهل البیت (علیهم السلام) بالقرآن على کثیر من الأحکام التی غفل عنها فقهاء عصرهم، ونذکر هنا نموذجاً على ذلک:
قُدّم إلى المتوکل رجل نصرانی فجر بامرأه مسلمه، فأراد أن یقیم علیه الحد، فأسلم، فقال یحیى بن أکثم: الإیمان یمحو ما قبله، وقال بعضهم: یضرب ثلاثه حدود. فکتب المتوکل إلى الإمام الهادی(علیه السلام) یسأله، فلمّا قرأ الکتاب، کتب: «یضرب حتى یموت».فأنکر الفقهاء ذلک، فکتب إلیه یسأله عن العلّه، فکتب: بسم اللّه الرّحمنِ الرَّحیم: ( فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللّهِ وَحْدَه وَکَفَرْنا بِما کُنّا بِهِ مُشْرِکینَ* فَلَمْ یَکُ یَنْفَعُهُمْ إِیمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّت اللّهِ الّتِی قَدْ خَلَتْ فِی عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِکَ الْکافِرُونَ ) ( [۷۹۴]). فأمر به المتوکل، فضرب حتى مات. ( [۷۹۵])
تجد انّ الإمام الهادی(علیه السلام) استنبط حکم الموضوع من آیه مبارکه، لا یذکرها الفقهاء فی عداد آیات الأحکام، غیر انّ الإمام لوقوفه على سعه دلاله القرآن، استنبط حکم الموضوع من تلک الآیه، وکم لها من نظیر. ولو انّ القارئ الکریم جمع الروایات التی استشهد بها أئمّه أهل البیت على مقاصدهم استشهاداً تعلیمیاً لا تعبدیاً لوقف على سعه آفاق القرآن.
وها نحن نذکر مثالین على سعه آفاق دلالته:
۱٫ إنّ الأُصولیین تحمّلوا عبئاً ثقیلاً لإثبات کون الأمر موضوعاً للوجوب ومجازاً فی الندب، فإذا ورد الأمر فی الکتاب احتاجوا فی استفاده الوجوب منه إلى نفی المدلول المجازی، بإجراء أصاله الحقیقه.
ولکن هذا النمط جار فی المحاورات العرفیه، والقرآن فی غنى عنها فی أغلب الموارد أو أجمعها، فإنّ لاستفاده الوجوب أو الندب فی الأوامر الوارده فی القرآن طریقاً آخر، وهو الإیعاز بالعذاب أو النار کما نجده فی کثیر من الواجبات مثل الصلاه و الزکاه والأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، قال سبحانه: ( ما سَلَکَکُمْ فی سَقَر* قالُوا لَمْ نَکُ مِنَ المُصَلِّین ) . ( [۷۹۶])وقال سبحانه: ( وَ سَیُجَنَّبُها الأَتْقى* الّذِی یُؤتِی مالَهُ یَتَزَکّى ) ( [۷۹۷]) بل کل ما أوعد على فعله أو ترکه یستفاد منه الوجوب أو الحرمه. ۲٫ اختلف الفقهاء فی وجوب الکتابه فی التداین بدین والاستشهاد بشاهدین الواردین فی قوله سبحانه: ( وَلْیَکْتُبْ بَیْنَکُمْ کاتِبٌ بِالْعَدْلِ… وَاسْتَشْهِدُوا شَهِیدَیْنِ مِنْ رِجالِکُمْ ) . ( [۷۹۸])
فمن قائل بالوجوب أخذاً بأصاله الحقیقه، وقائل باستحبابه مستدلاً بالإجماع، ومعتذراً عن الأصل المذکور بکثره استعمال صیغه الأمر فی الندب، مع أنّ الرجوع إلى نفس الآیه وما ورد حولها من الحکمه یعطی بوضوح انّ الأمرین لا للوجوب ولا للندب، بل الأمران إرشادیان لئلاّ یقع الاختلاف بین المتداینین فیسد باب النزاع والجدال. قال سبحانه: ( ذلِکُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَهِ وَ أَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَکُونَ تِجارَهً حاضِرَهً تُدِیرُونَها بَیْنَکُمْ ) . ( [۷۹۹])
ویدلّ على سعه دلالته أیضاً ما رواه المعلّى بن خنیس، قال: قال أبو عبد اللّه(علیه السلام) : «ما من أمر یختلف فیه اثنان إلاّ وله أصل فی کتاب اللّه عزّوجلّ، ولکن لا تبلغه عقول الرجال». ( [800])
وقال الإمام أمیر المؤمنین (علیه السلام) : «ذلک القرآن فاستنطقوه و لن ینطق لکم، أُخبرکم عنه انّ فیه علم ما مضى، وعلم ما یأتی إلى یوم القیامه، وحکم ما بینکم، وبیان ما أصبحتم فیه تختلفون، فلو سألتمونی عنه لعلّمتکم». ( [801])
وقال الصادق (علیه السلام) : «کتاب اللّه فیه نبأ ما قبلکم، وخبر ما بعدکم، وفصل ما بینکم، ونحن نعلمه». ( [802])
والسابر فی روایات أئمّه أهل البیت (علیهم السلام) یقف على أنّهم کانوا یستنبطون من الآیات نکاتاً بدیعه ومعانی رفیعه عن مستوى الأفهام.
وربّما یتصوّر الساذج انّ هذا النوع من التفسیر تفسیر بالرأی وفرض على الآیه، ولکن بعد الإمعان فی الروایه والوقوف على کیفیه استدلالهم (علیهم السلام) یذعن بأنّ لها دلاله خفیّه على ذلک المعنى الرفیع الشامخ وقد غفل عنه.
مثال ذلک ما رواه العیاشی فی تفسیره، عن زرقان صاحب ابن أبی دؤاد: أنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقه وسأل الخلیفه تطهیره بإقامه الحد علیه، فجمع لذلک الفقهاء فی مجلسه وقد أحضر محمد بن علی (علیهما السلام) فسألنا عن القطع فی أیّ موضع یجب أن یقطع، فقال الفقهاء: من الکرسوع، لقول اللّه فی التیمم: ( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِکُمْ وَ أَیْدِیکُمْ ) . ( [۸۰۳])
فالتفت الخلیفه إلى محمد بن علی فقال: ما تقول فی هذا یا أبا جعفر؟ فأجاب: «إنّهم أخطأوا فیه السنّه، فإنّ القطع یجب أن یکون من مفصل أُصول الأصابع، ویترک الکف»قال: لِمَ ؟
قال: «لقول رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) : السجود على سبعه أعضاء: الوجه، والیدین، والرکبتین، والرجلین; فإذا قطعت یده من الکرسوع لم یبق له ید یسجد علیها، وقال اللّه تبارک وتعالى: ( وأنّ المساجِدَ للّه ) یعنی به الأعضاء السبعه التی یسجد علیها: ( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً ) وما کان للّه لم یقطع».
فأعجب المعتصم ذلک، فأمر بقطع ید السارق من مفصل الأصابع دون الکف. ( [۸۰۴])
وروی عن الإمام أمیر المؤمنین (علیه السلام) أنّه کان إذا قطع السارق ترک الإبهام والراحه، فقیل له: یا أمیر المؤمنین ترکت علیه یده؟ قال: فقال لهم: «فإن تاب فبأیِّ شیء یتوضأ؟ لأنّ اللّه یقول: ( وَالسّارِقُوَ السّارِقَهُ فَاقْطَعُوا أَیْدِیَهُما ) ـ إلى قوله: ـ ( فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ یَتُوبُ عَلَیْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحیم ) ( [۸۰۵]) ». ( [806])
فهذا النمط من الاستدلال یوقف القارئ على سعه دلاله الآیات القرآنیه، وانّ أئمّه أهل البیت (علیهم السلام) هم السابقون فی هذا المضمار، یستنبطون من القرآن ما لا تصل إلیه الأفهام.
وأمّا عدد آیات الأحکام فقد ذکر الفاضل المقداد فی تفسیره «کنز العرفان» ما هذا نصّه:
اشتهر بین القوم أنّ الآیات المبحوث عنها نحو خمسمائه آیه، وذلک إنّما هو بالمتکرر والمتداخل، وإلاّ فهی لا تبلغ ذلک، فلا یظن من یقف على کتابنا هذا ویضبط عدد ما فیه، انّا ترکنا شیئاً من الآیات فیسیء الظن به و لم یعلم انّ المعیار عند ذوی البصائر والأبصار، إنّما هو التحقیق والاعتبار لا الکثره والاشتهار. ( [۸۰۷])
ویظهر من البعض أنّ عدد آیات الأحکام ربما تبلغ ۳۳۰ آیه، قال عبد الوهاب خلاف:
ففی العبادات بأنواعها نحو ۱۴۰ آیه.
وفی الأحوال الشخصیه من زواج وطلاق و إرث ووصیه و حجر وغیرها نحو سبعین آیه.
وفی المجموعه المدنیه من بیع وإجاره ورهن وشرکه وتجاره ومداینه وغیرها نحو سبعین آیه.
وفی المجموعه الجنائیه من عقوبات وتحقیق جنایات نحو ثلاثین آیه.
وفی القضاء والشهاده ومایتعلق بها نحو عشرین آیه. ( [۸۰۸]) ولکن بالنظر إلى ما ذکرنا من سعه آفاق دلالته یتبیّن انّ عددها ربّما یتجاوز عن الخمسمائه، إذ ربّ آیه لاتمت إلى الأحکام بصله، ولکن بالدقه والإمعان یمکن أن یستنبط منها حکم شرعی.
فمثلاً سوره المسد، أعنی قوله سبحانه: ( تَبَّتْ یَدا أَبِی لَهَب وَ تَبَّ * ما أَغنى عَنْهُ مالُهُ وَ ما کَسَب… ) ( [۸۰۹])، بظاهرها لیست من آیات الأحکام، ولکن للفقیه أن یستند إلیها فی استنباط بعض الأحکام الشرعیه، وقد حکی عن بعض الفقهاء انّه استنبط من سوره «المسد» قرابه عشرین حکماً فقهیاً، کما استنبطوا من قوله سبحانه: ( قالَ إِنِّی أُریدُ أَنْ أُنْکِحَکَ إِحدى ابْنَتَیَّ هاتَیْنِ على أَنْ تَأْجُرَنِی ثَمانِیَ حِجَج فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِکَ… ) ( [۸۱۰]) أحکاماً شرعیه.
وهذا بالنسبه إلى ما ذکرناه من سعه آفاق دلاله القرآن لیس بغریب.
ج . التدرّج فی التشریع
نزل القرآن تدریجیّاً قرابه ثلاث وعشرین سنه لأسباب و دواع مختلفه اقتضت ذلک، وأشار إلیها الذکر الحکیم فی غیر واحد من الآیات:
قال سبحانه: ( وَقُرآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُکْث وَنَزَّلْناهُ تَنْزِیلاً ) ( [۸۱۱]) أی فرقنا نزوله کی تقرأه على الناس على مهل وتریث.
کما أشار فی آیه أُخرى إلى داع آخر، قال سبحانه: ( وَقالَ الّذِینَ کَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَیْهِ الْقُرآنُ جُمْلَهً واحِدَهً کَذلِکَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَکَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِیلاً ) ( [۸۱۲]) فتثبیت فؤاد النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) أحد الأسباب التی دعت إلى نزول القرآن بین الحین والآخر وفی غضون السنین، شاحذاً عزمه (صلى الله علیه وآله وسلم) للمضیّ فی طریق الدعوه بلا مبالاه لما یتّهمونه به.
والآیه تعرب عن أنّ الکتب السماویه الأُخرى کالتوراه و الإنجیل والزبور نزلت جمله واحده، فرغب الکفار فی أن ینزل القرآن مثلها دفعه واحده.
ولیست الدواعی للنزول التدریجی منحصره فیما سبق، بل أنّ هناک أسباباً ودواعی أُخر دعت إلى نزوله نجوماً، و هی مسایره الکتاب للحوادث التی تستدعی لنفسها حکماً شرعیاً، فإنّ المسلمین کانوا یواجهون الأحداث المستجدَّه فی حیاتهم الفردیه و الإجتماعیه و لم یکن لهم محیص من طرحها على النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) بغیه الظفر بأجوبتها، وقد تکرر فی الذکر الحکیم قوله سبحانه: ( یَسْأَلُونَکَ ) قرابه خمس عشره مرّه و تصدى النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) للإجابه عنها، و تختلف تلک المواضیع بین الاستفسار عن حکم شرعی، کحکم القتال فی الشهر الحرام، والخمر، والمیسر، والتصرف فی أموال الیتامى، والأهلّه، والمحیض، والأنفال، وغیر ذلک; أو الاستفسار عن أُمور کونیه کالروح والجبال والساعه.
وهناک شیء آخر ربما یؤکد لزوم کون التشریع أمراً تدریجیاً، وهو أنّ موقف النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) تجاه أُمته کموقف الطبیب من مریضه، فکما أنّ الطبیب یعالج المریض شیئاً فشیئاً حسب استعداده، فکذلک الطبیب الروحی یمارس نشاطه التربوی طبقاً لقابلیات الأُمه الکامنه بغیه الاستجابه، لئلاّ تُثبط عزائمُهم و یُطفأ نشاطهم ویُثقل کاهلهم.
ومع ذلک فإن کانت الظروف مهیّئه لنزول تشریع أکثر تفصیلاً وأوسع تعقیداً وافاهم الوحی به، کما فی قوله سبحانه: ( قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّکُمْ عَلَیْکُمْ أَلاّ تُشْرِکُوا بِهِ شَیْئاً وَبِالوالِدَیْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَکُمْ مِنْ إِمْلاق نَحْنُ نَرْزُقُکُمْ وَ إِیّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتی حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالحَقِّ ذلِکُمْ وَصّاکُمْ بِهِ لَعَلَّکُمْ تَعْقِلُونَ ) . ( [۸۱۳])
وقال سبحانه: ( وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْیَتِیمِ إِلاّ بِالّتی هِیَ أَحْسَنُ حَتّى یَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوفُوا الْکَیْلَ وَ الْمِیزانَ بِالْقِسْطِ لا نُکَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ کانَ ذا قُرْبى وَ بِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُوا ذلِکُمْ وَصّاکُمْ بِهِ لَعَلَّکُمْ تَذَکَّرُونَ ) . ( [۸۱۴])
حیث تجد أنّ الآیتین تتکفّلان تشریع عشره أحکام تُعَدُّ من جوامع الکلم، وقد روى أمین الإسلام الطبرسی، قال: روى علی بن إبراهیم، قال: خرج أسعد بن زراره و ذکوان إلى مکه فی عمرهِ رجب یسألون الحلف على الأوس، وکان أسعد بن زراره صدیقاً لعتبه بن ربیعه، فنزل علیه، فقال له: إنّه کان بیننا وبین قومنا حرب وقد جئناکم نطلب الحلف علیهم، فقال عتبه: بعُدت دارنا عن دارکم ولنا شغل لا نتفرغ لشیء، قال: وما شغلکم وأنتم فی حرمکم وأمنکم؟! قال له عتبه: خرج فینا رجل یدّعی انّه رسول اللّه، سفّه أحلامنا، وسبّ آلهتنا، وأفسد شبابنا، وفرّق جماعتنا، فقال له أسعد: من هو منکم؟ قال: ابن عبد اللّه بن عبد المطلب، من أوسطنا شرفاً، وأعظمنا بیتاً; و کان أسعد وذکوان وجمیع الأوس والخزرج یسمعون من الیهود الذین کانوا بینهم أبناء «النضیر» و «قریظه» و «قین قاع» انّ هذا أوان نبی یخرج بمکه یکون مهاجره بالمدینه لنقتلنَّکم به یا معشر العرب، فلمّا سمع ذلک أسعد وقع فی قلبه ما کان سمعه من الیهود، قال: فأین هو؟ قال: جالس فی الحجر، وانّهم لا یخرجون من شعبهم إلاّ فی الموسم، فلا تسمع منه ولا تُکلّمه، فإنّه ساحر یسحرک بکلامه، وکان هذا فی وقت محاصره بنی هاشم فی الشعب، فقال له أسعد: فکیف أصنع وأنا معتمر لابدّ لی أن أطوف بالبیت؟ فقال: ضع فی أُذنیک القطن، فدخل أسعد المسجد وقد حشا أُذنیه من القطن، فطاف بالبیت ورسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) جالس فی الحجر مع قوم من بنی هاشم، فنظر إلیه نظره، فجازه.
فلمّـا کان فی الشوط الثانی قال فی نفسه: ما أجد أجهل منّی أیکون مثل هذا الحدیث بمکه فلا أعرفه حتى أرجع إلى قومی فأخبرهم، ثمّ أخذ القطن من أُذنیه و رمى به، وقال لرسول اللّه: أنعم صباحاً، فرفع رسول اللّه رأسه إلیه و قال: «قد أبدلنا اللّه به ما هو أحسن من هذا تحیه أهل الجنه: السّلام علیکم» فقال له أسعد: إنّ عهدک بهذا لقریب إلى مَ تدعو یا محمد؟ قال: «إلى شهاده أن لاإله إلاّ اللّه و انّی رسول اللّه، وأدعوکم:
( أَلاّ تُشْرِکُوا بِهِ شَیْئاً وَبِالوالِدَیْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَکُمْ مِنْ إِمْلاق نَحْنُ نَرْزُقُکُمْ وَ إِیّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتی حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالحَقِّ ذلِکُمْ وَصّاکُمْ بِهِ لَعَلَّکُمْ تَعْقِلُونَ* وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْیَتِیمِ إِلاّ بِالّتی هِیَ أَحْسَنُ حَتّى یَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوفُوا الْکَیْلَ وَ الْمِیزانَ بِالْقِسْطِ لا نُکَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ کانَ ذا قُرْبى وَ بِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُوا ذلِکُمْ وَصّاکُمْ بِهِ لَعَلَّکُمْ تَذَکَّرُونَ ) . ( [۸۱۵])
فلما سمع أسعد هذا قال: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شریک له، وانّک رسول اللّه. یا رسول اللّه بأبی أنت وأُمّی أنا من أهل یثرب من الخزرج، وبیننا وبین إخواننا من الأوس حبال مقطوعه، فإن وصلها اللّه بک فلا أجد أعزّمنک، ومعی رجل من قومی فإن دخل فی هذا الأمر رجوت أن یتمم اللّه لنا أمرنا فیک، واللّه یا رسول اللّه لقد کنّا نسمع من الیهود خبرک، وکانوا یبشّروننا بمخرجک، ویخبروننا بصفتک، وأرجو أن تکون دارنا دار هجرتک، وعندنا مقامک، فقد أعلمنا الیهود ذلک، فالحمد للّه الذی ساقنی إلیک، واللّه ما جئت إلاّ لنطلب الحلف على قومنا، وقد أتانا اللّه بأفضل ممّا أتیت له. ( [۸۱۶])
ومع ذلک کلّه فالتدرّج هو المخیِّم على التشریع، خاصه فیما إذا کان الحکم الشرعی مخالفاً للحاله السائده فی المجتمع، کما فی شرب الخمر الذی ولع به المجتمع الجاهلی آنذاک، فمعالجه هذه الرذیله المتجذّره فی المجتمع رهن طیّ خطوات تهیّئ الأرضیه اللازمه لقبولها فی المجتمع.
وقد سلک القرآن فی سبیل قلع جذور تلک الرذائل مسلک التدرّج.
فتاره جعل السکر مقابلاً للرزق الحسن، وقال: ( وَمِن ثَمَراتِ النَّخِیلِ وَالأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَکَراً وَرِزْقاً حَسَناً ) .( [۸۱۷])
فاعتبر اتّخاذ الخمر من التمور والأعناب ـ فی مجتمع کان تعاطی الخمر فیه جزءاً أساسیاً من حیاته ـ مخالفاً للرزق الحسن، وبذلک أیقظ العقول.
وهذه الآیه مهّدت وهیّئت العقول و الطبائع المنحرفه لخطوه أُخرى فی سیرها نحو تحریم الخمر، فتلتها الآیه الثانیه معلنه بأنّ فی الخمر والمیسر إثماً ونفعاً، ولکن إثمهما أکبر من نفعهما، قال سبحانه: ( یَسْأَلُونَکَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَیْسِرِ قُلْ فِیهِما إِثْمٌ کَبِیرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُُما أَکْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) . ( [۸۱۸])
إنّ هذا البیان وإن کان کافیاً إلاّ أنّ جماهیر الناس لا یقلعون عن عادتهم المتجذّره ما لم یرد نهی صریح حتى وافتهم الآیه الثالثه، قال سبحانه: ( یا أَیُّهَا الّذینَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاهَ وَأَنْتُمْ سُکارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُون ) ( [۸۱۹]) فالآیه الکریمه جاءت بالنهی الصریح عن شرب الخمر فی وقت محدّد، أی عند إراده الصلاه بغیه الوقوف على ما یتلون من القرآن و الأذکار. فهذه الخطوات الثلاث هیّئت أرضیه صالحه للتحریم القاطع الذی بیّنه سبحانه فی قوله: ( یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِنَّما الْخَمْرُ وَ الْمَیْسِرُ وَالأَنْصابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّیْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ ) .( [۸۲۰])
وأدلّ دلیل على أنّ التشریع القرآنی کان یتمتع بالتدرّج، تتابع الأسئله على النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) فی فترات مختلفه بغیه إجابه الوحی عنها، قال سبحانه:
۱٫ ( یَسْأَلُونَکَ ماذا یُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَیْر فَلِلْوالِدَیْنِ وَالأَقْرَبین ) . ( [۸۲۱])
۲٫ ( یَسْأَلُونَکَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتال فِیهِ قُلْ قِتالٌ فِیهِ کَبیر ) .( [۸۲۲])
۳٫ ( یَسْأَلُونَکَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَیْسِرِقُلْ فِیهِما إِثْمٌ کَبِیرٌ ) .( [۸۲۳])
۴٫ ( وَ یَسْأَلُونَکَ ماذا یُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) .( [۸۲۴])
۵٫ ( وَ یَسْأَلُونَکَ عَنِ الْیَتامى قُلْ إِصلاحٌ لَهُمْ خَیْر ) .( [۸۲۵])
۶٫ ( وَ یَسْأَلُونَکَ عَنِ الْمَحیضِ قُلْ هُوَ أَذىً ) .( [۸۲۶])
۷٫ ( یَسْأَلُونَکَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَکُمُ الطَّیِّباتُ ) .( [۸۲۷])
۸٫ ( یَسْأَلُونَکَ عَنِ الأَنْفالِ قُلِ الأَنْفالُ للّهِ وَالرَّسُول ) .( [۸۲۸])
وقد جاء فی بعض الآیات لفظ الاستفتاء بدل السؤال: قال سبحانه:
۹٫ ( وَ یَسْتَفْتُونَکَ فِی النِّساءِ قُلِ اللّهُ یُفْتِیکُمْ فِیهِنَّ ) .( [۸۲۹]) ۱۰٫ ( یَسْتَفْتُونَکَ قُلِ اللّهُ یُفْتِیکُمْ فِی الکَلالَه ) .( [۸۳۰])
وممّا یدل أیضاً على أنّ التشریع القرآنی أخذ لنفسه صوره التدرّج هو انّ الآیات المتضمّنه للأحکام الشرعیه منبثه فی سور شتى غیر مجتمعه فی محل واحد، وهذا یوضح انّ التشریع لم یکن على غرار التشریع فی التوراه الذی نزل دفعه واحده یقول سبحانه: ( وَکَتَبْنا لَهُ فِی الأَلْواحِ مِنْ کُلِّ شَیء مَوْعِظَهً وَتَفْصِیلاً لِکُلِّ شَیْء فَخُذْها بِقُوَّه وأْمُرْ قَوْمَکَ یَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُورِیکُمْ دارَ الْفاسِقِین ) .( [۸۳۱])
وقال: ( وَلَمّا سَکَتَ عَنْ مُوسى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْواحَ وَفِی نُسْخَتِها هُدًى وَرَحْمَهٌ لِلَّذِینَ هُمْ لِرَبِّهِمْ یَرْهَبُونَ ) . ( [۸۳۲])
هذا بعض الکلام فی ملامح التشریع الإسلامی ثبوتاً وإثباتاً قدمتها للمؤتمر العالمی الحادی عشر (ربیع الأول ۱۴۱۹ هـ) للوحده الإسلامیه، عسى أن یوفق أصحابنا لجمع شمل المسلمین وتقریب خطاهم.
جعفر السبحانی
قم ـ الجامعه الإسلامیه
[۷۶۹] . أُلقیت فی المؤتمر العالمی للتقریب بین المذاهب الإسلامیه المنعقد فی طهران عام ۱۴۱۹هـ .
[۷۷۰] . المائده: ۹۱٫
[۷۷۱] . العنکبوت: ۴۵٫
[۷۷۲] . الفرقان: ۶۴٫
[۷۷۳] . الأعراف: ۳۲٫
[۷۷۴] . نهج البلاغه: باب الحکم، الحکمه ۳۹۰، طبعه صبحی الصالح.
[۷۷۵] . الحج: ۷۸٫
[۷۷۶] . المائده: ۶٫
[۷۷۷] . الوسائل: ۱۲/۳۶۴ ح ۳ و ۴ ، الباب ۱۷ من أبواب الخیار .
[۷۷۸] . البقره: ۱۸۵٫
[۷۷۹] . أحمد بن حنبل: المسند: ۵/ ۲۶۶٫
[۷۸۰] . الکافی: ۲/۷۰ ح ۱٫
[۷۸۱] . البقره: ۱۹۰٫
[۷۸۲] . البقره: ۱۹۴٫
[۷۸۳] . الشورى: ۴۰٫
[۷۸۴] . الأنعام: ۱۶۴٫
[۷۸۵] . البقره: ۲۲۸٫
[۷۸۶] . الحجرات: ۱۳٫
[۷۸۷] . الکافی: ۸/۲۴۶ برقم ۳۴۲٫
[۷۸۸] . المجادله: ۲۲٫
[۷۸۹] . آل عمران: ۱۳۸٫
[۷۹۰] . إبراهیم: ۵۲٫
[۷۹۱] . القصص: ۴۳٫
[۷۹۲] . یونس: ۵۷٫
[۷۹۳] . النحل: ۸۹٫
[۷۹۴] . غافر: ۸۴ ـ ۸۵٫
[۷۹۵] . ابن شهر آشوب: مناقب آل أبی طالب: ۴/۴۰۳ ـ ۴۰۵٫
[۷۹۶] . المدثر: ۴۲ ـ ۴۳٫
[۷۹۷] . اللیل: ۱۷ ـ ۱۸٫
[۷۹۸] . البقره: ۲۸۲٫
[۷۹۹] . البقره: ۲۸۲٫
[۸۰۰] . الکافی: ۱/ ۶۰ـ ۶۱، باب الرد إلى الکتاب والسنّه، الحدیث ۶و۷و ۹٫
[۸۰۱] . الکافی: ۱/ ۶۰ـ ۶۱، باب الرد إلى الکتاب والسنّه، الحدیث ۶و۷و ۹٫
[۸۰۲] . الکافی: ۱/ ۶۰ـ ۶۱، باب الرد إلى الکتاب والسنّه، الحدیث ۶و۷و ۹٫
[۸۰۳] . النساء: ۴۳٫
[۸۰۴] . الوسائل: ۱۸، الباب ۴ من أبواب حدّ السرقه، الحدیث ۵و ۶٫
[۸۰۵] . المائده: ۳۸ـ ۳۹٫
[۸۰۶] . الوسائل: ۱۸، الباب ۴ من أبواب حدّ السرقه، الحدیث ۵و ۶٫
[۸۰۷] . جمال الدین المقداد السیوری: کنز العرفان فی فقه القرآن: ۱/ ۵٫
[۸۰۸] . عبد الوهاب خلاف: خلاصه تاریخ التشریع الإسلامی: ۲۸ـ ۲۹٫
[۸۰۹] . المسد: ۱ـ ۲٫
[۸۱۰] . القصص: ۲۷ـ ۲۸٫
[۸۱۱] . الإسراء: ۱۰۶٫
[۸۱۲] . الفرقان: ۳۲٫
[۸۱۳] . الأنعام: ۱۵۱٫
[۸۱۴] . الأنعام: ۱۵۲٫
[۸۱۵] . الأنعام: ۱۵۱ـ ۱۵۲٫
[۸۱۶] . الطبرسی: إعلام الورى: ۵۵ـ ۵۷٫
[۸۱۷] . النحل: ۶۷٫
[۸۱۸] . البقره: ۲۱۹٫
[۸۱۹] . النساء: ۴۳٫
[۸۲۰] . المائده: ۹۰٫
[۸۲۱] . البقره: ۲۱۵٫
[۸۲۲] . البقره: ۲۱۷٫
[۸۲۳] . البقره: ۲۱۹٫
[۸۲۴] . البقره: ۲۱۹٫
[۸۲۵] . البقره: ۲۲۰٫
[۸۲۶] . البقره: ۲۲۲٫
[۸۲۷] . المائده: ۴٫
[۸۲۸] . الأنفال: ۱٫
[۸۲۹] . النساء: ۱۲۷٫
[۸۳۰] . النساء: ۱۷۶٫
[۸۳۱] . الأعراف: ۱۴۵٫
[۸۳۲] . الأعراف: ۱۵۴٫